تحقيق- أحمد رمضان

أصبح جمع جلود الأضاحي وبيعها وتوزيعها على الفقراء من أنجح المشاريع التي تقوم بها العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية بل والأفراد أيضًا؛ وهذه الفكرة الوليدة بدأت في الظهور منذ 3 سنوات تقريبًا؛ حيث تمَّ التفكير في كيفية استغلال جلود الأضاحي التي يقوم أغلب المضحين بإعطائها كأجرٍ للجزار الذي يقوم بذبح الأضحية، وهو ما يتنافى مع آداب السنة المطهرة إذا إنَّ الأضحية بكاملها بما فيها من أظفار وأشعار وعظم ولحم يجب أن تكون خالصةً لوجه الله تعالى.

 

الأمر الثاني الذي دفع بهذه الفكرة الناجحة، هو بيع جلود هذه الأضاحي في مزادٍ علني؛ يعرف الجميع أنَّ العائدَ منه يذهب للفقراء والمساكين، وبالتالي فلن تشتري الجلود بغرضِ الربح بقدر شرائها للمساهمة في إعالةِ أُسرٍ فقيرة للمشاركة في الثواب الكبير من الله عزَّ وجل، ومن ثَمَّ سيتضاعف هذا العائد لينفق في أوجه الخير من مساعدة الفقراء وإقامة معارض خيرية وغيرها، فضلاً عن الترابط الاجتماعي الذي سينتج من هذا التفاعل لتصبح هذه الفكرة استغلالاً أمثل للأضحية، وتضخ جلود الأضاحي ما قيمته 30 مليون دولار سنويًّا؛ أي أنها تُمثل حوالي ثلث قيمة الإنتاج السنوي المصري من الجلود والبالغ 120 مليون دولار.

 

وتُعدُّ الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة من المؤسسات الأهلية المهتمة بهذا الأمر؛ حيث يقول المسئولون بها: إن الجمعية تجهز قبل العيد ملصقات لحثِّ المواطنين على التبرعِ بجلود الأضاحي لإنفاقها على أوجهِ الخير المختلفة للجمعية، كما تقوم بتجهيز سيارة ومكبر صوت تجوب الشوارع لجمع الجلود، ثم يتم عمل مزادٍ لبيع كل ما تمَّ جمعه، بينما تقوم مؤسسات أخرى مثل جمعية مصطفى محمود في المهندسين بتوزيع ما يصلها من جلود الأضاحي على جمعياتٍ صغيرةٍ بالقاهرة لتمويل نشاطها الخيري، خاصةً أنَّ الجمعيةَ يصلها عددٌ ضخمٌ من تبرعاتِ الأضاحي، حيث تنفق الجمعية على نحو 35 ألف أسرة تحتاج لمساعدات مستمرة، خاصةً في مثل هذه المناسبات؛ ولأنَّ الجمعيةَ لا تمتلك الوقت الكافي والعدد اللازم للتعامل مع جلود الأضاحي التي تُشكِّل عبئًا عليها لا يخففه سوى العاملين بالجمعيات الخيرية الفرعية الصغيرة الذين يتلقفون هذه الجلود بفارغِ الصبر.

 

وهو ما دفعنا إلى الالتقاء بعددٍ من المتطوعين الذين يعملون في مجال جمع جلود الأضاحي وإنفاق عائد بيعها على الفقراء لنتعرف أكثر على جوانب التجربة ومدى نجاحها وتفاعل المضحين معها؛ حيث يؤكد محمد حسن- من حلوان-  أنَّ العملَ يتم من خلال إحدى الجمعيات الخيرية، مشيرًا إلى أن بمنطقته 3 جمعيات خيرية تشرف على هذا المشروع مثل الجمعية الخيرية بمنشية حلوان وجمعية دار السلام وجمعية النشء الجديدة؛ حيث تقوم الجمعيات بإعلام المواطنين في المنطقة بعدم بيع الجلود أو توزيعها، كما يعلن عن رقم تليفون باسم الجمعية ليقوم المُضحي بالاتصالِ بهذه الجمعية التي تُرسل بدورها مَن يأتي بالجلود.

