حريصًا على وقته.. نافعًا لغيره
حياة المرء لا تقاس بعدد السنين التي عاشها من مولده إلى وفاته، ولكنها تقاس بما قام به في حياته من أعمال، وتأثير هذه الأعمال في حياة الناس على الامتداد الأفقي وعلى الامتداد الزمني في الأجيال، سواء كان هذا الأثر بالخير والنفع، أم بالشر والضر!!. وبالتالي يكون الأجر وحسن الجزاء أو الوزر والعقاب، ويؤكد هذا المعني قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمله بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده دون أن ينقص من أوزارهم شيء" (مسلم).
والمسلم- الذي يؤمن بالله واليوم الآخر- يعلم أن رسالته في هذه الحياة هي عبادة الله، والقيام بمتطلبات هذا الدين، ويعلم أن الآخرة هي دار الحساب والجزاء، فبحسب عمله في الدنيا يكون مصيره في الآخرة، وأن الله يحاسب على كل عمل مهما صغر. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:8،7). ويعلم أنه ليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، ولما كانت حياة المرء في هذه الدنيا قصيرة جدًا، فلا يجوز لعاقل أن يضيع أي جزء منها دون استغلال فيما ينفعه يوم القيامة، وعند قيام الساعة يتصور الناس أنهم لم يلبثواْ في الدنيا إلا عشيةً أو ضحاها.
ويقول الشاعر:
دَقَّاتُ قَلْبُ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَاني
فالسعيد من وفَّقه الله لشغل وقته كله بفعل الخير، وما يطلبه منه دينه، من الالتزام بالعقيدة السليمة، والعبادة الصحيحة، والأخلاق المتينة، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من طاعات....!!
*ولما كان رجل الدعوة وجندي العقيدة قد التزم طريق الدعوة لتحقيق الهدف الكبير الذي تفرضه طبيعة الفترة التي تمر بها، الدعوة الإسلامية بعد إسقاط الخلافة، ألا وهو إقامة الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية من جديد؛ فعليه أن يستشعر ضخامة هذا الهدف، وما يحتاجه من جهود كبيرة، وما يشمله من مجالات عمل متعددة، وما يحتاجه من تضحيات، وأن يعلم أيضًا ما يناله من شرف وأجر عظيم..!!
فالواجبات والأعمال المطلوبة في حقل الدعوة لتحقيق هذا الهدف العظيم كفيلةٌ أن تشغل أوقات كل العاملين، بل يضيق الوقت بهم عن أداء تلك الواجبات، ولذلك نجد الإمام الشهيد "حسن البنا" يقول: "الواجبات أكثر من الأوقات"، وكان- رضوان الله عليه- يضرب لنا المثل في بذل الطاقة وشغل الوقت، وقد بارك الله في عمله لتوفر صدقه وإخلاصه، وقد استُشهد ولم يتجاوز ثلاثة وأربعين عامًا، وبعد مُضِيّ حوالَي عشرين عامًا فقط على إنشائه جماعة الإخوان.
وها نحن أولاء نلمس- اليومَ- الأثر الطيب الذي تركه وامتد أفقيًا على الساحة العالمية، وزمنيًا مع الأجيال ولا يزال في نمو الزمن.
ولا شك أن العمل الجماعي المنظَّم والمخطط له هو أفضل السبل لحسن الاستفادة من أوقات وجهود العاملين في حقل الدعوة، بخلاف العمل الفردي غير المنظم وغير المخطط له، فكثيرًا ما تتشتت فيه الجهود، وربما تضادَّت أو تكرَّرت ولم تتوحَّد.
ومثَل رجل الدعوة وحقل الدعوة، كمثل إنسان لديه مال وأمامه مشروع استثماري من أنجح المشروعات، والمال هنا يقابله كل النعم التي أنعم الله علينا بها، من وقت ومال وعلم وصحة وجهد ونفس يمكننا تسخيرها في التجارة الرابحة مع الله بالعمل في حقل الدعوة، والإفادة بكل هذه النعم لتحقيق أعظم وأشرف هدف، وهو التمكين لدين الله. ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ (الأنفال:39).
وكلُّ أخٍ يَمضي جزءٌ من وقته يعطل فيه هذه النعم ولا يسخرها؛ يكون بذلك قد فقد جزءًا من رأس ماله؛ لأن أي فترة تمرُّ لا تعود إلى يوم القيامة، وهل يجوز لمؤمن بعد سماعه وقراءته لهذا النداء الحبيب من الله- سبحانه وتعالى- للمؤمنين، يدعوهم فيه بأسلوب مشوق إلى هذه التجارة الرابحة، أن يقصر أو يتردد في تلبية النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُّلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف/13:10).
ما أربحها تجارة! وما أعظم خسارة من لا يقدم فيها كل ما يملك من إمكانات وطاقات! وقد ذكر لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نموذجًا للثواب العظيم في أحد مجالات العمل، إذ يقول: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم" (البخاري ومسلم).
كما نجد رسولنا الحبيب- صلى الله عليه وسلم- يحثنا على حسن استغلال الوقت والصحة فيقول: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (البخاري)، ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيم عَلِم؟!"َ (الترمذي).
وإذا كان البعض يقول:(الوقت من ذهب)، تقديرًا لأهميته، فإن الإمام الشهيد يقول:(الوقت هو الحياة)، وهذا يعني أنه أغلى شيء في هذه الدنيا؛ لأنه يترتب على حسن استغلاله أو سوئه الحياة المصيرية في الآخرة.
إن رجل الدعوة- الذي ربط مصيره بالدعوة، وأعطى العهد والميثاق- يلزمه أن تتولد عنده حاسة سادسة بجانب حواسه الخمس، وهي حاسة الدعوة، بمعنى أن يعيش الدعوة بأعصابه، وأن تكون هي الشغل الشاغل له، ويسخر لها كل ما يملك من إمكانات.
*سلوكنا في السجن:
وأذكر بهذه المناسبة أننا عندما كنا بالسجن، كنا نشغل أنفسنا بأعمال نافعة، يضيق بنا الوقت في إتمامها، وربما يظنُّ الكثيرون أن وقت السجن مملٌّ وطويل.
كذلك عندما كان يُحبَس أحدنا حبسًا انفراديًا وحده في زنزانة مغلقة يشغل وقته كله في عبادة، من صلاة وتلاوة للقرآن وذكر ومناجاة ودعاء إلى غير ذلك.
*أوقات تضيع سهوًا:
هكذا يجب على رجل الدعوة ألا تمر عليه فترة، مهما قصرت، في سهو أو لغو أو لهو ولكن في طاعة وخير، وهناك وقت يضيع على كثير من الناس في سهو، وهو الوقت الذي يقضونه في المواصلات في سيارات أو قطارات أو طائرات، فحبَّذا لو شُغل في ذكر أو قراءة نافعة أو استماع للقرآن أو تلاوة له أو غير ذلك.
منقول بتصرف من كتاب – مقومات رجل العقيدة – للأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله.