بقلم: حسين عبد الظاهر
"يا معشر قريش، اللطيمةَ اللطيمةَ، الغوثَ الغوثَ".. لم تُسجل له صفحات التاريخ غير هذه الكلمات، ولم يُقدِّم شيئًا تذكره به الأجيال سوى أنه جدع أنف ناقته وشق قميصه وأخذ يصرخ ويولول في أهل قريش أن هبُّوا لقتال محمد فإنَّ خطره قد زاد.
رأيت هذه الأيام ضمضم بن عمرو الغفاري- الذي استأجره أبو سفيان لاستنهاض قريش- يخرج علينا من جديد؛ تنشق عنه صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات ليؤدي نفس الدور الذي لعبه منذ أكثر من ألف وربعمائة عام، خرج علينا بنفس الهيئة ونفس مركب النقص والعقد النفسية والاسترزاق من المصائب والفتن.. في محاولةٍ للبحث عن أي دور.
خرج ضمضم هذه المرة مستغلاًّ صور طلبة جامعة الأزهر ليفتح المندبة ويصيح مولولاً: أين أنتم يا سادة القوم؟! أين أنتم يا معشر الأمن؟! أين أنتم يا بني وزارة الداخلية؟!.. إنَّ خطرَ الإخوان قد عمَّ، وبلاءهم طمّ، والويل، الويل.. إن لم تتدبروا أمركم، وتُوحدوا صفَّكم وتضربوا رؤوس الفتنة ضربةَ رجل واحد!!
وأخذ ضمضم يهدد ويتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور حتى تمَّ اعتقال الطلبة قُبيل دخولهم موسم الامتحانات.. ليته سكت، بل ظل ينفخ في نار الفتنة لتحرق الجميع.
حكى لي زميلٌ صحفي بالجريدة اليومية التي يعمل بها "ضمضم" القرن الحادي والعشرين أن بدايةَ ظهوره ككاتب عمود لأول مرة واكبت ترك رئيس التحرير السابق للجريدة، فاهتبل "ضمضم" الفرصةَ وكان حريصًا على لفتِ انتباه القراء وإثارةِ أي نوعٍ من الجدل يثبت به أمام رئيس التحرير الجديد أنَّ له قلمًا مؤثرًا، يُثير الرأي العام.. حتى لو الناس تشتمه.. المهم يثبت وجوده، مثلما كان يفعل من قبل عندما كان يرسل لنفسه خطابات تهديد مدعيًا أنه الكاتب اللوزعي الذي تطارده جحافل المتطرفين، فلم يجد- منذ أن بدأ كتابة عموده الثابت- أفضل من أكتاف الإخوان ليظهر عليها؛ ويعلن عن وجوده ويزعق بأعلى صوته: أنا كاتب عمود يومي.. هيا اقرءوا مقالي!!
وليس أعجب من أن تجد صحفيًّا يُجهِّز مجموعة مقالات احتياطية "ستوك" يخصصها عن الإخوان تصلح للنشر في أي زمانٍ ومكان.. حتى إذا لم يجد ما يكتبه يومًا- وهذا ما يحدث في الغالب الأعم- يُخرج ما في جعبته من كتاباتٍ تُهاجم الإخوان ويفرغها على صفحةِ الجريدة.
ولا يجد "ضمضم" حرجًا في أن يُعلن بشكلٍ سافرٍ عن علاقته الوثيقةِ بالأمن، لا تدري هل هو الحرص على الظهور الذي يدفع صاحبه إلى المزيدِ من الغباءِ أم أنها القاعدة الذهبية المأثورة "يكاد المخبر أن يقول احذروني" حتى وصل الأمر بالسيد "ضمضم" أن يكتب عن مكالماتٍ هاتفية دارت- مثلاً- بين المهندس خيرت الشاطر وأحد أعضاء الإخوان ويذكر تفاصيل المكالمة بطريقةٍ تدل على أنه واحدٌ من اثنين، إما مخبر أو عميل لمخبر، فلو فرضنا حتى إنه كان جالسًا بجوار المهندس الشاطر أو بجوار محدثه، فلا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يتمكَّن من سماعِ ما يقوله الطرف الآخر!!
أتوقع أن يظهر السيد "ضمضم" غدًا أو بعد غدٍ في "البيت بيتهم" أو في "حالة خوار" يعيط ويدبدب برجليه في الأرض.. "بيكفروني"، وكما هو واضحٌ فأنا لم أُكفِّر أحدًا إنما رصدتُ تشابهًا في السلوك الإنساني بين "ضمضم 2006م" وضمضم الغفاري.
بعض بني البشر يأبون إلا أن يُسطِّروا لأنفسهم ذكرًا في صفحاتِ التاريخ.. بمدح كان أو بذم، لا يهم.. المهم الحضور وإثبات الوجود، فإنَّ فاتهم دور البطولة لا يفرطون في لعب دور الكومبارس، أيْ نعم الدور صغير.. لكنه مؤثر، المهم يكون لهم أي وجود على مسرح الأحداث.
كم من كاتبٍ صار على نهج "ضمضم" في الأزمة التي تشهدها مصر الآن، يمشي متباهيًا وهو يحمل حطب الفتنة.. شعاره المهني "أنا اللي فجَّرت القضية".. دون أن ينظر أين يقع التفجير أو أين يبلغ مداه، كل هذا لا يهم.. المهم أن يُذكر بشيء وسط الأحداث، رغم أنَّ مكانه الحقيقي داخل "الأحداث".. "الأحداث" المؤسسة وليست التاريخ.