لمن الحكم ؟

هذا سؤال لا تصعب الاجابة عليه بعد أن علمنا أن الله هو خالق الكون ومالكه , وأنه استعمر البشر واستخلفهم في الأرض , و أمرهم أن يتبعوا هداه , وأن لا يستجيبوا لغيره , فكل ذي منطق سليم لا يستطيع أن يقول بعد أن علم هذا إلا أن الحكم لله , وأنه جل شأنه هو الحاكم في هذا الكون ما دام هو خالقه ومالكه, وأن على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل و يحكموا به , لأنهم من وجه قد استخلفوا في الأرض استخلافا مقيدا باتباع هدى الله, ولأنهم من وجه آخر خلفاء لله في الأرض , وليس للخليفة أن يخرج على أمر من استخلفه .

وقد جاءت نصوص القرآن مؤيدة لهذا المنطق البشري السليم؛ فهي تلزم البشر باتباع ما جاء من عند الله , وتحرم عليهم تحريما قاطعا اتباع ما يخالفه :" اتبع ما أوحى اليك من ربك لا اله الا هو وأعرض عن المشركين " الأنعام:106 .

"اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونه أولياء " الأعراف :3 .

وقد علمنا الله أن الحق شيء واحد لا يتعدد , و أنه ليس في الدنيا إلا  حق أو باطل , وليس بعد الحق إلا الضلال "فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون " يونس :32 .

كما علمنا أنه أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه و سلم بالحق " إنا أرسلناك بالحق بشيرا و نذيرا " البقرة:119. و أن الكتاب الذي أنزل عليه جاء بالحق : " أنزل عليك الكتاب بالحق " آل عمران:3 ."إنا نزلنا اليك الكتاب بالحق" النساء :105 .

وإذا كان الله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق " التوبة:33 . فإن الذين يستجيبون للرسول ولما جاء به إنما يستجيبون للحق ويتبعون الهدى .

أما الذين لا يستجيبون للرسول و لما جاء به من الحق فقد علمنا الله أنهم  يستجيبون للضلال و يتبعون أهواءهم , وأن أعظم الناس ضلالا هو من اتبع هواه و لم يهتد بهدى الله :" فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله" القصص:50.

وقد جعل الله ما أنزله على رسوله شريعة لنا , وأوجب علينا أن نتبعها ونلتزم حدودها , ونهانا عن اتباع تشريعات الناس وقوانينهم فما هي إلا أهواؤهم و ضلالاتهم يصوغونها تشريعات وقوانين يضلون بها البشر ويصرفونهم عن شريعة الله, وهم مهما تعلموا وعلموا لا يعلمون شيئا في جنب علم الله الذي أحاط بكل شيء علما , والذي يعلم ما فيه هداية البشر وخيرهم :"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " الجاثية:18.

والشريعة التي أنزلها الله على رسوله وألزمنا اتباعها والعمل بها ليست إلا كتاب الله الذي يقرؤه المسلمون ويستمعون إليه في كل صباح و مساء " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" الانعام:155. و هذا الكتاب هو القرآن الكريم :"كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " فصلت :3 .

ولقد كان في النصوص السابقة ما يكفي للقطع بأن الحكم في البلاد الإسلامية يجب أن يكون طبقا للشريعة الاسلامية؛ لأن اتباع ما أنزل الله يقتضي أن يكون الحكم ما أنزل الله , وأن يكون الحكام قائمين على أمر الله فيما يتصل بذواتهم وفيما هو في أيدهم فما يستطيعون أن يتبعوه عند الاختلاف , واذا استطاعوا أن تبعوا أمر الله فيما هو للأفراد فكيف يستطيعون أن يتبعوه فيما هو للحكام إذا لم يكن الحكام مقيدين باتباع ما أنزل الله ؟

و كان يكفي أن نعلم أن الله أوجب علينا عند التنازع والاختلاف أن نتحاكم إلى ما أنزل الله ونحكم في المتنازع عليه والمختلف فيه بحكم الله "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" النساء:59. " وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله " الشورى:10 , كان يكفي أن نعلم هذا لنقطع بأن الحكم لله , وأن الحكام والمحكومين في كل بلد اسلامي يجب أن يتقيدوا في كل تصرفاتهم واتجاهاتهم باتباع ما أنزل الله , وأن يجعلوا دستورهم الأعلى كتاب الله .

