تمكنت شركة صهيونية تعمل في مجالات استكشاف وتطوير وإنتاج وبيع الغاز الطبيعي والمكثفات من الهيمنة على حصة ضخمة من إنتاج مصر من البترول والغاز الطبيعي، عبر شراء 90% من حصة شركة "كابريكورن" Capricon البريطانية، العاملة في مصر منذ سنوات، وبناء تحالفات استراتيجية مع شركاء آخرين من الولايات المتحدة وأوروبا ومنتجين محليين.

وأعلن يوسي آبو، العضو المنتدب لشركة "نيوميد إنيرجي" Newmed Energy التي كانت تحمل اسم "ديليك" الصهيونية سابقاً Delek Group، أن شركته صنعت تاريخاً باتفاق غير مسبوق مع مصر والأردن والإمارات العربية، بعد سيطرة شركته على أكبر أصول لشركة "كابريكورن إنرجي" في مصر، بما سيسفر عن ظهور "عملاق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للغاز والطاقة"، على حد وصفه.

وجاءت الصفقة بعدما تراجعت "كابريكورن"، التي اشترت منذ فترة أصول مجموعتي شل الهولندية و"بي بي" البريطانية في مصر، عن الاندماج مع شركة "تولو أويل" Tullow Oil المدرجة في المملكة المتحدة، وفضلت إبرام الصفقة الأخيرة مع الشركة الصهيونية، بمقتضى اتفاق جرى الإعلان عنه في نهاية سبتمبر الماضي.

ووافقت كابريكورن على امتلاك مساهمي شركة Delek Drilling الصهيونية، والتي عملت شريكا لمدة طويلة في مشروعات بيع ونقل الغاز بين مصر والكيان الصهيوني، والتي بدلت اسمها حاليا 90% من أسهم Capricorn، بحصة قدرها مليونين و337344 سهما، مقابل 620 مليون دولار.

زيادة صادرات الغاز

وقال يوسي آبو في تصريحات صحفية أخيراً، إن مجموعته الجديدة ستعمل على رفع إنتاجها في مصر إلى 200 ألف برميل من النفط المكافئ يومياً، بحلول عام 2030، بزيادة عن الإنتاج الحالي البالغ 85 ألف برميل، مع زيادة حجم صادراتها من الغاز من حقل "ليفياثان" Leviathan البحري قبالة السواحل الفلسطينية المحتلة، وهو الخزان الأكبر إنتاجا بالبحر المتوسط للغاز، وتصديره إلى أوروبا عبر خط أنابيب جديد يربط الحقول التي يسيطر عليها الصهاينة بمحطات إسالة الغاز الطبيعي المصرية.

ولا تمنح صفقة الاستحواذ الشركة الصهيونية السيطرة على أصول "كابريكورن" في مصر فحسب، وإنما الوصول بحرية إلى شبكة خطوط أنابيب الغاز والبترول البحرية والبرية، ومصانع تسييل الغاز المحلية والهيدروجين الأزرق، مع ربطها بشبكة موازية تصل بين حقلي تمار وليفياثان قبالة السواحل الفلسطينية المحتلة، اللذين يصدران الغاز لشركة كهرباء الأردن، وفق خبراء في قطاع الطاقة.

الاحتلال ستصدّر الغاز إلى أوروبا عبر مصر

وتستهدف الشركة الصهيونية، بحسب الخبراء، صناعة تحالف بين منتجي الغاز والنفط والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين الأخضر، لتكون محوراً مركزيا في مشروع تحالف دولي في المنطقة يضم الدول التي وقعت اتفاقيات سلام مع الاحتلال، وتشمل مصر والأردن والمغرب والإمارات والبحرين. وستقوم الشركة الصهيونية بطرح أسهمها في بورصتي لندن وتل أبيب، مطلع العام المقبل.

