- د. حبيب: بيع مصر خطة مرسومة لتنفيذ الأجندة الغربية مقابل المعونات الخارجية
- فتح الباب: الحكومة تفرط في حق الأجيال القادمة وتحملهم ديونًا باهظةً
- شكر: الدولة تستكمل سياسة نقل مصر إلى النظام الرأسمالي الكامل
- الأشوح: تصريحات المسئولين عن الخصخصة مسكنات مدمرة
تحقيق: حسونة حماد
بدأت الحكومة المصرية في اتخاذ إجراءاتها لبيع عددٍ من الأصول والشركات المصرية الهامة، بل إن قطار الخصخصة بدأ ليمتد إلى أهم القطاعات حيوية في مصر مثل قطاع المواصلات، وقطاع الكهرباء ومياه الشرب، ولعل هذه الخطوات تؤكد أن حكومة الدكتور أحمد نظيف أطلقت حملتها لبيع مصر دون توقف أو تراجع، وهي الحملة التي بدأت ببيع عمر أفندي وبنك الإسكندرية وعشرات الشركات الرابحة.
وفي الإطار نفسه تعتزم الحكومة طرح هيئة النقل العام للبيع في مزادٍ علني، حيث قررت هيئة النقل العام بالقاهرة في منتصف شهر ديسمبر 2006م، تقليص عمليات الصيانة والإحلال والتجديد لحافلاتها البالغ عددها ثمانية آلاف في 23 جراجًا، في إطار خطتها الرامية إلى التخلص منها بشكلٍ متدرج واستبدالها بأخرى جديدة، وأكدت أخبار ومعلومات صحفية أن الهيئة توقفت عن إجراء عمليات الإحلال والتجديد للحافلات التي تعاني من تلفٍ في محركاتها أو في صندوق السرعات "الفتيس" والشاسيه؛ وذلك تمهيدًا لتكهينها وعرضها في مزاداتٍ علنيةٍ للبيع.
وهو ما يتلاحم مع رغبةِ الحكومة في تقليص عدد الحافلات القديمة- فئة 25 قرشًا و50 قرشًا- والتوسع في الحافلات المميزة- فئة 75 قرشًا و100 قرش- بالتزامن مع توسعها في تشجيع الشركات الخاصة العاملة في مجال النقل والمواصلات مقابل حصول الهيئة على نسبة من الأرباح، كما أن الخطة الحكومية تسعى للتخلص من الحافلات القديمة خلال خمس سنوات قادمة واستبدالها بحافلات مميزة، وكذلك التخلص من الاشتراكات وإعفاء العسكريين والصحفيين وضباط الشرطة والمعوقين من تعريفة الركوب، بل إنَّ الهيئة بدأت أيضًا خطوات جادة لاستقدام سائقين أجانب للعمل لديها.
وبعيدًا عن المواصلات فإنه ورغم تحفظ الحكومة المصرية في الإعلان عن هذه الصفقة فقد أعلنت شركة "دوراد" الصهيونية للطاقة أنها وقَّعت صفقةً جديدةً بقيمة ملياري دولار لشراء الغاز الطبيعي من مصر، وقال المتحدث باسم الشركة إن مدة العقد تتراوح ما بين 15 و20 عامًا، ويقضي بتوريد 1.2 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المصري للكيان الصهيوني سنويًّا اعتبارًا من عام 2008م، وإن السعر سيتغير وفقًا لأحوال السوق.
ووقَّعت الصفقة من الجانب المصري "EMG" المصرية- الصهيونية لتوريد الغاز، ومن المقرر أن تتم عملية نقل الغاز من خلال خط أنابيب سيكمل بناؤه في عام 2008م، ويمتد من سيناء إلى مدينة عسقلان حيث ستبني شركة "دوراد" محطة توليد كهرباء تعمل بالغاز تبدأ العمل عام 2010م.
وبنفس الغموض الذي تسير به صفقات الغاز بدأت المعلومات تتناثر عن خصخصة جزءٍ كبيرٍ من شركات تصنيع الدواء في مصر وتضارب آراء المسئولين حول هذا الموضوع بين النفي والتأكيد يؤكد استمرار نزيف كوارث قطار الخصخصة في مصر الذي سيمتد ليشمل الأخضر واليابس وبشكلٍ يصعب الوقوف أمامه.
