بقلم: د. مصطفى النجار

بعيدًا عن اختلاق المعارك الجانبية التي لا تفيد الوطن، وبعيدًا عن التجريح الشخصي لأي  إنسان مهما كانت مواقفه، بعيدًا عن كل هذا.. كان حديث رئيس جامعة الأزهر لبرنامج (العاشرة مساءً) صدمةً لكل جموع الشعب المصري، وظهر جليًّا قلة خبرته السياسية أو إدراكه لخطورة ما يقول، بل فشل تمامًا في صياغة قصة واحدة منطقية أو مقنعة تقنع المشاهد بصحة ما يقول!!

 

كانت البداية بحكايته عن طلاب طب الأزهر بأسيوط، الذين صمَّموا على نقلهم إلى طبّ الأزهر بالقاهرة، رغم عدم استحقاقهم ذلك، واتهم طلاب الإخوان بأنهم هم الذين فعلوا ذلك دون غيرهم لينضمُّوا إلى رفاقهم في القاهرة؛ حيث التنظيم الأقوى والقاعدة الكبيرة لهم، رغم أن المنطقي أن يفضل الإخوان أو أي تنظيم وجود عناصر له في أكثر من مكان بالحسابات التنظيمية المنطقية والبديهية، هذا على فرض صحة ما قاله.

 

والحقيقة التي لا خلاف عليها والتي تناولتْها أغلب الصحف حينها أن طلاب السنوات النهائية بكلية طب الأزهر بأسيوط طلبوا نقلهم إلى القاهرة لعدم تجهيز مستشفى الجامعة هناك لتخريج حتى ممرِّضات، وصرَّح نقيب الأطباء في حينها أن الدراسة بطبِّ الأزهر بأسيوط هي دراسة نظرية؛ لعدم وجود مستشفى حقيقي يتعلم فيه الطلاب، وكانت وقفة من طلاب الكلية جميعهم وليس من الإخوان فقط كما ذكر الشيخ الجليل، وليته اكتفى بذلك، بل اتهم نقابة الأطباء بأنها تواطَأت مع الطلاب في ذلك؛ مما يمثِّل إهانةً بالغةً لأحد أهم نقابات مصر التي نعتزُّ بها جميعًا.

 

هذه واحدة.. وانتقل فضيلته إلى عنف طلاب وفتيات الإخوان، وفي اجتراءٍ على الحقيقة اتهم الفتيات بكسر بوابة المدينة الجامعية، ولمن لا يعرف.. فبوابة المدينة الجامعية بوابة حديدية ضخمة كأبواب السجون، كما أكَّد سيادته بنفسه في الحديث المتناقض، وإننا لنسأل: هل من الممكن لفتيات رقيقات مهما بلغت قوتهن أن يكسرن بابًا حديديًّا ضخمًا كباب السجون؟!

 

ولم يذكر الشيخ الفاضل أن أحد ضباط الأمن ضرب فتاةً من فتيات الأزهر بـ"الشلاليت" حتى أوقعها على الأرض أثناء قيام الفتيات بوقفة أثناء أزمة الحجاب، وعندما ثارت الفتيات وطلاب الجامعة اعتراضًا على ما حدث لزميلتهم لم يجِد رئيس الحرس الجامعي مفرًّا من الاعتذار للفتيات، وتم نقل هذا الضابط لتهدأ ثائرة الفتيات وطلاب الجامعة، ولم يتحرك رئيس الجامعة ليحمي بناته الأزهريات ويحفظ كرامتهن، وبعد ذلك يتهم الفتيات بالاعتداء على الأمن؟! بالله عليكم هل حدث ذلك في مصر قبل ذلك؟!

 

بعد ذلك جعلنا الشيخ نضحك ملء أفواهنا عندما تحدَّث عن انتخابات اتحاد الطلاب الرسمي،  وذكر أن باب الترشيح كان مفتوحًا للجميع، ولكن طلاب الإخوان رفضوا التقدم للترشيح؛ حتى يقيموا اتحادهم الحرّ غيرَ الشرعي، ونفى شطب أي طالب تقدَّم للترشيح؛ مما جعلنا نضحك ونضحك، ونحسبه يتحدث عن جامعة أخرى في دولة أخرى غير مصر؛ حيث إنه معلوم للجميع ما حدث في جامعات مصر كلها، من شطب للطلاب، وغلق باب الترشيح؛ مما أدى إلى ظهور الاتحادات الحرَّة الموازية، وليت مَن يتصدَّر الكلام في الشأن العام يجهد نفسه قليلاً في حياكة وصناعة ما يقول؛ حتى لا يخرج الكلام بهذا الشكل الساذج الذي يسيء له بشكل كبير.