ولكن الله جل شأنه , وهو أعلم بالإنسان , وبأنه أكثر شيء جدلا جاءنا بنصوص لا سبيل فيها إلى جدال أو استنتاج , تقضي أن الحكم لله في الدنيا و في الآخرة " هو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة و له الحكم وإليه ترجعون" القصص:70. وتبين لنا أن الله لم يرسل الرسل إلا مبشرين و منذرين , ولم ينزل الكتب إلا ليتخذها الناس دستورا في حياتهم الدنيا , يحكمونها ويحكمون بمقتضاها في كل شئونهم "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" البقرة:213.

ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أنزل القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون دستور البشرية وقانونها الأعلى , وليقضي الرسول بين الناس على مقتضى أحكامه كما علمه الله " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله"النساء:105.

ونعرف أن الله جل شأنه نفى الايمان عن العباد وأقسم بنفسه على ذلك حتى يحكموا الرسول فيما شجر بينهم ليحكم فيه بحكم الله , و لم يكتف الله تعالى في اثبات الايمان لهم بهذا التحكيم المجرد بل اشترط لاعتبارهم مؤمنين أن ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق من قضاء الرسول و حكمه , وأن يسلموا تسليما وينقادوا انقيادا لما حكم به , ولن يحكم إلا بما أنزل الله و بما أراه إياه"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما " النساء :65.

و من هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أمر أن يتحاكم الناس إلى ما أنزله على رسوله و يحكموا به و أنه تعالى حذر من اتباع الأهواء و الحكم بها , و أمر أن يكون الحكم كله مطابقا لما أوحي به, كما حذر الحاكم من أن يترك بعض ما أنزل الله أو أن يفتن عنه "فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق " المائدة:48."وأن احكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل إليك" المائدة:49." وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي و لا واق" الرعد:37 .

ومن هذه النصوص نعرف أن الله جعل الحكم بما أنزله أحسن حكم و أفضله , وأنه نسب الحكم بما أنزل إلى نفسه فجعله حكم الله وأنه جعل الحكم بما عداه حكما جاهليا يقوم على الباطل , وأنه وصف من يبتغي غير حكم الله بأنه يبغي حكم الجاهلية القائم على الأهواء و الضلال "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" المائدة:50.

ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله حرم الحكم بغير ما أنزل , كما حرم عليهم الكفر والظلم والفسوق والعصيان , وجعل من لم يحكم بما أنزل الله كافرا وظالما وفاسقا , فقال جل شأنه" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " المائدة:44 " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " المائدة: 45 " و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" المائدة:47.

ولقد عبر القرآن عن الكفر بلفظ الظلم , ومن ذلك قوله تعالى " إن الشرك لظلم عظيم" لقمان : 13 و قوله" و الكافرون هم الظالمون " العنكبوت :49 . كذلك عبر القرآن عن الكفر و الظلم بالفسق من ذلك قوله تعالى "    ولقد أنزلنا اليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون " البقرة:99. و قوله"انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون "التوبة : 84 , و قوله " ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" النور:55. و قوله"فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون " البقرة:59. و قوله "   وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون" الأعراف:195.

وإذا كان الظلم والفسق بمعنى الكفر فيكون فسق من لم يحكم بما أنزل الله   وظلمه هو الكفر , ويكون من لم يحكم بما أنزل الله كافرا في كل الأحوال بنص القرآن .

و لكن بعض المفسرين يفسرون الظلم بالانحراف عن الحق , ويفسرون الفسق بالعصيان , ويجمعون بين الآيات الثلاث في التفسير , فيرون أن من يستحدث من المسلمين أحكاما غير ما أنزل الله ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته , فإنه يصدق عليه ما قاله الله , كل بحسب حاله , فمن أعرض عما أنزل الله لأنه بفضل عليه غيره من أوضاع البشر فهو كافر قطعا , ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود    والنكران فهو ظالم إن كان في حكمه مضيعا لحق أو تاركا لعدل أو مساواة , وإلا فهو فاسق .