والمشكلة هنا ليست في برنامج الخصخصة ولكن المشكلة تكمن في تطبيق البرنامج نفسه والقائمين عليه وهم مجموعة "وزراء البيزنس"؛ حيث إنَّ الهدفَ الأساسي من عملية الخصخصة وبيع المال العام هو تحرير الاقتصاد الوطني وتطوير شركات القطاع العام التي فشلت الحكومة في إدارتها وتحقيقها للأرباح؛ لأنه من المنطقي أن تستمر الحكومة في بيع الشركات الخاسرة ولكن ليس من المنطقي أو المقبول بيع هذه المؤسسات أو الشركات بأقل من قيمتها الفعلية كما حدث في عملية بيع شركة عمر أفندي ومن قبلها شركة "إيديال" وغيرها من البيوع الأخرى التي راحت بأقل من تقييمها الحقيقي.
والسؤال هنا لماذا ولمصلحة مَن يتم تطبيق برنامج الخصخصة بهذه الطريقة؟
في البداية يؤكد الدكتور محمد حبيب- النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين- أن سياسة بيع مصر أمر مرفوض شكلاً وموضوعًا، وأنه سوف يكون له آثار بعيدة المدى على كافةِ شرائح المجتمع المصري، خاصةً شرائح محدودي الدخل.
![]() |
|
د. محمد حبيب |
وأوضح د. حبيب أن هذه السياسة سوف تؤدي إلى زيادة الهوة بين رجال الأعمال المتحالفين مع السلطة والطبقة الدنيا من المجتمع المصري وما يترتب على ذلك من آثار وتبعات تؤدي إلى زيادة الاحتقان والغليان في الشارع المصري.
وأكد أن مسألة الخصخصة تحت إطار فتح الاستثمار للأجانب وعدم عمل اعتبار للبعد الاجتماعي سيسبب مشكلات كبيرة، مشيرًا إلى أن التمادي في بيع شركات القطاع العام وخصخصتها بهذا الشكل ما هي إلا خطة مرسومة لتنفيذ الأجندة الغربية في مقابل المعونات والقروض التي تمنحها لمصر، وأضاف أن جماعة الإخوان المسلمين تؤيد الخصخصة شريطة أن تضع في حسبانها البعد الاجتماعي وألا تؤدي للاحتكار.
![]() |
|
علي فتح الباب |
من جانب آخر قال علي فتح الباب- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب "عمال": إن بيع القطاع العام الآن أصبح موجودًا في معظم الشركات والبنوك لدرجة أنه لا يمكن التفريق بين الشركات الناجحة التي تستفيد منها والشركات التي تُمثل عبئًا على الدولة وتحملها خسارة، مضيفًا أن هناك قطاعات معينة لا بد من هيمنة الدولة عليها في حين أن هناك مشروعات وشركات أو بنوكًا تكون الدولة هي سبب فشلها فتعالج أخطاءها بالتخلص منها.
وأضاف فتح الباب أن بيع أصول الدولة إذا كان يتم بحيث تبيع مشروعًا وتستبدله بمشروعات أخرى فأهلاً وسهلاً، أما إذا كان البيع لسد عجزٍ في الموازنة أو تمويل إنفاقٍ جارٍ فهذا هو مكمن الخطورة.. فماذا ستفعل غدًا بعد بيع باقي الأصول؟!! وضرب مثالاً في ذلك بالرجل الذي يبيع بيته لكي يأتي لأولاده بالطعام.
وأكد أن أصول الدولة التي تُفرِّط فيها الآن ملك للأجيال القادمة وليس لهذا الجيل وحده وأنه لو استمرَّت الدولة في بيع أصولها دون حسابٍ سيولد الجيل القادم محملاً بعبء كبيرٍ من الديون المتراكمة عليه، كما أنها سياسة تصدير المشاكل للأجيال القادمة.
وطالب فتح الباب الحكومةَ إما أن تعلن فشلها في إدارة الدولة والسيطرة على الأسعار وتقديم الخدمات، وإما أن تفسح المجال إلى مَن هو أكفأ منها أو تقوم بشيء من الجدية لمقاومة الفساد ووقف نزيفه المستمر.
