أنواع من الانحراف عن الغاية :
قد ينجح الأخ في امتحان الشدة والابتلاء ويظن أنه صار في نجاة من الفتن، ولكنه قد يرسب حينما يتعرض لفتنة الدنيا ومتاعها، فلنكن علي حذر من ذلك قال تعالي : ) كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ثم إن أعداء الله جعلوا محاولة الفتنة بالدنيا والمناصب وغير ذلك من وسائل حربهم لأصحاب الدعوات بالإضافة للفتنة بالإيذاء والتعذيب. ولنا في طريق المصطفي صلي الله عليه وسلم عبرة حيث عُرض عليه الملك والجاه والمال . ونجدهم في ذلك يخدعون من يغرونهم بذلك بأن فيه دعمًا وتمكينًا للعمل الإسلامي، وإنهم لكاذبون .
وقد عاش رسولنا الكريم الحبيب صلي الله عليه وسلم حياته في شظف من العيش – ولو أراد لكان أرغد الناس عيشا – ولكن ليضرب لنا المثل في الزهد والتعالي علي أعراض الدنيا وإيثار ما عند الله فالدنيا ليست دار مستقر ولا دار نعيم وكثيرًا ما يدعو الرخاء إلي الاسترخاء والتثاقل إلي الأرض . وعلي طريق الدعوة جعلنا رائدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم فلنقتد به ولنحذر فتنة الدنيا . ولنأخذ العبرة مما قصه علينا القرآن الكريم في شأن سحرة فرعون وكيف غيرَّهم الإيمان وعدل موازينهم ، فبعد أن جاءوا في الضحى يطلبون المال والقرب من فرعون إذا بهم بعد إيمانهم لا يخشون تهديد فرعون لهم بأشد العذاب ولكنهم (قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ * إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ) هكذا تعدلت الموازين . فإذا كان هذا موقف سحرة فرعون فهل يجوز لمن يسير علي طريق الدعوة أن ينتكس ويميل إلي الدنيا بعد أن كانت وجهته خالصة لله ؟ .
- ومن أعراض مرض الغرور التي لمسناها أن يظن الأخ أنه متميز علي غيره بخبرة وذكاء وحسن تقدير للأمور ومعرفة بفنون السياسة وأساليبها وكيفية المناورة مع الأعداء إلي غير ذلك، ويتعالي على إخوانه، ويبخسهم أشياءهم، ولو كانوا أهل سبق في الدعوة. وأمثال هؤلاء لو تحقق خير للدعوة علي أيديهم يرجعونه إلى مقدرتهم وعبقريتهم وينسون فضل الله وعونه وتوفيقه. وأنه لولا ذلك ما تحقق خير . ويذكرنا هذا بمنطق قارون (قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ4 ) .
- ولمسنا أن صاحب مرض حب الزعامة يحرص على ربط الأفراد بشخصه أكثر من حرصه علي ربطهم بالجماعة، ويقرب منه من يشجعون فيه هذه النزعة؛ لهذا يلزم التحذير من الارتباط بالأشخاص مهما كانت مواقفهم أو مميزاتهم فإن الحي لا تؤمن عواقبه . كما يقول ابن مسعود والصحابة الكرام .
- ليكن معلومًا أن من يظهر عليه بعض أعراض هذه الأمراض لا يعترف بوجود المرض عنده، ربما لجهل منه بذلك؛ نتيجة تلبيس إبليس له، أو لكيلا يتخذ منه موقف بسبب ذلك ، وقد يلجأ إلي تبرير مواقفه أنها لمصلحة الدعوة وليست لأغراض شخصية كاشتراكه في وزارة لا تحكم بشرع الله ويتهم غيره بالقصور في تقدير مصلحة الدعوة في مثل هذا التصرف .
ثم إذا كانت هناك ثمة مصلحة هل ينفرد هو بتقديرها ؟
- قد يندفع البعض بحسن نية إلى مجاملة أصحاب هذه الأمراض؛ إما إشفاقاً على الصف من التصدع، أو خوفًا من حرمان الجماعة من جهودهم أو غير ذلك من الأسباب، ولكن ليكن معلومًا أن بقاء هذه النوعيات في الصف – بعد استعصاء علاجهم – أخطر وأضر بالصف من تطهيره منهم . ففي بقائهم إقرار للانحراف وتأثر للغير به وفتح باب للتسيب وعدم الالتزام وفي النهاية لن يقال فلان انحراف ولكن يقال صف أعوج ببقاء المنحرف فيه .
ونختم حديثنا حول الانحراف عن الغاية بكلام للشهيد سيد قطب في هذا المعني حيث يقول : ( المرة بعد مرة يصاب بعض أفراد الجماعة بنزوات، وفي كل مرة يسقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة . وقد يمسك العدو بفرع من الشجرة ويظن أنه يجذب هذا الفرع سيقتلع معه الشجرة كلها ، حتى إذا آن الأوان وجذب الفرع خرج في يده كالحطبة الجافة لا ماء ولا حياة وبقيت الشجرة ) .
منقول بتصرف من كتاب – طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف – للأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله .