بقلم- أحمد التلاوي

ارتكبت قوات الاحتلال الأمريكيَّة قبل بضعة أيام مجزرةٍ جديدة في حقِّ مجموعة من المدنيين العراقيين في قرية جلامدة السُّنِّيَّة بالقرب من منطقة الإسحاقي الواقعة في الشمال من العاصمة العراقيَّة بغداد، وأدَّت "العمليَّة العسكريَّة" الأمريكيَّة ضد السكَّان العُزَّل من السلاح إلى مقتل حوالي 32 من العرب السُّنَّة، بينهم نساء وأطفال.

 

وروى شهود عيان الواقعة أنَّ قوات الاحتلال الأمريكيَّة قامت أولاً بإعدام عددٍ كبيرٍ من الضحايا عمدًا بإطلاق الرصاص عليهم، ثم قامت القوات الجويَّة الأمريكيَّة بقصف المنزلَيْن الذَيْن كانا يضمان العائلتَيْن اللتَيْن كانتا ضحيَّة العملية الأمريكيَّة القذرة، وكان القصف مقصودًا منه التمويه على عملية الإعدام الجماعي التي جرت، وذلك بتصوير الأمر وكأن الضحايا قد سقطوا نتيجة للغارة الجويَّة.

 

وهذه ليست المرة الأولى التي ترتكب فيها قوات الاحتلال الأمريكيَّة جريمة حربٍ في الإسحاقي وبذات التكتيك، ففي مارس 2006م الماضي اتهمت الشرطة المحليَّة العراقيَّة في الإسحاقي ومسئولون عراقيون بارزون القوات الأمريكية بتقييد وقتل ستَّة أشخاص وخمسة أطفال بالرصاص ثم استدعاء الطائرات الحربيَّة لقصف منزلهم وتدميره حتى لا يبدو أي أثر لهذه الجريمة.

 

والحقيقة أنَّ مأساة الإسحاقي الأخيرة لا تمثل صورة استثنائيَّة أو حالة فرديَّة في السلوك الأمريكي في العراق؛ فجرائم الحرب هناك تعتبر ممارسة شبه يوميَّة من جانب الأمريكيين، وعدد القضايا أمام المحاكم العسكريَّة الأمريكيَّة دليلٌ بارزٌ في هذا المقام، ولا تزال أصداء فضائح سجن أبو غريب ومجزرة الإسحاقي الأولى، وكذلك قضية الفتاة العراقيَّة عبير الجنابي ومجازر المحموديَّة وغيرها من المجازر الأمريكيَّة تعطي ظلالاً سوداء حول الوضع الإنساني والسياسي والأمني العام في العراق، ومسئوليَّة قوات الاحتلال الأمريكيَّة في العراق عنها.

 

كما أنَّ هذه الصورة السوداء لا تُعْتَبَر استثناءً من الممارسة العامة في المنطقة لبلدان التحالف الأنجلو- صهيوني في العالم العربي والإسلامي؛ فالصور تترى يوميًّا من فلسطين ولبنان وأفغانستان توضح حقيقة المهزلة الأخلاقيَّة المتواصلة في حقِّ الدم العربي المسلم في مختلف هذه البقاع المأزومة من الأمة.

 

أهميَّة البعد القانوني

هناك العديد من القضايا تطرحها هذه الصورة الدمويَّة المخيفة، ومن أبرز هذه القضايا المسئوليَّة الجنائيَّة والسياسيَّة لقوات الاحتلال عن سلامة المدنيين في وقت الحرب.

 

وهذه القضيَّة غائبة إلى حدٍّ كبير عن المناقشات العامة فيما يتصل بتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، وبالذات فيما يتعلَّق بالمناطق التي تتحرَّك فيها قوات مسلحة صهيونيَّة أو أمريكيَّة، كما في فلسطين والعراق وأفغانستان ولبنان، مع طغيان الجانب السياسي الأمريكي على قرارات الشرعيَّة الدوليَّة في هذا الإطار.

 

ومن بين أبرز نماذج هذه التداخلات الأمريكيَّة التي تمنع تطبيق القانون الدولي الفيتو الأمريكي المستمر في مجلس الأمن الدولي ضد أيَّة محاولات من جانب المجموعة العربية والإسلاميَّة لاستصدار قرارات من المجلس لإدانة جرائم الحرب الصهيونيَّة ضد الفلسطينيين.

 الصورة غير متاحة

 عراقيون يحملون جثامين قتلاهم ومعظهم من الأطفال

 

كذلك هناك موقف الولايات المتحدة من محكمة الجزاء الدوليَّة، مع رفضها التوقيع على اتفاقية روما المُنْشِئَة للمحكمة، ثم مطالبتها باستثناء الجنود الأمريكيين العاملين في مها