الحكم من طبيعة الإسلام

هذه بعض نصوص القرآن التي تعرضت للحكم , ليس بعد ما ذكرنا حجة لمحتج ولا سبيل لجدال , فليعرف المسلمون أحكام دينهم ونصوص شريعتهم , ثم ليأخذوا عن بينة وليدعوا عن بينة , أما أن ينطلقوا وراء تلاميذ المبشرين وأذناب المستعمرين و يدعون مثلهم أن الإسلام لا علاقة له بالحكم , و لم ترد فيه نصوص عن الحكم فذلك هو الجهل المطبق والجدل المنكر , وأي جهل أشد من جهل رجل يدعي لنفسه صفة لا يعرف ماهيتها , فيدعي لنفسه الإسلام وهو يجهل حقيقة الإسلام , وأي جدل أنكر من جدال جاهل يحتج على الناس بجهله , ويريد منهم أن ينكروا ما علموه لأنه يجهل أو لا يريد أن يتعلمه !.

إن الإسلام يلزم الناس باتباع ما أنزل الله ويوجب عليهم أن يتحاكموا إلى ما جاء من عند الله ويحكموا به وحده دون غيره , وليس لذلك معنى إلا أن الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام , والدعامة الأولى التي يقوم عليها الإسلام .

ان كل من له إلمام بالإسلام يعلم حق العلم أن الحكم في الإسلام تقضي به طبيعة الإسلام أكثر مما تقضي به نصوص القرآن , ففي طبيعة الإسلام أن يسيطر على الأفراد و الجماعات ويوجههم و يحكم تصرفاتهم , وفي طبيعة الإسلام , ولا يعلمون عنه إلا أنه عبادات يتلقونها عن طريق التقليد و المحاكاة .

الإسلام عقيدة ونظام

والإسلام عقيدة ومبدأ، ما في ذلك شك، ولكنه ما كان عقيدة تعتقد ومبدأ يعتنق إلا بعد أن استوى نظاما دقيقا شاملا ينظم كل شأن من شئون النفس البشرية , وينظم كل ما تحيط به النفوس من المعاني وما تدركه من المحسوسات , سواء اتصلت بالأفراد أو الجماعات , وسواء اتصلت بدنيانا التي نعيش فيها أو بالحياة الأخرى التي نرجوها حياة طيبة .

والإسلام كعقيدة هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , ولكنه كنظام يسيطر على الانسان سيطرة تامة ويرسم له منهاجا في الحياة و هدفه منها , كما يرسم له طرائق العمل التي تؤدي إلى السعادة في الدنيا و الآخرة .

الإسلام كنظام يسيطر على المسلم في كل حركاته و سكناته , يسيطر عليه في تفكيره و نيته , وفي قوله وعمله , يسيطر عليه في سره وجهره وفي خلوته وجلوته , يسيطر عليه في قيامه وقعوده وفي نومه ويقظته , يسيطر عليه في طعامه و شرابه وفي ملبسه وحليته , يسيطر عليه في بيعه وشرائه وفي تصرفاته ومعاملاته , يسيطر عليه في جده ولهوه وفي فرحه وحزنه وفي رضاه وغضبه , يسيطر عليه في بأسائه ونعمته وفي مرضه وصحته وفي ضعفه و قوته , يسيطر عليه غنيا و فقيرا صغيرا و كبيرا عظيماو حقيرا , يسيطر عليه في بنيه وأهله وفي صداقته وعداوته وفي سلمه وحربه , يسيطر عليه فردا و في جماعة وحاكما ومحكوما ومالكا وصعلوكا , وليس ثمة تصرف يتصوره العقل أو حال يكون عليها الانسان إلا سيطر فيها الإسلام على المسلم و وجهه الوجهة التي رسمها .

والذين يظنون أن الإسلام عقيدة وليس نظاما إنما هم جهال لا يعلمون من الإسلام شيئا , أو هم أغبياء لا يستطيعون أن يفقهوا حقيقة الإسلام , فالإسلام في حقيقته صبغة يصبغ الله بها عباده المؤمنين " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة" البقرة:138. و لا يكون المسلم مسلما إلا إذا اصطبغ بصبغة الإسلام , ولون نفسه وأهله وتصرفاته وما يحيط به باللون الإسلامي الخالص .

وأجهل من هؤلاء وأشد غباء من يظنون أن مصلحة المسلمين في أن يحافظوا على الإسلام عقيدة وينبذوه نظاما , ذلك أن العقائد والمبادئ الإسلامية لا يمكن أن تعيش و تنتشر إلا في ظل النظام الاسلامي الذي تكفل بوضعه الخلاق العليم .

ولست أدري كيف يؤمن هؤلاء بالإسلام عقيدة ولا يؤمنون به نظاما , أتراه عقيدة من عند الله , ونظاما من عند غير الله ؟ " قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا" النساء:78.

إن الله الذي جعل الإسلام دينا هو الذي جعله عقيدة ونظاما , وإن الله ليأبى على الناس أن يبتغوا لأنفسهم دينا غير هذا الدين " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"آل عمران :85. ولقد أكمل الله الدين الاسلامي وأتم باكماله نعمته على الخلق ورضيه دينا للناس فما يجوز لهم أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه , وما يجوز لهم أن يرضوا لأنفسهم غير ما رضيه الله لهم " اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " المائدة: 3.

و إذا كان الله جل شأنه قد اختار الإسلام دينا ورضيه للناس عقيدة ونظاما , فكيف يكون لمؤمن أن يختار وقد حرم الله عليه الاختيار "وما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" الأحزاب :36.

أفلا يعلم هؤلاء أن الأحكام لا تتجرأ ولا تقبل الانفصال , وأن نصوصه تمنع من العمل ببعضها وإهمال البعض الآخر كما تمنع من الإيمان ببعضها والكفر ببعض , وأن الله جل شأنه توعد من يفعل لك بالخزي في الحياة الدنيا وبالعذاب الشديد في الآخرة " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ " البقرة :85.

ولقد تمنى قوم في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يترك الرسول بعض ما أنزل الله ليحكم بما يتفق مع أهوائهم فنزل الوحي يأمر الرسول بأن يتمسك بما أنزل الله ويحذره من اتباع أهواء هؤلاء الفساق , و يعلمه أن تحكيم الأهواء هو حكم الجاهلية , وأن أفضل حكم و أحسنه هو ما اختاره الله لعباده " وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك , فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وأن كثيرا من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"المائدة :49-50.

إن الذين يريدون أن يفصلوا بين العقيدة الاسلامية والنظام الاسلامي إنما هم أعداء الإسلام عن عمد أو جهل؛ فالنظام الإسلامي أشبه ما يكون بالآلة التي تنتج الكهرباء والعقيدة الإسلامية هي النور الذي تعمل الآلة لإنتاجه , فإذا عطلت الآلة انقطع النور وانتهى الإسلام .

إن الدين الإسلامي يمتاز بأنه استطاع أن يوحد بين الأجناس والألوان والأمم , وأن يوجههم جميعا وجهة واحدة , وأن يحملهم على نهج واحد وغاية واحدة , وما استطاع لدين الاسلامي أن يصل لهذا إلا لأنه عقيدة ونظام .

