بقلم: غسان مصطفى الشامي
لطالما شكَّل الاعتقالُ السياسي إرهابًا واضطهادًا لأصحابِ الفكر والرأي في وطننا العربي؛ حتى إنَّ مجتمعاتنا تُسجِّل باستمرار حالات اعتقالٍ سياسي، فالقمع الفكري يتواصل في وطننا العربي، أما سقف الحريات فهو محدود، فلا يسمح بالحديث أو التكلم إلا في أمورٍ يحددها النظام والحاشية، على هذه الشاكلة تَحيا الكثير من بلداننا العربية.
* وربما البلد العربي الوحيد الذي يخلو من الاعتقال السياسي هو فلسطين، لِظروفٍ ربما تختلف عن باقي ظروف البلدان العربية الأخرى؛ لكون فلسطين بلدًا محتلاًّ ويحيا ثورةَ تحرُّرٍ ويخضع لاعتبارات عدة، على الرغم من ذلك إلا أن فلسطين مع بدايات السلطة لحقت بركب الأنظمة العربية البائدة ومارست الاعتقال السياسي بحقِّ عددٍ من أصحاب الرأي والفكر وعددٍ من السياسيين الفلسطينيين.
* ما أعلنه الناطق باسم وزارة الداخلية الفلسطينية مؤخرًا أنَّ ملف الاعتقال السياسي "ولَّى بلا رجعة" شيءٌ جديرٌ بالاهتمام والبحث، ويُحسَب للشعب الفلسطيني وحكومته المنتخَبة إغلاقُ مثل هذا الملف، فمنذ تسلم الحكومة الفلسطينية الحالية أعمالها لم نَسمع أنها مارست الاعتقال السياسي بحقِّ سياسيين فلسطينيين أو أصحاب آراء مختلفة، فمثل هذه الروح الفلسطينية العالية في تقبُّل الرأي الآخر والتحاور معه أمرٌ جديرٌ أن يعمَّم على كافةِ دولنا ومجتمعاتنا العربية ويُحسَب للفلسطينيين السبق فيه.
فقد حقَّق الفلسطينيون السبْقَ في الكثيرِ من الأمور، أهمها ابتداع أساليب قتالية ونضالية جديدة؛ من أجل مواجهة دبابات وطائرات المحتلّ ومجابهتها، فمقاومة الشعب الفلسطيني بدأت بالحجر، وها هي اليوم تتطوَّر إلى الصاروخ وإلى المقاومة عبر الدروع البشرية، كما كان للفلسطينيين السبْق في العمليات الاستشهادية، والسبْق في تحقيق الديمقراطية النزيهة التي شهد العالم كله بنزاهتها.
* إنَّ الشرائعَ والديانات السماوية وكافة القوانين والمعاهدات تُحرِّم سلب الفرد حريته واعتقاله دون وجه حق، فالمادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسـان تنصُّ على "لكل فردٍ حقٌّ في الحرية والأمان على شخصه، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسـفًا، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسبابٍ ينص عليها القانون وطبقًا للإجراء المقرر فيه".
إن الاعتقال السياسي يعتبر وصمةَ عارٍ في جبين الأنظمة العربية، ويُشكِّل ضربةً للأنظمة العربية وخَلَلاً في الديمقراطية، ووسيلةً لقمع الآراء والتوجهات المخالفة في المجتمع العربي، كما يُشكِّل الاعتقال السياسي خطرًا كبيرًا على ترسيخ مبادئ وأسس الوحدة بين أقطاب المجتمع وتوجهاته الفكرية والسياسية المختلفة.
* ويشكِّل الاعتقال السياسي انتهاكًا كبيرًا للديمقراطية الحقيقية، والتي تقوم على احترام حريات التعبير والرأي بكافة صورها وأشكالها، وفي مقدمتها حرية الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة.
فهل من الديمقراطية أن تقمع الأنظمة حريات الشعوب وتكبِّلها، وتحدِّد لها مساراتٍ لا يمكن تجاوزها؟! فهي بذلك تَقتل الطاقات لدى المواطنين وتَعمل على إعاقة التقدم والتطور في بلداننا العربية، فضلاً عن إعاقة وتدمير الحياة السياسية في بلداننا العربية.
* إن شعوبنا العربية تحيا أَرَقًا وقلقًا دائمًا من قضيةِ الاعتقال السياسي، ولا أبالغ بالقول إن كل بلادنا العربية مارست هذا الاعتقال، وعذَّبت الكثيرَ من القادة والمفكِّرين، ولا زال الكثيرُ منهم يقبع في السجون بسبب كلمة أو فكرة أو رأي يخالف النظام، فيما تعجّ المراكز الحقوقية العالمية بتقارير عن الاعتقال السياسي في البلدان العربية، وقد لا يتسع بنا المقام للذكر أمثلة ونماذج عربية في الاعتقال السياسي.
* ولا يتوقف الاعتقال السياسي على شكلٍ واحدٍ بل يتعدَّاه إلى أشكالٍ متعددة، فقد يُمنَع المفكِّر أو الناشط سياسيًّا من الخروج من منزله أو الخروج من البلدة التي يعيش فيها أو الخروج من وطنه ليبقَى حبيسًا داخل حدود معينة، أو قد تُفرض عليه عقوباتٌ محددةٌ، أو يُوضع السياسي قَيدَ الإقامة الإجبارية، فضلاً عن التهديدات المتواصلة لأصحاب الفكر والرأي في عالمنا العربي، أما الاغتيالات والاعتداءات على أصحاب الفكر والكلمة فهي مسلسل لا ينتهي.
* والسؤال هنا: ما الذي يدفع الكثير من مفكرينا وروَّادنا العرب إلى السفر خارج الوطن العربي، وها هم يشيِّدون صروحًا ومؤسسات إعلامية وفكرية في بلاد الغرب.. فهل تَعرَّض للقمع من قِبل السلطات نتيجة لرأيه وتعرض للإرهاب وهل تعرَّض المفكِّر للاعتقال السياسي والاستجواب في قضية ما تحدث فيها؟!
* إنَّ الاعتقالَ السياسي وممارسة الإرهاب ضد الفكر والكلمة يفقدنا كبلدانٍ عربية الكثير من الخبرات والروافد ذات الأهمية في دعم وبناء وطننا العربي، فنحن بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى ما يحرِّر شعوبنا من الأوهام والأفكار التي تسيطر عليها وعلى جيلنا القادم.. نحن بحاجةٍ إلى مَن يُعيد المجدَ لأمتنا العربية، ومَن يُعيد صياغة تاريخنا التليد، ولكن ليس على الطراز الأمريكي الأوروبي، بل على الطراز العربي الإسلامي الأصيل.
-----------