- اسم الكتاب: عرب وعثمانيون- رؤى مغايرة

- تأليف:  دكتور: محمد عفيفي

- الناشر: دار الشروق- القاهرة، سلسلة الجانب الآخر: إعادة قراءة للتاريخ المصري، العدد 4

- عدد الصفحات: 100 صفحة من القطع الكبير

 

عرض وتحليل: أحمد التلاوي

تتفاعل في الفترة الحالية محاولات طمس الهوية الإسلامية للمنطقة العربية وإدخالها في منظومات من التبعية للعديد من الأطر الفكرية المغايرة للقيم والمبادئ الإنسانية السائدة في المنطقة العربية والتي تستمد أصولها من تعاليم الدين الإسلامي الذي شهدت البلاد العربية مولده وانتشاره وتحوله إلى واحدةٍ من القوى الفكرية والروحية التي باتت تُثير خشية الكثيرين من أعداء الدين.

 

وفي إطار محاولات طمس الهوية جاءت عمليات الغزو العسكري التي قامت بها القوى الاستعمارية للعالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وقد نجحت عمليات الغزو بعض الشيء في تحقيق أهدافها، وهو الأمر الذي نجده جليًّا في انتشار أنظمة الحكم القمعية والاستبدادية الحليفة للغرب، والتي تجعل هدفها الأول ضرب التيار الإسلامي في العالم العربي، ولما انتهت مرحلة الاستعمار العسكري بدأت مرحلة الاستعماء الأخطر، وهو الاستعمار الفكري والذي يشهد استخدام أساليب أخرى من الغزو كالأنماط الاقتصادية إلى جانب السلع والبضائع إلا أنَّ المراحلَ الحالية شهدت تطويرًا جديدًا في الخطط التي تهدف إلى طمس الهوية العربية والإسلامية وهي خطط سرقة التاريخ.

 

حرب المصطلحات..

فقد بدأت القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصهاينة في محاولة الاستيلاء على التاريخ وإعادة كتابته بما يسهم في المخططات الرامية لمحو الهوية الإسلامية للعالم العربي، ومن أبرز أعمدة تلك المخططات ما يمكن أن يطلق عليه "حرب المصطلحات"؛ حيث دأبت القوى الغربية على إدخال بعض المصطلحات في المنظومة الفكرية العربية من خلال تحميلها على ألسنة بعض العناصر العربية التي تتطابق في أجندتها الفكرية والسياسية مع تلك القوى، ومن بين أخطر تلك المصطلحات تعبير "الغزو" الذي بات هو التعبير الأكثر استخدامًا من جانب بعض أفراد النخبة المثقفة عند الحديث عن الفتح العثماني لمصر بحيث يحمل ذلك التعبير إيحاء أنَّ العثمانيين غزاة للبلاد العربية لا فاتحين لها في محاولة لوضع فوارق وحدود كبيرة بين العرب والعثمانيين، ويضرب فكرة دولة الخلافة في مقتل باعتبارها كانت دولة تخضع لسيطرة إمبراطورية غازية لا لحكم خليفة مسلم فتح البلاد التي دخلها.

 

وفي هذا السياق يأتي كتاب "عرب وعثمانيون" لمؤلفه الدكتور محمد عفيفي ليعيد قراءة الأسطر التي كتبها المؤرخون عن العصر العثماني في البلاد العربية، خاصةً في مصر- التي تعتبر هي الحالة التي تدور حولها الدراسة- وهي الأسطر التي يحاول من كتبوها تحميل العثمانيين مسئولية المساوئ السياسية والفكرية التي تعانيها مصر حتى الوقت الحاضر، وتهدف إعادة القراءة، كما قال الكاتب إلى "إعادة تشكيل الصورة من جديد" بما يساعد في صياغة قراءة جديدة بعيدة عن الأغراض الأيدولوجية التي تسعى إلى تصويرٍ لدخول العثماني لمصر والعالم العربي على أنه "غزو" وترفع الكثير من الشبهات التي تمَّت إثارتها حول ذلك العصر، وهي الشبهات التي لا تهدف إلا لضرب مفهوم الخلافة الإسلامية، ونفي صفة "الإسلامية" عن مرحلة مهمة من مراحل التاريخ العربي والإسلامي، وهو ما يهدف في النهاية إلى منع العرب من التفكير في تكرار فكرة الخلافة خشيةَ تكرار ما يسمونه "الغزو العثماني"!!

 

وقبل البدء في النظر في الكتاب فإنه يجب التعرف على مؤلفه، وهو الدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة وواحد من أصحاب الآراء الفكرية الجريئة التي تحاول أن تتجاوز القوالب الفكرية الثابتة إلى نقد تلك القوالب والتعرف على درجة مصداقيتها اعتمادًا على وقائع وحقائق تاريخية، وبالتالي فإن كتابه يأتي ضمن جهدٍ بحثي علمي موثق لا مجرَّد دفاع عن نظرية فكرية لا يستند إلى الحقائق، وهي المشكلة الرئيسة التي تعاني منها مختلف التيارات الفكرية الحالية، واستطاع كتاب "عرب وعثمانيون" أن يتجاوزها ببراعة.