ولقد جاءنا الإسلام بعقائد معينة ولكنه لم يأتنا بها مجردة , وإنما أتى معها بالنظام الذي تقوم عليه وتحيا به , وألزمنا اتباعه والتزامه , وهو نظام دقيق من التربية والتوجيه , يشمل كل شيء كما قدمنا , ويتدخل في كل حالة من حالات الانسان , وينتقل بالفرد من مرحلة إلى مرحلة حتى ينتهي به إلى مرحلة التخلي عن أنانيته وأهوائه ويصل به إلى مرحلة التجرد لخدمة المبادئ القرآنية والفناء فيها . وهكذا يربي الإسلام المسلمين تربية واحدة و يوجههم توجيها موحدا , ويجردهم لخدمة أهداف واحدة , فما يطلبه أحدهم هو ما يطلبه الآخر , وما تعمل له مجموعة منهم هو نفسه ما تعمل له كل مجموعة أخرى , وما يأمله صغيرهم هو ما يأمله كبيرهم , وما يضر أحدهم يضر مجموعهم , فهم على تعدد أشخاصهم و تباعد بلادهم نفس واحدة, وقلب واحد , ورجل واحد , وعلى هذا الأساس شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

واذا كان الإسلام في حقيقته عقيدة و نظاما , فإن طبيعته تقتضيه أن يكون حكما , ذلك أن قيام العقيدة يقتضي قيام النظام الذي أعد لخدمتها , ولا يمكن أن يقوم النظام الاسلامي إلا في ظل حكم اسلامي يماشي النظام الاسلامي ويؤازره , إذ إن كل حكم غير اسلامي لابد أن يؤدي إلى تعطيل النظام الاسلامي , وإذا كان قيام النظام الإسلامي يقتضي قيام حكم إسلامي فمعنى ذلك أن الحكم الاسلامي من مقتضيات الإسلام أو هو من طبيعة الإسلام .

الإسلام دين ودولة

و الإسلام ليس دينا فحسب وإنما هو دين ودولة وفي طبيعة الإسلام أن تكون له دولة , ولو حذفنا النصوص الصريحة التي أوردناها فيما سبق والتي توجب الحكم بما أنزل الله , لما غير ذلك شيئا من طبيعة الإسلام التي تقتضي قيام الحكم الاسلامي والدولة الاسلامية , فكل أمر في القرآن والسنة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة اسلامية لأن تنفيذه كما يجب غير مأمون إلا في ظل حكم إسلامي خالص ودولة إسلامية تقوم على أمر الله . وقيام الإسلام نفسه في الحدود التي رسمها الله و بينها الرسول يقتضي قيام دولة اسلامية تقيم الإسلام في حدوده المرسومة , وذلك منطق لا يجحده إلا مكابر , إذ إن الإسلام لا يمكن أن يقوم على وجهه الصحيح في ظل دولة غير إسلامية لا يهمها أن يقام , ولا يضرها أن ينتقص منه , ولا يمنعها شيء من تعطيله أو الانحراف به , وإنما يقوم الإسلام على وجهه الصحيح في ظل دولة تقوم على مبادئ الإسلام و تتقيد بحدوده .

وأكثر ما جاء به الإسلام لا يدخل تنفيذه في اختصاص الأفراد وإنما هو اختصاص الحكومات وهذا وحده يقطع بأن الحكم من طبيعة الإسلام ومقتضياته وأن الاسلام دين ودولة .

فالإسلام قد أتى بتحريم كثير من الأفعال , واعتبر إتيانها جريمة يعاقب عليها , وفرض لهذه الجرائم عقوبات , ومن هذه الجرائم القتل العمد وعقوبته القصاص :" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " البقرة:178. والسرقة عقوبتها قطع اليد :" والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" المائدة:38. و القذف وعقوبته الجلد :" والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " النور:40 .

ولا جدال في تحريم الأفعال واعتبارها جرائم وفرض العقوبات عليها إنما هو من مسائل الحكم ومن أخص ما تقوم به الدولة , ولو لم يكن الإسلام دينا ودولة لما سلك هذا المسلك .

ولا شك أن القرآن لم يأت بالنصوص الخاصة بالجرائم عبثا , وإنما جاء بها لتنفذ وتقام , واذا كان القرآن قد أوجب على المسلمين إقامة هذه النصوص و تنفيذها , فقد أوجب عليهم أن يقيموا حكومة ودولة تسهر على إقامة هذه النصوص , وتعتبر تنفيذها بعض ما يجب عليها .