 

وواصل العالم الجليل اتهاماته لطلاب الإخوان الذين صوَّرهم كأنهم خوارج هذا العصر؛ حيث اتهمهم باستقبال الطلاب بالورود والبالونات والحلوى، بل أيضًا اتهمهم بمساعدة الطلاب الجدُد في تقديم الأوراق وسحب المظاريف الخاصة بالتقديم وإهدائها للطلاب، وهذه شهادة منه في حقِّ طلاب الإخوان أنهم طلابُ خدماتٍ لزملائهم، وأنهم يقومون بما لا يقوم به طلاب الاتحاد الرسمي المعيَّن من قِبَل الأمن.

 

ثم تجاوز العالم الجليل كلَّ الأعراف وصدَم المشاهد؛ بوصفه للطلاب بأنهم قطيعٌ من الأغنام!! هذه الإهانة تعدُّ سبًّا وقذفًا صريحًا في حقِّ هؤلاء الطلاب، وكنا نربأ برجل يجلس في هذا المكان الذي يحترمه ملايين المسلمين أن يصل لهذا المستوى الذي صدمنا جميعًا.

 

ومن فجيعة إلى فجيعة أخرى، حينما أصدر فضيلته فرمانًا وهو يتحدث إلينا أن كل الأساتذة في الجامعة الذين يعتنقون أي فكر غير فكره الوسطي- خاصةً فكر الإخوان- سيتم طردُهم من الجامعة، ولْتفرحْ مصر ولتهلِّلْ لأن رئيس أكبر جامعة إسلامية في العالم سيقوم بطرد الفرقة المارقة- على حد تعبيره- ويجعلهم بعد ذلك يعملون أيَّ عمل غير التدريس بالجامعة، ولا عزاء لدعاة الحرية أو حقوق الإنسان، فقد صدر المرسوم السلطاني بذلك، وعلى من يخافون طردهم من أساتذة الجامعة أن ينسلخوا من كل فكر آخر ويعتنقوا فكْر فضيلته، وإلا فلا يلومون إلا أنفسهم.

 

ويقرر فضيلته قاعدةً جديدةً في أعراف الجامعة عندما يقول إن الطلاب تم اعتقالهم من المدينة الجامعية وليس من الجامعة، وكأن المدينة الجامعية لا تمتُّ للحرم الجامعي بصلة، بل هي مكانٌ لتجمُّع أصحاب السوابق والبلطجية.

 

وبعيدًا عن أي اعتبار سياسي أو فكري ننتقل للجانب الإنساني في كلام فضيلته؛ حيث قال لمقدمة البرنامج بعد أن طلبت منه توجيه رسالة للمكلومين من آباء وأمهات الطلاب المعتقلين، قال لها ما معناه: إنهم يستحقون أكثر من ذلك.

 

وإننا لنسأل الوالد العالم الشيخ المعلم المربِّي: ماذا يستحقون أكثر من الاعتقال في منتصف الليل وتدمير مستقبلهم العلمي؟ ماذا يستحقون؟ هل يستحقون السحل والتعذيب والشنق؟

 

لماذا يستحقون كل ذلك؟ هل لأنهم يرفضون وصاية أمن الدولة على الجامعة التي أصبحت تُدار بمعرفة "لاظوغلي" وليس بمعرفتكم؟ أو لأنهم لا يطمعون في الحفاظ على منصب مهما كان الثمن؟! هل يستحقون كل ذلك لأنهم حلموا في يوم من الأيام أن يمارسوا فريضةً شرعيةً هي الحرية.

 

عالمنا الجليل.. أسأت إلى نفسك وإلى تاريخك قبل أن تسيء إلى الطلاب والطالبات، وإلى أساتذة الجامعة زملائك، وإلى الشعب المصري، وهو يراك تفرح باعتقال وتعذيب أبنائه!!
يا عالمنا الفاضل.. المناصب زائلة، ومواقف الرجال وأقوالهم هي التي تبقى شاهدةً عليهم في الدنيا والآخرة.

 

من باب النصيحة في الله: كن في صف أبنائك من طلاب الأزهر، فأنت مسئول عنهم أمام الله، وقِفْ وقفةَ من لا يخشى في الله لومة لائم، وسارع بالتدخل لإنقاذ مستقبل هؤلاء الطلاب وإنقاذهم من قبضة الطغاة، ولا تبِع آخرتك بدنياك، وعفا الله عن الجميع.