بقلم: أحمد جاد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله العظيم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من على عباده بما يقربهم إليه فيكثرون من الطاعات فينالون الأجر والثواب من الرحيم الرحمن.
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله بلَّغ الرسالةَ وأدى الأمانة ونصح للأمة وكشف الله به الغمة اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد.
أيها المسلمون أحباب رسول الله ومصطفاه لقد أراد الله عز وجل للأمة المسلمة أمة الحبيب محمد في العشر الأوائل من ذي الحجة أن تنشغل الأمة بعبادته وحده وتسمو نفسًا وحسًا وقلبًا وروحًا وعاطفةً وطموحًا، فبينما نجد بعض الأمة يتوجه إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، نجد البعض الآخر يجتهد في العبادة في العشر الأوائل من ذي الحجة حيث؛ قال رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام- يعني أيام العشر- قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (رواه البخاري).
ومن هنا نجد المسلمين جميعًا يرتبطون معًا ارتباطًا وثيقًا؛ حيث يتذكر المسلم إخوانه وأحبابه الذين قصدوا البيت الحرام وهم على طهرٍ وعفافٍ وتنزه من كل إسفاف فيحلق معهم في سماء الطهر؛ حيث لا رفث ولا فسوقَ ولا جدالَ ولا عقوق، فيسعى لنيل رضا الله في هذه الأيام فيكثر من الصلاة والصيام والقيام والذكر والدعاء وفعل الخيرات وترك المنكرات فتنشغل الأمة جميعًا في هذه الأيام بعبادة الله بل وتتكامل في عبادته وطاعته فإذا كان الحاج يقف بعرفة ملبيًا متجردًا فهذا الحاج يصوم لله متجردًا في هذا اليوم، والذي يُكفِّر صيامه ذنوب سنتين سنة ماضية وسنة آتية، كما أخبر النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وبينما يفدي الحاج نجد غير الحاج يُضحي، وهكذا تتكامل الأمة الإسلامية في هذه الأيام المباركة ليصدق فيها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).
أيها المسلمون إن إدراك المسلم هذه العشر نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العبد يقرها حق قدرها الصالحون المشمرون وواجب كل مسلم استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة بأن يخص هذه العشر بمزيد من العناية فإن فضل الله على عباده كثرة طرق الخير وتنوع سبل الطاعة حتى يبقى المسلم ملازمًا للعبادة.
ولأهمية هذه الأيام أقسم الله تعالى بها والله عز وجل لا يقسم إلا بشيء غالٍ عظيم فقال ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾ (الفجر)، قال العلماء الفجر هو فجر يوم النحر والليالي العشر هي الليالي العشر الأوائل من ذي الحجة؛ بل إنَّ رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يحفز المسلمين لهذه الأيام ويخبر أنَّ العملَ في هذه الأيام خيرٌ من الجهاد في سبيل الله فيقول: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام قيل ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء".
ويؤكد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- على ذلك في حديث آخر ولكن يخبر بأي الأعمال تزيد الحسنات فيقول النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- "ما من أيام أعظم عند الله تعالى ولا أحب العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير".
وقال أهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (الأعراف: من الآية 142)، أنها العشر الأوائل من ذي الحجة كلَّم الله فيها موسى تكليمًا وقربه نجيًا في أيام العشر وكتب له الألواح في أيام العشر.
أيها المسلمون لا بد لنا من وقفة نُدرك فيها فوائد وأهمية هذه الأيام وقيمة العمل الصالح فيها ومن لم يدرك فضل هذه الأيام وتتحرك فيه نوازع الغيرة والمنافسة على كسب الحسنات فلا خير فيه.
فيا أيها الفقير إلى عفو ربه وعطاياه أقبل على هذه العشر بمزيدٍ من العمل الصالح فإنها أيام يحب ربنا أن يعبد فيها أكثر من غيرها.
فالعمل في هذه الأيام هو خيرٌ من العمل طول أيام السنة الأخرى، ولقد أجمع العلماء على أنَّ نهار العشر الأوائل من ذي الحجة خيرٌ وأفضل من نهارِ العشر الأواخر من رمضان ومعلوم للجميع فضل وأهمية العشر الأواخر من رمضان، ولكنهم قالوا إن ليل العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليل العشر الأوائل من ذي الحجة.
