- الشيخ الخطيب: الفكرة مفيدة طالما أنها للتعلم والتدريب وليس لإقامةِ النسك
- د. يسري هانئ: تثبيت المجسم في مكانٍ بعينه خطر بالغ ويجب دفع الفتن والشبهات
- د. عبد الرحمن البر: لا بد أن يكون القائمين على التعلم من علماء الأزهر بضوابط
- الشيخ عبد الخالق الشريف: الفيديو وسيلة أفضل حتى لا يتبرك الناس بالمجسد
تحقيق- عصام سيف الدين
نشرت دار الإفتاء المصرية فتوى حول جواز عمل مجسمٍ للكعبةِ الشريفة لتعليم مناسك الحج جاء فيها: "إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعلِّم أصحابَه بأساليب متنوعة، فقد صوَّر لهم ما يُشبه اللوحات التوضيحية ليعلمهم".
وأضاف قد يُشبَّه الغائب بالشاهد لاستحضار الصورة، كما شبَّه النبي- صلى الله عليه وسلم- عددًا من الأنبياء وجبريل ببعض الصحابة، وقال "أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم- يعني نفسه"، بل ورد تأديته بعض العبادات عمليًّا لقصد التعليم كما في حديث سهل بن سعد أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- صلَّى على المنبر فلمَّا فرغ أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس، إنما صنعتُ هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي".
وأكدت الفتوى أنَّ المعاينة تكون أقوى أثرًا في النفس من السمع، كما ورد في الحديث "ليس الخبر كالمعاينة، أنَّ الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح، فانكسرت".
واختتمت دار الإفتاء الفتوى بالقول "مما تقدَّم يعلم أنه لا بأس بتعليم مناسك الحج والعمرة، عن طريق عمل مجسم للكعبة والطواف حوله"، بل إنه قد يرتقي إلى الاستحبابِ وإذا لم يمكن فهم المنسك إلا به فقد يجب، علة أن يتم ذلك في جوٍّ من التعظيمِ لشعائر الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: من الآية 32).
من جانبهم اتفق الفقهاء مع المفتى في جواز الفكرة بغرض التعلم والتدريب وحتى تكون المعاينة أشد تأثيرًا من السمع فقط ولكنهم اشترطوا لها عدة ضوابط لا بد أن تُوضع في الاعتبار.
![]() |
|
الشيخ محمد عبد الله الخطيب |
في البداية يشير الشيخ محمد عبد الله الخطيب- عضو مكتب الإرشاد وأحد علماء الأزهر الشريف- إلى أنَّ هذا العمل يرتقي إلى درجةِ الاستحباب، لما فيه من تقريبٍ وإيضاحٍ للأمور ويساعد الحجاج على أداءِ المناسك بسهولةٍ ويسرٍ دون أخطاء أو نسيان؛ حيث إنَّ كثيرًا من الناس يذهبون إلى الكعبة ولا يدرون ماذا يفعلون ومن أين يبدأون، وأضاف أنها وسيلة جيدة للتمرين والإعداد، فالمعاينة أحيانًا تكون أكثر فائدةً من مجرد السمع لما لها من ترسيخٍ ذهني أفضل، وأنَّ هذا التجسيد يكون مطلوبًا إذا لم يمكن فهم المنسك إلا به.
ولفت الشيخ الخطيب إلى أنه لا توجد أية تخوفاتٍ من مثل هذا التجسيد طالما أنه عُرِفَ أنه للتعلم والتدريب فقط وليس إقامةً للنسك، وأنه من الأفضلِ للمسلمين أن يكون المجسم متحركًا يؤدي غرض التدريب فقط، وبعدها يبعد عن الأعين حتى لا يقعوا في شبهة.
ويتفق معه الدكتور يسري هانئ الأستاذ بجامعة الأزهر في أنَّ تجسيمَ الكعبة لا يوجد به مشاكل طالما أنه بهدف التعلم الذي سيجعل المسلمين يؤدون المناسك بطريقةٍ سليمةٍ، كما أنَّ كثيرًا من الدول الإسلامية في دول شرق أسيا يفعلون ذلك، ويقوم المدرب بالطواف ومن بعده المتدربون، مشيرًا إلى أنه لا شيء في ذلك ما دام بنية التعليم وليس إقامة النسك.