اعتبر نايل شافعي، خبير البترول المصري، أن "الصفقة الإسرائيلية دليل على سياسة النظام الحالي في مصر في التفريط بمقدرات الدولة، وعدم احترامه لإرادة شعبه، بتنازله عن ملكية أصوله للصهاينة، بطريقة التفافية، مع شركات أميركية وأوروبية، لتملك تلك الأصول، وبتشجيع من الحكومة وعدد من رجال الأعمال الذين يصنعهم النظام".

واجهة لمخابرات الصهاينة

وأوضح شافعي في رسالة مسجلة لـ"العربي الجديد"، أن شركة "نيوميد" مملوكة لـ"Delek Group" القابضة الإسرائيلية، والتي كانت تسمى "Delek Drilling"، التي يرأسها إسحاق شوفر أحد القيادات الأمنية السابقة في إسرائيل، ويعتقد كثيرون أنها مملوكة للحكومة والمخابرات الإسرائيلية، التي تصدر وتدير عمليات بيع الغاز الإسرائيلي لمصر.

وأضاف أن مجموعة "Delek" سبق أن تمكنت من فرض إرادتها على الحكومة المصرية، بتحديدها سعر وكمية الغاز الذي تصدره لمصر سنوياً، وتتوقف عندما يكون ذلك متعارضاً مع معدلات أرباحها في حال انخفاض سعر برميل النفط المكافئ لخام برنت عن 50 دولاراً للبرميل، دون مراعاة لأي حقوق تجاه الشركات المصرية.

وقال إن الشركة الصهيونية ذكرت في تقاريرها السنوية حصولها على 980 مليون دولار من بيع الغاز لمصر عام 2021، بينما أشار يوسي آبو، العضو المنتدب، إلى أن هذا الرقم يعد ضعيفا، لتراجع أسعار الطاقة خلال هذه الفترة.

وتابع شافعي أن الاحتياطي الكبير في حقل "ظهر" للغاز في المياه المصرية بالبحر المتوسط تراجع إنتاجه خلال العامين الأخيرين لصالح مشروع الغاز الإسرائيلي، في وقت تخصص فيه الحكومة أنابيب نقل الغاز القادمة منه للعمل لصالح الحقول البحرية الإسرائيلية.

وتتبعت "العربي الجديد" أعمال الشركة الصهيونية بعدما أصبحت المورد الأكبر للغاز الطبيعي لمصر، في وقت بلغت فيه مستويات الإنتاج نحو 66.2 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، بينما الاستهلاك يصل إلى 66.9 مليار متر مكعب، بزيادة تعادل 3.3 مليارات متر مكعب فقط، وفقا لبيانات مركز المعلومات بمجلس الوزراء، فيما تقول الحكومة إنها تتجه إلى تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا لحصد 10 مليارات دولار خلال العام الحالي.

وتبين وثائق الحكومة الأمريكية وجود خطة إستراتيجية، وضعها الأمريكيون منذ عام 2016 شارك فيها كل من الكيان الصهيوني وقبرص، لتحويل تل أبيب إلى مركز لإنتاج الغاز والطاقة مع تحكمها وإدارتها لشبكات توزيع الغاز والنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتستهدف الخطة الأمريكية دفع الدول إلى التعاون مع الكيان الصهيوني في إطار مصالح عليا، تدفع المنطقة إلى التسليم بأن يكون الكيان الصهيوني قائدا للمنطقة، عبر تكوين شبكات مصالح اقتصادية قوية مع شعوب تعمل على ضمان أمن الطاقة.

وكشفت وثائق جلسات الاستماع الموسعة في مجلس النواب الأمريكي، في 8 سبتمبر 2016، حصلت "العربي الجديد" على نسخة منها، حول إنتاج الطاقة وتحدياتها في شرق المتوسط، التي نظمتها لجان الشئون الخارجية والفضاء والطاقة، أن سيطرة الصهاينة على مشروعات الغاز في المنطقة تأتي وفقا لتلك الخطة الأمريكية العميقة.