 

ثم بعد ذلك يتم تجميع الجلود وبيعها في مزادٍ علني لتجار الجلود، مشيرًا إلى أنَّ في المزادات يكون هناك جلود ماعز وخراف وأبقار وجاموس، ولكل واحدة منها سعر مختلف ثم تُجمع أموال بيع الجلود وتُنفق في أوجه الخير، خاصةً في مجال مساعدة طلاب المدارس المحتاجين واليتامي والأسر الفقيرة، وأكد حسن أن هناك تفاعلاً كبيرًا جدًّا من المضحين في هذا المشروع؛ نظرًا للثقة المتبادلة بينهم وبين القائمين على المشروع، مشيرًا إلى أن عائد هذا المشروع بلغ في إحدى المرات 12 ألف جنيه.

 

ويضيف حسن كريم- من المنيل- أنَّ جمعيةَ نجوم الأمل في منطقته بدأت الفكرة منذ 3 سنوات وكانت ضعيفة في بدايتها؛ حيث لم يشارك سوى 10 مضحين، ثم العام التالي 40 مضحيًّا، وأخيرًا العام الماضي 100 مضحٍ؛ حيث بلغ عائد بيع الجلود 3900 جنيه، موضحًا أن الرقم في ازديادٍ كبيرٍ كل عام؛ نظرًا للتفاعل الكبير من جانب الجمهور الذي لا يقف عند هذا الحدِّ، بل يتم التواصل معهم بإعطائهم الهدايا في عيد الأضحى، كما يمتد التواصل باقي أيام العام خاصةً في المواسم كشهر رمضان وموسم دخول المدارس؛ حيث يقوم هؤلاء المضحون بالتبرع بأموالٍ لمساعدة الفقراء كمشروعِ تجميع جلود الأضاحي.

 

وأوضح كريم أن العائد المادي من بيع الجلود ساهم في مساعدةِ العديد من الأسر الفقيرة، كما يتم عمل معارض خيرية، والتي كان آخرها معرض ملابس قبل عيد الأضحى، وأكد كريم أن الجمعية تعول الآن 400 أسرة فقيرة في المنطقة، خاصةً تلك التي تُجهِّز أولادها وبناتها للزواج، مطالبًا بتطوير تلك الفكرة من خلال عمل دورات تدريبية للمتطوعين لمعرفة كيفية التواصل مع الناس وخدمتهم، أيضًا كيفية تعاون غير المضحين في الجمعية، متمنيًّا أن يتم تعميم التجربة في كافةِ أنحاء الجمهورية لما لها من فوائد كثيرة وأجر عظيم.

 

ونقترب أكثر من هذه التجربة عندما نتحدث مع د. رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر والذي أكد على الأثر الإيجابي لنجاح هذا المشروع الخيري، مشيرًا إلى أن مصر بها نحو 5 ملايين مضحٍ يقوم بالتبرع بجلد أضحيته ويبلغ قيمة جلد الأضحية الواحدة في المتوسط 50 جنيهًا، وبالتالي يصبح المجموع حوالي 250 مليونًا هي حصيلة عمل خيري من جلود الأضاحي.

 

وأكد أنه عندما يتم توفير هذا المبلغ فهو أفضل بكثيرٍ من ضياع الجلود بالكامل، موضحًا أنَّ هذا المشروع أكد على جانبِ التكافل الاجتماعي بين المسلمين، مشيرًا إلى أنَّ العبادات الإسلامية الأصل فيها طاعة الله وإعلان الخضوع له، وبجانب ذلك فهي ليست نوعًا من الطقوس فقط، بل لها وظائف في الحياة الاجتماعية والسياسية، وبالتالي فإن هذا المشروع على حدِّ قول د. العوضي يحقق أهدافَ العبادة في التكافل بين المسلمين ومن خلالها تحقق المقصود من العبادة الأصلية في هذه العبادة الجانبية، وليس كالديانات الأخرى التي تقوم بإلقاء الذبائح في الجبال ولا يُستفاد منها، أما في الدين الإسلامي فنجد تعميق التكافل الأسري بين الناس، مؤكدًا أنَّ الأضحيةَ من مكملاتِ الجانب الاجتماعي.

 

وعن متطلبات تطوير هذه الفكرة لتكون أكثر ربحيةً من الناحية الاقتصادية يقترح د. العوضي أن يكون هناك تنظيمٌ اجتماعيٌّ للأضحية، بحيث يتم الذبح في شادرٍ كبيرٍ، وبالتالي يسهل عملية جمع الجلود، مشيرًا إلى أنَّ الإسلام مع التنظيمِ الاجتماعي، ويا حبذا لو كان هذا التنظيم من قِبل الجهات الرسمية أيضًا على حدِّ قوله لتعظيم العائد الاقتصادي من المشروع، مؤكدًا أنها أفضل من التعامل الفردي المعمول به الآن على حدِّ قوله.