والإسلام يوجب المساواة بين الناس فو قوله تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " الحجرات :13, وفي قول الرسول صلى الله عليه و سلم : " الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى "  وأخذ الناس بالمساواة داخل في اختصاص الحكومات ولا يدخل في اختصاص الأفراد .

والقرآن يوجب العدالة في الحكم :" واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء:135. والعدالة في الحكم من أخص شئون الحكومات والدول .

والإسلام يحرم الاحتكار في قول الرسول صلى الله عليه و سلم :" لا يحتكر إلإ خاطئ " . و يحرم الربا في قوله تعالى :"و أحل الله البيع و حرم الربا " البقرة:275 . و يحرم استغلال النفوذ والرشوة في قوله تعالى :" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم و أنتم تعلمون " البقرة:188. و تحريم الاحتكار والربا والاستغلال والرشوة من أول ما تعمل له الحكومات الصالحة و من أهم اختصاصاتها .

والإسلام يفرض ضرائب على الأموال :" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " التوبة :103. و يفرض في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء " و الذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " المعارج:24. ويحمل الثروات أحمالا من الضرائب التي تنفق في سبيل الله وعلى ذوي الحاجة على ما رأينا في فصل المال ويقيد من يدهم المال بقيود شتى , وكل هذا منأخص أعمال الحكومات في أقدم العهود وأحدثها بل هو أهم ما يقيم الحكومات و يسقطها .

والإسلام يوجب أن يكون الحكم شورى بقوله تعالى :"وأمرهم شورى بينهم " الشورى:38 . وقوله و شاورهم في الأمر " آل عمران :159. وإقامة حكم الشورى تقتضي قيام حكم إسلامي ودولة اسلامية , ولو لم يكن الإسلام دينا ودولة لما تعرض لشكل الحكومة و بين نوعها .

والإسلام بعد ذلك قد جاءت بنصوص يصعب حصرها تنظم صلات الأفراد بالحكومات , وصلة الحكومات بالأفراد , وتنظم التصرفات والمعاملات من بيع وإيجار وهبة ووصية و زواج وطلاق إلى غير ذلك , وتنظم الإدارة والاقتصاد , وتحكم الفتن الداخلية والمنازعات الدولية , والسلم والحرب والصلح و المعاهدات , وتحكم كل شأن من شؤون الأفراد و شئون الجماعات , و تقيم الجماعة على أساس من المساواة والتعاون والتضامن الاجتماعي , وهذه النصوص في مجموعها تكون دستورا للحكم ينبذ كل دستور وضعي عرف حتى الآن وتكون شريعة تحكم كل التصرفات هي أسمى ما عرف إلى اليوم من تشريعات , وكل هذه أمور لا يقوم عليها ولا يمكن أن يضطلع بها إلا الحكومات والدول , فإذا جاء بها الاسلام وأوجبها , فقد جاء بالحكومة وأوجب قيام الدولة , ما يجادل في ذلك عاقل ولا يستسيغ غيره عقل .

واذا قلنا إن الإسلام دين و دولة , فقد يذهب الظن بالبعض إلى أن الإسلام يفرق بين الدين و الدولة , وهذا ظن خاطئ , فإن الإسلام مزج بين الدين بالدولة , ومزج الدولة بالدين؛ حتى لا يمكن التفريق بينهما , وحتى أصبحت الدولة في الإسلام هي الدين, وأصبح الدين في الإسلام هو الدولة. فالإسلام يقيم شئون الدنيا كلها على أساس من الدين , ويتخذ من الدين سندا للدولة ووسيلة لضبط شئون الحكم وتوجيه الحكام والمحكومين .

والدولة المثالية في الإسلام هي الدولة التي تقيم أمور الدنيا بأمر الدين , فتأخذ رعاياها بما أمر الله , و تمنعهم عما نهى الله :"الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " الحج:41.

والدين في الإسلام ضروري للدولة , والدولة ضرورة من ضرورات الدين , فلا يقام بغير الدولة , ولا تصلح الدولة بغير الدين.

 من كتاب "الإسلام وأوضاعنا السياسية" للقاضي الشهيد الدكتور عبد القادر عوده رحمه الله.