تضمنت الخطة، في بدايتها، دفع تركيا للتعاون مع الصهاينة وقبرص في مجال استخراج الغاز، للابتعاد عن دعم مشروع "نورد ترك" لنقل الغاز الروسي عبر الأراضي التركية إلى البحر المتوسط وأوروبا، ودمج الدول العربية في مشروعات الطاقة.

دور أمريكي كبير

ولجأت الولايات المتحدة في هذا الإطار لدعم دور مصر لتكون مركزاً إقليمياً في تجارة الغاز المسال، بعد رفض تركيا سحب قواتها من قبرص وتصاعد الخلافات بين مصر وتركيا حول ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، وتوقيع مصر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان والكيان الصهيوني فضلا عن توافر إمكانية نقل الغاز المسال إلى أوروبا، مع صعوبة نقله براً عبر تركيا أو اليونان.

يشمل الاتفاق تقديم مساعدات فنية لمصر عبر شركات أمريكية، منها "بكتل" و"نوبل إنيرجي"، للتعاون مع شقيقتيها "إكسون" و"شيفرون" العاملتين في الكيان وقبرص، للإسراع في تحويل الصهاينة إلى أكبر منتج للغاز في المنطقة، مع بيعه بسعر رخيص لمصر والأردن، على أن تكون للصهاينة سلطات واسعة في إدارة شبكات الغاز.

ودعا جوناثان إلكيدز، مساعد وزير الطاقة للشئون الدولية، في جلسات الاستماع التي حضرها رؤساء اللجان النوعية وعشرات النواب وقيادات في الدولة عقدت يوم 8 سبتمبر 2016، واستمرت عدة أيام، إلى ضرورة أن ترتبط مشروعات الغاز المنفذة بمشروعات الطاقة الجديدة والمياه، لضمان سيطرة إسرائيل على شبكات الإمداد الحيوية بالمنطقة، وبما يحافظ على الأمن الإقليمي والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

استهدفت الخطة الأمريكية توجيه جزء كبير من الاحتياطي الضخم لحقول الغاز في شرق المتوسط ليكون بديلاً أمام أوروبا، وإبعادها عن الاعتماد المفرط على الغاز الروسي، وإشراك الاتحاد الأوروبي في تمويل برامج إنتاج الغاز والطاقة المتجددة والمياه في المنطقة.

رهانات اقتصادية للصهاينة على حقل كاريش للغاز

ووقع نظام الانقلاب مع الكيان الصهيوني اتفاقية لتصدير الغاز إلى مصر في 18 فبراير2018، أثناء بدء إنتاج حقل "ظهر" الضخم، الذي تحدد إنتاجه الأقصى بنحو 28 مليار متر مكعب سنوياً، بينما يؤكد خبراء في قطاع الطاقة قدرته على رفع معدلاته إلى الضعف في فترة زمنية قصيرة.

وجاء ذلك عقب فشل اتفاق توريد الغاز المصري للصهاينة، بعد ثورة 25 يناير 2011، مع وقوع تفجيرات عدة لخط الغاز المتجه إلى الأراضي المحتلة عبر شمال سيناء، وتوقيع غرامات باهظة على مصر بلغت 1.7 مليار دولار.

ووقعت الصفقة الجديدة مجموعة "Delek" الصهيونية القابضة للطاقة، والمالكة لشركة الغاز "نيوميد" بمشاركة "نوبل إنيرجي" الأمريكية، قيمتها 15 مليار دولار، لبيع 7.2 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً من حقلي "تامار" و"ليفياثان" لمدة 15 عاماً، عبر شركة "دولفينوس" المصرية للطاقة، المملوكة لرجل الأعمال علاء عرفة، قريب الصلة بمؤسسة الرئاسة والأجهزة السيادية.

يؤكد خبير البترول نايل شافعي أن حقل ليفياثان الذي بدأ إنتاجه التجاري عام 2019، يقع في المنطقة البحرية الاقتصادية المصرية، وتنازل عنه المخلوع مبارك للصهاينة عام 2003.

تصدير الغاز إلى أوروبا

وأشار شافعي إلى أن الشركة الصهيونية سعت إلى تغيير عقد التوريد مع "دولفينوس" المصرية، لخفض الحد الأدنى للإنتاج الذي يلتزم به الصهاينة، ورفع الحد الأدنى الذي تلتزم مصر بشرائه في حال توافره من 4.5 مليارات إلى 7 مليارات متر مكعب سنوياً، وبيعه حسب الأسعار السائدة على نفط برنت، ما يعني دفع الحكومة إلى خفض معدلات إنتاجها لصالح الشركة الصهيونية.

وكشف سفير الاتحاد الأوروبي لدى مصر كريستيان بيرجر، في تصريحات صحفية، في 15 أغسطس الماضي، عن اتفاق الاتحاد الأوروبي مع نظام الانقلاب والكيان الصهيوني على تصدير الغاز لدول القارة عبر تكليف مصر بجلب الغاز الطبيعي من الكيان وتحويله إلى غاز مسال ثم تصديره إلى أوروبا.

واكتفى بيرجر بأن الاتفاق سينفذ قريبا، دون تحديد للكميات، بينما ذكر وزير البترول طارق الملا في بيان رسمي، أن الشحنات بدأ تنفيذها في سبتمبر الماضي، مستهدفة زيادة الصادرات من 4 إلى 10 مليارات دولار خلال الشتاء.

القصة الكاملة لصفقات الغاز بين الانقلاب والصهاينةل

ولا تقتصر توغلات الشركة الصهيونية على مصر، وإنما تتوسع في المنطقة العربية، إذ أفصحت "نيوميد" للبورصة الإسرائيلية في 15 أغسطس/ آب 2022، عن مشروع مشترك مع شركة Enlight Renewable Energy في تل أبيب، وعن خطة للاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تنفذ خلال 3 سنوات برأسمال مشترك قيمته 100 مليون دولار.

وتستهدف هذه المشروعات التوسع في الطاقة المتجددة من الرياح والشمس وتخزين الطاقة في مصر والأردن والسعودية والمغرب وعمان والبحرين والإمارات، بالمشاركة في التخطيط والتمويل والبناء والتشغيل لتلك المشروعات، بالتعاون مع مستثمرين محللين.

تطوير حقل غاز أفروديت القبرصي

كما نقلت وكالة "بلومبيرج" الأميركية عن الشركة أخيراً، أنها تعمل مع "شيفرون" الأمريكية على تطوير حقل غاز أفروديت القبرصي لربطه عبر خط أنابيب جديد، إلى محطات الغاز المسال في شمال الدلتا بمصر، لإعادة تصديره إلى أوروبا. وحصلت "نيوميد" التي تعمل شركتها الأم "ديليك" من داخل الكيان منذ 30 عاماً، على حق التنقيب عن الغاز والنفط على مساحة 109 كيلومترات مربعة في المغرب، وهي تزود محطات الكهرباء في الأردن بالغاز، وعقدت اتفاقيات للتعاون في مجالات الطاقة والمياه والطاقة المتجددة من الرياح والشمس في كل من الإمارات والأردن ومصر.

كما كشفت بلومبيرج عن بدء مباحثات بين نظام الانقلاب والصهاينة في 18 نوفمبر 2021 حول بناء شركات للصهاينة لمحطات طاقة شمسية على الأراضي المصرية، لتنفيذ جزء من خطة الحكومة لتعزيز قطاع التكنولوجيا الخضراء وخفض انبعاثات الكربون، وتوليد 42% من إجمالي سعة شبكة الكهرباء الموحدة، بحلول عام 2035، منها 22% من الخلايا الشمسية، و14% من الرياح و4% من المكثفات الشمسية و2% من الطاقة الكهرومائية.