ونكمل مع كتاب زاد على الطريق لفضيلة الأستاذ مصطفى مشهور – رحمه الله – حول المعاني والأعمال التي يتزود بها الداعية في طريقه حيث يقول:

السنة النبوية زاد كلها فهي تحيي قلوب متبعيها وتسمو بهم إلى درجات عالية من الإيمان وتقوى الله ، وتزود المسلم بكل الخير وتجنبه كل الشر، وتبنى شخصية المسلم عقدياً، وعبادياً، وخلقياً، وبدنياً، وفكرياً، واجتماعياً، بصورة قوية وسامية .

إن السنة تتعهد المسلم بكل رعاية وعناية في كل مرحلة من مراحل  حياته بل قبل مولده وبعد وفاته، في يقظته ونومه وحركته وسكونه وفي حله وترحاله ، في البيت، فى المسجد ، في الطريق ، في المتجر ، في كل مكان يوجد فيه، وفي كل أوقاته، وكأنها للمسلم كمحضن مزود بكل ما ينفعه ويقويه وبما يحميه من كل ما يضعفه ويؤذيه ، فيتزود بكل مقومات الحياة على أساس من عقيدة الإسلام الذى ارتضاه الله لعباده .

و الحياة التى أعنيها لا يقصد بها فقط تلك الحياة التى يشاركنا فيها الحيوانات ولكن أقصد بالدرجة الأولى حياة القلوب بمعرفة الله والإيمان به مصداقاً لقول الله تعالى: { أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها  }  وقوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } فاتباع السنة استجابة لهذا النداء وتتحقق بها حياة القلوب وفي هذا زاد كبير ، كما لم تغفل السنة ما فيه حياة الأبدان وسلامة الأجساد .

إن رسولنا صلى الله عليه وسلم يحبنا، ويحب لنا الخير، وحريص علينا، ويعز عليه ما يعنتنا  وبنا رءوف رحيم، هكذا وصفه الله تعالى :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } فكيف لا نسارع إلى اتباع سنته، وكلنا اطمئنان إلى أنها منبع نقى فياض بالزاد و الخير ، ثم إننا نعلم أنه في أقواله وأفعاله وأمره ونهيه يستمد ذلك من التوجيه الربانى من الله خالق البشر الحكيم الخبير بعباده  وبما ينفعهم وما يضرهم :{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } فهدى رسولنا صلى الله عليه وسلم من هدى الله الرؤوف الرحيم .

 

النموذج الكامل :

كأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل النموذج الكامل للحياة التى يريد الله سبحانه لعباده أن يحيوها والتى دعانا للاقتداء فيها بالرسول صلى الله عليه وسلم  في قوله :{ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر  وذكر الله كثيراً }  وفي قوله تعالى :{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم {  فربط الله حبنا له وحبه لنا  ومغفرته لذنوبنا باتباعنا لرسوله الكريم .

إن رسولنا الحبيب قمة سامقة في الإيمان و التقوى؛ فاجتهادنا في الاقتداء به واتباع سنته سعي منا للرقي في درجات الإيمان و التزود بالتقوى فحينما نعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه دون شعور بالتعب يدفعنا ذلك إلى الاقتداء به بقيام بعض الليل في صلاة ودعاء ومناجاة، وذلك خير زاد .

كان صلى الله عليه وسلم موصول القلب  بربه، لا يغفل لحظة؛ لذا كان يذكره، ويذكر نعمه وفضله عليه في كل أحواله وفي كل أقواله وأفعاله وما يعرض له من خير أو ضر وما يقع عليه بصره من آيات الله وما يحدث من ظواهر كونية ، وهكذا يرى الله في كل شيء  فحينما نقتدى به صلى الله عليه وسلم يعيننا ذلك على دوام اتصال قلوبنا  بالله وفي هذا زاد كبير متصل متجدد .