مؤكدًا على ألا يكون المجسم ثابتًا في مكانٍ بعينه كأن يكون مبنى مثلاً، فهذا يُمثِّل خطورةً بالغةً تهدد عقيدة المسلمين ودلل بموقف سيدنا علي عندما رأى امرأةً قامت بتجسيمٍ لقبةِ الصخرة على هيئةِ بناء فأمر بإزالتها على الفور.
![]() |
|
د. عبد الرحمن البر |
ويرى الدكتور عبد الرحمن البر- أستاذ الحديث بجامعة الأزهر الشريف- أن تجسيدَ الكعبة لا يُثير أية مخاوف على الإطلاقِ طالما أنه تمَّ توجيه الناس وتعريفهم أنه للتعليمِ والتوجيه فقط وأنه أداة لمساعدتهم على عدمِ نسيانِ مناسك الحج.
مشيرًا إلى أنه يجب أن تكون هناك عدة اعتباراتٍ عند تجسيد الكعبة هو أنه يُفضَّل ألا تكون بناءً في مكانٍ ثابتٍ حتى لا يرتاده الناس كثيرًا، وأن يكون سهل التحرك به من مكانٍ لآخر بحيث إذا تمَّ الانتهاء من تعليمِ الناس تمَّ نقله بعيدًا ويتم إخراجه عند الحاجة، كما دعا إلى أنَّ التعليم عن طريق دوراتٍ تعليميةٍ يقوم بها المتخصصون من علماءِ الأزهر، مستبعدًا أن يؤدي هذا التجسيد إلى إيجادِ نوعٍ من الفهم الخاطئ لدى الناس في مدى قدسية هذا التجسيد من عدمه؛ لأنَّ المسلمين لا يقدسون إلا الله في قلوبهم، كما أنَّ الله أنعم على المسلمين بنعمةِ الفهم لأمور وتعاليم دينهم.
![]() |
|
الشيخ عبد الخالق الشريف |
أما الشيخ عبد الخالق الشريف- من علماء الأزهر الشريف- فأوضح أنَّ فكرةَ تجسيد الكعبة معمول بها في دول شرق أسيا التي لا تتحدث اللغة العربية إلا أنَّ هذه الفكرة يُخشى منها؛ لأنَّ هذا التجسيد قد يجعل الناس في يومٍ من الأيام يعبدوا هذا المجسد ويتبركوا به.
وأشار إلى أن هناك وسائلَ أخرى أسهل وأفضل ولا تؤدي إلى الوقوعِ فى شبهاتٍ مستقبليةٍ مثل استخدام الفيديو وتصوير مناسك الحج بالصوت والصورة، فالمهم هو توصيل الرسالة وهي تعلم الناس ودورنا كعلماء أن نجد لهم الآلية التي لا توقع المسلمين في الفتن، باعتبار أنَّ الدينَ الإسلامي أَمَرَ بسدِّ جميع الطرق التي تؤدي إلى إحداث فتنٍ بالمسلمين، وقد يكون هذا التجسيد للكعبة أحدها وخاصةً العبادات التي لم يرد فيها نص.
ويرى الدكتور أحمد العسال الرئيس السابق للجامعة الإسلامية بباكستان أنَّ تجسيدَ الكعبة أمرٌ جائز، فهو يتم استخدامه في كثيرٍ من الدول كنموذجٍ لتعليم المسلمين، ولكنه أشار إلى أنه من الأفضل ألا نفتح هذا الباب خوفًا من الوقوعِ في محظوراتٍ، ويقوم الناس بالتبرك من هذا المجسم خاصةً أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ تحثُّ على درء المفاسد والشبهات، وطالب العسال بتطبيق آليات ووسائل سهلة لا تُحدث أيةَ بلبلة مستقبلية؛ وذلك مثل استخدام فيديو مصور.