وعن دور مجلس الشعب في التصدي لهذا القطار السريع قال إنَّ المعارضةَ في مجلس الشعب تقوم بدورها في حدود القوة التصويتية لها؛ لأن القرارَ في النهاية ليس بالكلام التوجيهي ولكن بالعدد التصويتي الذي يُمثِّل أغلبيته الحزب الحاكم، مؤكدًا أنَّ المعارضةَ تحاول بقدرِ الإمكان الحد من سرعةِ نزيف الفساد الحكومي لا إيقافه.
![]() |
|
عبد الغفار شكر |
ويرى عبد الغفار شكر- أمين التثقيف بحزب التجمع- أن الحكومةَ مهمتها استكمال انتقال مصر من النظام الاشتراكي إلى نظامٍ رأسمالي كامل وطبقًا لشروط الدولة التي تأخذ منها الحكومةُ المعونةَ بدءًا من تصفية القطاع العام وإلغاء كافة القيود على التجارة الخارجية وفتح المجال أمام السلع الدولية وتصفية كل ما يتعلق بالإنتاج المحلي، مؤكدًا أن الحكومة وضعت جدولاً لبيع باقي منشآت القطاع العام وتحويل كافة الهيئات الاقتصادية إلى شركات خاصة وإنهاء دور الدولة في كافة الخدمات.
وهذا ما عبَّر عنه أيضًا جورج إسحاق- منسق حركة كفاية- بقوله "شيء محزن للغاية"، فالحكومة الآن تبيع البلد بالقطعة للعرب والأجانب، وإن رأس المال المصري يتآكل يومًا بعد يوم، مضيفًا حتى السيادة الوطنية الاقتصادية نفسها بدأت تتآكل هي الأخرى وتفرط فيها الحكومة بمنتهى السهولة، وتساءل مستنكرًا: لا أعرف هذه البلد ملك مَن؟!!.
وقال إسحاق: إنَّ الوطنَ مخطوفٌ ويجب تكاتف جميع الجهود لاستعادته إلى أصحابه الحقيقيين، وأنه إذا كان هناك رأسمالية بالفعل في مصر فتقف ضد هذا الفساد وتشتري هذه الشركات بدلاً من الأجانب.
ضحك على الشعب
ومن وجهة النظر الاقتصادية قالت الدكتورة زينب الأشوح- رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر-: إن هذه كلها خطط طويلة الأجل تقف وراءها على حد تعبيرها "ماما أمريكا، الوصية على العالم كله"، ويأتي ذلك في إطار خططها بزعم السيطرة على العالم كله، مؤكدةً أن هذا لن يحدث على الإطلاق.
وأضافت أن هذه سياسة مفروضة على مصر كأي دولةٍ أخرى، وذلك بتقليص دور الدولة والتحول لسيطرة القطاع الخاص بدلاً من سيطرة الحكومة، وأنه إذا استمرت الدولة في هذه السياسة سيأتي يوم لا يوجد فيه شيء اسمه مصر.
وأكدت زينب الأشوح أن الحكومة المصرية الآن مصابة بالشيزوفرينيا؛ حيث إنها تحث الناسَ على تشجيع المنتج الوطني وتكلف نفسها أموالاً باهظةً في ذلك، وفي نفس الوقت تبيع أصول المنتج الوطني وتبيع المنتج الوطني كإنسانٍ سيتحول بعدها المصريون إلى عبيدٍ وأرقاء للشركات الأجنبية.
وأوضحت أن هناك قطاعات إيرادية للدولة إذا امتلكتها الشركات الأجنبية لن تستطيع الدولة تحصيل الضرائب منهم، والدليل على ذلك رجال الأعمال الذين يحتمون ويستقوون بالخارج فما بالك إذا كان الخارج نفسه هو الذي يمتلك هذه الشركات؟.
وأشارت إلى أن تصريحات الحكومة حول موضوع الخصخصة "ضحك على الشعب المصري" ونوع من المسكن لدوافع أمنية وتخفيف دواعي الصدمة على الشعب، وهو ما اعتبرته على حدِّ وصفها "مسكن مدمر".
وأضافت الأشوح في استهجانٍ قائلةً: إن الشارع المصري الآن نفسه أصبح ملكًا للسائح وليس ملكًا للمواطن المصري، واستدلت على ذلك بموقفٍ شخصي لها مُنعت فيه من السير في أحد شوارع مصر بزعم أن الشارع خاص للسياح فقط، مؤكدةً أن رجال الأعمال أصبحوا يسيطرون على أصحاب القرارِ في مصر.