اتباع السنة في أكلنا وشربنا، ولبسنا وخلعنا، ونومنا ويقظتنا، وقضاء حاجتنا، وتعاملنا مع الغير، وفي كل أفعالنا يجعلنا نمارسها في وعي وذكر لله ، ولفضله علينا فنتحرى في كل ذلك ما يرضى الله، ونبتعد عما حرم وهذا خير زاد ، ومن لايتبع السنة في هذه الأمور  يكون في غفلة، ويصير أشبه بالحيوان، وهو يمارس حياته دون ذكر الله وفضله عليه، ولو ذكرنا مثلاً واحداً كالدعاء المأثور بعد قضاء الحاجة  وفيه حمد لله أن أذهب الأذى ، فلو تصورنا ماذا يكون الحال لو احتبس البول أو الغائط لاشك آلام شديدة قد تؤدى إلى الموت .

والإحاطة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها من خير وزاد هنا في هذا المجال أمر غير ممكن، ولابد من الرجوع إلى  كتب السنة التى جمعتها وصنفتها بجهد أئمة فضلاء ، ولكن سنحاول  هنا أن نضرب أمثلة فقط في إيجاز واعتراف بالعجز عن تجلية روائع السنة وما فيها من كنوز .

من روائع السنة :

نلاحظ أن السنة النبوية تتعهد المسلم حتى قبل أن يكون جنيناً في بطن أمه، وذلك بالحث على تأسيس الأسرة المسلمة على التقوى من أول يوم  باختيار الزوجة ذات الدين ، فيتهيأ المناخ الإسلامي النظيف الذى سيشب فيه المولود ويتربى، ثم نجد السنة تذكر بالاستعاذة من الشيطان عند المباشرة الزوجية، وأن يجنب الله الشيطان ما يرزقهم من ذرية ، وتوصى السنة بما يحمي الجنين وأمه من كل أذى ، وعندما يولد  يؤذن للصلاة في أذنه اليمنى وتقام الصلاة  في الأذن اليسرى ، وتوصى السنة بحسن اختيار أسماء الأبناء ، وهكذا توالى السنة تعهدها للمسلم في كل مراحل حياته بصورة لاتسمو إليها  حصيلة الدراسات و التجارب التي وصلت إليها العقول البشرية في هذا المجال .

نجد من السنة المربى والمعلم والطبيب و المدرب العسكرى و الرائد الموجه في كل جانب مكن جوانب الحياة فتوصي بالعلم و الوقاية الصحية و التمرن على السباحة و الرماية وركوب الخيل وتوصى الشباب بالزواج، وتحذر من كل ما يهدم الأسرة و المجتمع .

وكما تعهدت السنة المسلم قبل ولادته فإنها تتعهده عند وفاته وبعد وفاته فتوصي بتلقين الميت لا إله إلا الله محمد رسول الله وبعد موته توصي بتغسيله ثم إكرامه بتعجيل دفنه، وتنهى عن نبش القبور كما توصى بالدعاء له وعدم النياحة عليه .

رسولنا الحبيب جاء رحمة للعالمين وتظهر هذه الرحمة في وصيته صلى الله عليه وسلم بالنساء والأطفال و الخادم والأسير و الفقراء و المساكين والضعفاء و المرضى وذوي الحاجة وحتى الحيوانات، وما أعظم الزاد حينما نكتسب صفة الرحمة باتباعنا  للسنة .

السنة النبوية تراعي المشاعر بدرجة عالية فنجده صلى الله عليه وسلم إذا تحدث مع إنسان يبدو عليه الاهتمام والإصغاء والإقبال عليه بوجهه ويوضح الكلام والألفاظ ، ونجده إذا أراد أن ينبه إلى فعل  خطأ يقول ( ما بال أقوام يقولون كذا أو يفعلون كذا ..)  دون ذكر شخص بعينه وتوصى السنة بعدم تناجى اثنين دون ثالث من أجل أن ذلك يحزنه وغير ذلك كثير .

السنة تدعو إلى تقوية الروابط بين الآباء والأمهات والأبناء  وذوى القربى والجيران، وتحث على التحاب في الله، والتزاور، والتهادى، والسلام، والمصافحة والابتسامة في وجه أخيك، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، واتباع الجنائز، وكل ما يقوى الرابطة بين هذه الأخوة و الرابطة زاد لازم للمسلم وخاصة على طريق الدعوة .