 

وباتباع القواعد العلمية في البحث يبدأ الكاتب حواره مع القارئ، بالتأكيد على أنَّ العثمانيين أنفسهم لم ينكروا مصطلح "الغزو" واستخدموا تعبيرات "الغازي" لوصف سلاطينهم لكنه يؤكد أن الدلالات الحديثة للتعبير كانت تهدف إلى إلحاق الصفات السلبية بالدخول العثماني في البلاد، وتعطيه معنى التدمير والاحتلال، ويعني ذلك أن اصطلاح "الغزو" الوارد في الكتاب لم يرد من وجهة النظر العثمانية، وإنما من وجهةِ النظر السلبية التي يتبناها الرافضون للاعتراف بأنَّ الدخولَ العثماني للبلاد العربية كان مثل أي حدث في التاريخ الإنساني يضم الإيجابيات والسلبيات.

 

الريادة المصرية مستمرة

بعد ذلك ينقد الكاتب الرأي القائل بأن السيطرةَ العثمانية على مصر كانت احتلالاً، ويقوم بذلك النقد من خلال إظهار الاعتراضين الأساسيين اللذين قام عليهما ذلك الرأي، والاعتراض الأول هو أن مصر فقدت لاستقلاليتها دورها الريادي في المنطقة العربية بعد دخول العثمانيين لأراضيها في العام 1517م وإنهائهم حكم المماليك فيها و"احتلالهم" الأراضي المصرية، إلا أن الرد على تلك النقطة يأتي من خلال القول إن الوجود العثماني في مصر لا يعتبر احتلالاً وإنما "هو تدرجٌ طبيعيٌّ لحكم الدول الإسلامية سواء لمصر أو لغيرها"؛ لأنَّ مصرَ في الأساس لم تكن مستقلةً يحكمها المصريون قبل مجيء العثمانيين، وإنما كانت واقعة تحت حكم المماليك الذين لم يكونوا من المصريين أو من العرب وإنما كانوا من الأجانب الذين قدموا إلى مصر في سياق تطورٍ طبيعي للدولة الإسلامية، وهو التطور الذي جاء في سياقه أيضًا صلاح الدين الأيوبي كردي الأصل إلى حكم البلاد.

 

إلا أن السبب الرئيسي وراء ذلك الادعاء بأن مصرَ فقدت استقلالها بسبب الدخول العثماني لأرضيها هو الرغبة في تقوية فكرة "القومية المصرية"، وهي الفكرة التي يُروِّج لها الكثيرون من دعاة "الانكفاء على الذات" بدلاً من السعي إلى الاستفادةِ من المحيطين العربي والإسلامي للبلاد، كما أنَّ تقويةَ تلك الفكرة "الشوفينية" كان يهدف إلى إضفاء الشرعية على أسرة محمد علي التي حكمت مصر بعد انهيار تجربة محمد علي الاستقلالية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وبالتالي فإن أسرة محمد علي كانت قد بدأت في فقدان كل روافد شرعيتها التي كانت تستمدها، إما من الخلافة العثمانية أو من شخصية محمد علي نفسه كأحد كبار رجال السياسة في زمانه أو حتى من الاحتلال البريطاني الذي دخل بدعمٍ من الخديوي توفيق؛ حيث زال الاحتلال اسميًّا في العام 1922م وباتت مصر مستقلة، وبالتالي فإن الحاجةَ ظهرت إلى منح "شرعية جديدة" للأسرة الحاكمة في مصر تبرر لها الاحتفاظ بالحكم في البلاد بعد نيلها الاستقلال وإن كان استقلالاً اسميًّا.

 

العثمانيون.. عامل ارتقاء

من الاعتراضات الأخرى التي يسوقها المعارضون للدخول العثماني لمصر والذين يصفونه بـ"الاحتلال" و"الغزو" أن الفتح العثماني لمصر أدَّى إلى ضرب البنية الثقافية لمصر، مستندين في ذلك إلى حالة التردي الثقافي والاجتماعي في البلاد التي سادت في بعض أوقات الحكم العثماني، ومشيرين إلى حالةَ الازدهار الثقافي التي شهدتها البلاد في العصر المملوكي الذي لم يكن أصلاً مصري الطابع.

 

إلا أن هذا الرأي لا يصمد طويلاً أمام نظرية ابن خلدون فيما يتعلق بـ"صعود وهبوط الدول"، وهو ما وضح بصورة كبيرة في الفترات الأخيرة من الحكم المملوكي لمصر؛ حيث شهدت الدولة المملوكية بدء عصر الانهيار السياسي والاجتماعي والثقافي قبل مجيء العثمانيين للبلاد تطبيقًا لفكرة "هبوط الدول" بعد أن تشهد عصور الصعود؛ أي أن انهيار الواقع الاجتماعي المصري في بداية حكم العثمانيين في مصر يأتي جزءًا من منظومة الانهيار التقليدية في تاريخ البلاد، كما أن هناك نقطةً أخرى في هذا السياق، وهي أن الانهيار الذي شهدته مصر كان انهيارًا عامًّا على مختلف بلدان العالم ولم تنجُ منه دولة واحدة.