أيها المسلمون اعلموا أنَّ لكل موسمٍ خير طاعات وعبادات يحبها الله سبحانه وتعالى ويفضلها أكثر من غيرها والمسلم الفطن هو الذي يعلم هذه العبادات المفضلة ويأتي بها أكثر من غيرها، ومن أفضل العبادات في العشر الأوائل:
1- الحج والعمرة: وهو أفضل عبادة في هذه الأيام، ومن لم يستطع الحج والعمرة ففي حديث رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- العوض والخير حيث قال- صلى الله عليه وسلم-: "مَن صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة".
2- الصيام: فإن لم تتمكن من صيامها كلها فصم ما تستطيع منها وبالأخص يوم عرفة، ولقد كان النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقوم هذه الأيام كلها؛ وذلك في الحديث الذي روته بعض زوجاته "كان النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر"، وليس ببعيد على أحد فضل الصوم بصفة عامة فما بالك بهذه الأيام لحديث النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- "ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا" وحديث النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يعبد فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم صيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر".
3- التكبير والذكر في هذه الأيام: وذلك لقوله تعالى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: من الآية 185)، ولقد ذكر البخاري أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبرون فيكبر الناس بتكبيرهما.
وروى إسحاق أنَّ الصحابة كانوا يقولون في العشر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ويستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق والدور والطرق والمساجد وغيرها.
4- إحياء سنة التكبير: وسنة التكبير في العشر الأوائل كادت تندثر.. فهيا أيها المسلمون نحيي هذه السنة فنأخذ ثوابًا عظيمًا لقول المعصوم- صلى الله عليه وسلم- "مَن أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
5- كثرة الأعمال الصالحة: وذلك من نوافل العبادات كصلاة السنن والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقراءة القرآن للحديث القدسي "ما تقرب إلي عبد بأحب مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، والرجل الذي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"، فلا بد للمسلم أن يكثر من الأعمال الصالحة.
في هذه الأيام لأن العمل في اليوم الواحد من هذه الأيام يساوي قدر غزوة في سبيل الله قال الأوزاعي: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة فلنكثر من الصيام وقيام الليل؛ حيث يقول- صلى الله عليه وسلم-: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام وصلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام".
ولنعلم أن السعادة الحقيقية لتمتلئ القلب حين يخلو العبد بالله عز وجل والناس نيام ويالها من لذة حين تقف بين يدي الله في الثلث الأخير من الليل تدعو وتنيب إلى الله وترى بعدها حالك، يقول ابن المنكدر: ما بقى من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام الليل ولقاء الإخوان وصلاة الجماعة.
ذكر الله عز وجل والإكثار منه في هذه الأيام؛ وذلك لحديث أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال "ألا أدلكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربون أعناقكم قالوا وما ذلك يا رسول الله قال ذكر الله عز وجل".
ما عمل آدمي يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراقه دمًا وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وأن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض وطيبوا بها نفسًا.
أيها المسلمون فلنتعلم من الأضحية أولاً السمع والطاعة لله ولرسوله فنذبح وقت الذبح وننتقي ما يوافق السنة ونذبح على هدي الحبيب محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ثانيًا: التكامل بين أفراد الأمة فمن ذبح يعطي ويهدي لمن لم يذبح وخاصة الفقراء والمساكين.
ثالثًا: لن ينال الله من لحوم الأضحية شيئًا ولكن يناله التقوى من العبد الذي يذبح لطاعته سبحانه وتعالى.
فالبدار البدار قبل ضياع الفرصة والغنيمة الغنيمة بانتهاز فرصة هذه الأيام العظيمة فما منها عوض ولا تقدر بثمن، والعجل العجل قبل هجوم الأجل.
وقبل أن يندم المفرط على ما فعل ويسأل ربه الرجعة فلا يجاب إلى ما سأل يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "الويل لمَن حُرم خير أيام العشر وعليكم بصيام التاسع خاصة فإن فيه من الخيرات أكثر من أن يحصيها العادون"، فاللهم وفقنا إلى الطاعة والأجر والثواب اللهم آمين.