السنة وبناء الشخصية :

ما أعظم الزاد من السنة لبناء الشخصية المسلمة القوية في إيمانها ، والقوية في عزيمتها، وفي إرادتها، وفي بنيتها، وفي أخلاقها، وفي كل صور القوة و العزة وتخلي النفس المسلمة من كل صور الضعف من جبن أو  بخل، أو عجز أو كسل، أو تردد أو وسوسة، أو طيرة أو تشاؤم، وألا يكون المسلم إمعة  يقاد ولا يقود ويتأثر ولا يؤثر .

السنة تدعو المسلم إلى التخفف من جواذب الأرض وإلى عدم الانشغال بمتاع الدنيا، بل يجعل همه الآخرة ورضوان الله ، وما أحوجنا إلى هذا المعنى هذه الأيام التى نرى الناس فيها في دوامة السعى لكسب المال وتحقيق مطالب العيش، وهم في سباق مرير بين ارتفاع أسعار  الحاجات وكسب المال اللازم لها ويصاحب ذلك اختراع وسائل وأشياء حديثة تغرى الناس بشرائها، وفيها ترف وإخلاد إلى الأرض، وكأن الدنيا هي دار النعيم ، فالسنة النبوية تحمينا من ذلك وفي هذا زاد .

انظر السنة الرحيمة تتعهد المسلم حتى فى نومه فتوصى بالنوم على وضوء، وأن ينام على الشق الأيمن، ويقول الدعاء المأثور عند النوم، وفيه تذكير بالموت ، ثم تلك الأدعية عند الأرق وعندما يرى رؤيا يكرهها وتقلقه ، ثم الدعاء عند الاستيقاظ ، وكأن السنة أم رءوم ترعى ابنها الوحيد وتهدهده  إذا فزع  وتهدىء من روعه وتحميه من كل ما يؤذيه  صلى الله عليك وسلم ياسيدى يارسول الله وجزاك الله عنا خير الجزاء .

وهكذا نجد الزاد الوفير والخير العميم في كل سنة سنها لنا رسولنا الكريم وهي بعد ذلك كله تحقق الشخصية المسلمة المتميزة المستقلة لا تلك الشخصية المرقعة التى تقلد وتكسب عادات من هنا وهناك .

وثمة أمر هام نلفت النظر إليه وهو ألا ينقص اهتمامنا بالسنة من اهتمامنا بالفرض وألا نجعل من السنة قضايا كلية نختلف ونتدابر ويفاصل بعضنا بعضاً بسبب التمسك بها أو عدم الالتزام بها، وليفرق كل منا بين إلزامه نفسه بالسنة وبين التزام غيره بها .

فعلينا أن نتواصى بالأخذ بها ، وندعو بالحكمة والموعظة الحسنة للتمسك بها دون تجريح أو تفسيق أو تباعد وتفرق .

وأذكر في هذا المجال أن الإمام حسن البنا رحمه الله في إحدى جولاته للدعوة إلى الله وجد أهل قرية مختلفين ومنقسمين إلى فريقين يكادان يقتتلان بسبب الخلاف على كيفية أداء أذان الصلاة وما يتبعه البعض من الصلاة و السلام على رسول الله  بطريقة معينة فقال لهم رحمه الله : لا تؤذنوا وصلوا بدون أذان  ، فتعجب القوم وقالوا  لانرضى ألا يرتفع صوت الأذان للصلاة بالقرية ، فقال لهم  : إن الأذان سنة  ووحدتكم واجتماع كلمتكم فرض وواجب ، فلندع السنة إذا تسببت فى إبطال الواجب فانتبه الجميع إلى خطئهم بهذا الخلاف وعدلوا عنه  .

فلنأخذ الدروس النافعة و الزاد المفيد من السنة ونكون متبعين ولا نكون مبتدعين ، والله الموفق و المعين .