 

ويتبنى العديد من المفكرين والباحثين حول العالم تلك الفكرة، مضيفين إليها أن الدولة العثمانية هي التي أنقذت البلاد العربية والإسلامية المختلفة من حالةِ الانهيار والتردي التي كانت عليها، ومن بين أصحاب هذا الرأي آندريه ريمون الباحث المتخصص في تاريخ الولايات العربية في العصر الحديث "لا شك أن إحلال إمبراطورية قوية وموحدة مكان مجموعة دول تلهث من الإرهاق كان مفيدًا للمدن التي ظلَّت تعاني منذ قرنٍ من الزمن من آثار هذا التدهور السياسي"، وهذه العبارة تُوضِّح أن توحيد الدولة العثمانية للولايات العربية تحت قيادة دولة واحدة قوية كان من صالح تلك الولايات العربية التي عانت التدهور السياسي، وهو ما يعني أن التدهور قد بدأ قبل بسط الدولة العثمانية سيطرتها على البلاد العربية.

 

إذن الصورة التي ترويها بعض المصادر التاريخية تخالف تمامًا تلك التي يروجها مَن يتبنون تعبير "الغزو العثماني" لتوصيف الفتح العثماني لمصر، وبالتالي فإنَّ الحلَّ الذي يُقدمه أستاذ التاريخ الدكتور محمد عفيفي لتلك المشكلة وضع إطارًا فكريًّا يكفل تشكيل صورة جديدة لما كان من دخول العثمانيين إلى الأراضي المصرية ينفي عن هذا الحدث التاريخي صفة الغزو، ومن أبرز المحددات التي يستند عليها هذا الإطار الجديد أن يتم دراسة التاريخ المصري في الإطار العربي وأيضًا في إطار "العالم" العثماني الذي كانت مصر جزءًا منه في تلك الفترة.

 

إلى جانب ذلك فإنه من الضروري تنحية الفكر الإيديولوجي عن دراسة الحقبة العثمانية في التاريخ المصري؛ منعًا لأي تحيزٍ ضد تلك الحقبة ومحاولة نفيها لصالح القومية العربية، كما يشير الكاتب إلى أن هناك مدرسةً تسمى "العثمانيون الجدد" تحاول إضفاء صورة الإيجابية الكاملة على العهد العثماني، وهو ما يلزم التعرف على فكر تلك المدرسة في أية محاولات لدراسة الفترة العثمانية للتعرف على كل الروافد الفكرية التي أسهمت تلك الفترة في إفرازها في الفكرِ المصري والعربي والإسلامي، كما يؤكد ضرورة أن تتم دراسة الواقع المجتمعي العربي والإسلامي في ظل الحكم العثماني للتعرف على حقيقةِ الوضع المصري في فترةِ الحكم العثماني.

 

ومن بين الملامح التي يوردها الكتاب لمصر العثمانية والتي تؤكد استمرار الريادة المصرية بعيدًا عن الانتقادات القائلة بأن السيطرة العثمانية على الأراضي المصرية أفقد البلاد استقلاليتها، ومن بين دلالات ذلك ما شاع عن مصر وسط الرحالة المغاربة من أنها "دهليز البلد الحرام وقبلة الباب والمقام"؛ أي أنها الطريق إلى الأراضي المقدسة مما يُعطي صورةً عن محوريةِ مصر في الصلة بين المشرق والمغرب، وهذه المحورية لا تكون إلا للبلاد ذات السيادة والريادة، كما يصف الرحالة المغربي أبو عبد الله القيسي مصر في رحلته لأداء الحج، والتي قام بها بين عامي 1630 و1633م، بقوله "يا لها من قاهرة، ما أحسنها وأبدع جمالها"، وهو التعبير الذي يأتي من أحد كبار الشخصيات المغربية التي تعيش في بلاد تتمتع في الأصل بحسن الجمال الطبيعي، وبالتالي فإن انبهاره بمصر يعني أنها دولة على قدرٍ أفضل من الرقي الحضاري والعمراني من بلاد المغرب.

 

من ذلك يظهر أنه يجب حدوث جهد بحثي موضوعي كبير يستند إلى كل الاتجاهات والآراء وينحي الانحياز الفكري جانبًا من أجل التعرف على طبيعةِ الفترة العثمانية في مصر بما يُوضِّح صورتها الحقيقية التي تنفي أن العثمانيين جاءوا غزاة، وهو ما يحاول البعض الترويج له لهدفين الأول هو مسح الهوية الإسلامية وضرب فكرة الخلافة في العالم الإسلامي، والثاني هو تبرير كل عمليات الغزو التي تتعرَّض لها البلاد الإسلامية.