تحقيق- سالي مشالي فاجأ الشيخ علي جمعة- مفتي الديار المصرية- المجتمعَ المصريَّ بإعلان أنه بصدد إصدار فتوى شرعية ورسمية تُحرِّم ختان الإناث، بل إنه زادَ على ذلك بقوله إنَّ الإسلامَ بعيدٌ كلَّ البعد عن الختان، زاعمًا أنه مجرَّد عادة لا علاقةَ لها بالدين. المفتي وصف أيضًا الأحاديث النبوية التي وردت عن ختان الإناث بأنها أحاديث ضعيفة، كما أنَّ حديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" رغم كونه صحيحًا فإنه لم يأتِ للحثِّ على ختان الإناث أو تأكيد مشروعيته، وإنما جاء في حكم الاغتسال؛ لأنَّ هذه العادة كانت موجودةً قبل ظهور الإسلام.
د. علي جمعة

وليس خافيًا على أحد أنَّ توجُّهَ فضيلة المفتي وتحركه جاءا على خلفيةِ المؤتمر الذي نظَّمته دار الإفتاء- بتمويلٍ ألماني- لتحريمِ انتهاك جسد المرأة أو بشكلٍ أكثر تحديدًا تحريم "ختان الإناث"، ورغم الشبهات التي غلَّفت المؤتمر وتوصياته.. إلا أنَّ هذا الموقف الصارم من فضيلة المفتي ومِن ورائه مشيخة الأزهر الشريف لم نجد مثله أو حتى نصفه، ولا واحدًا من عشرة منه في قضية تكاد تكون أخطرَ ألف مرة من قضية مشروعية الختان، وهي قضية الحجاب الأخيرة وتصريحات وزير الثقافة حوله، بل ووصفه العلماء والمشايخ بأنهم من مشايخ بـ"3 مليم"، وإن كانت قضية الحجاب هي الأخيرة التي اختفى فيها صوت المؤسسات الدينية، بل إنه لم يكن موجودًا من الأساس، فإن هناك قضايا أخرى سبقتها لم يكن تحرُّك المؤسسات الدينية في مصر- والممثلة في مشيخة الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف المهيمنة على المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- بالقدر الكافي، بل إنه يوصف بأنه تحرّك الحد الأدنى لحفظ ماء الوجه، كما حدث مع قضية تصريحات بابا الفاتيكان وقبلها الرسوم الدنماركية المسيئة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو ما يطرح العديد من التساؤلات، ربما لا تكون جديدة ولكنها ملحَّة عن دور المؤسسات الدينية الرسمية؟ ومن يحرِّك مواقفها؟ وتأثير ذلك على مكانة مصر في العالمَين العربي والإسلامي؟!
في البداية يؤكد د. مصطفى إمام- الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر- أن غياب دور المؤسسة الدينية ممثلةً في الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية مشكلةٌ عانى منها المسلمون على مستوى العالم منذ عشرات السنوات، سواءٌ بعد قانون تطوير الأزهر الأول الصادر عام 1961، والذي تضاءل بعده دور الأزهر بصورة كبيرة، أو بعد صدور قانون تطوير الأزهر الثاني الصادر عام 98 والذي تلاه ما يشبه الغياب الكامل للمؤسسة الدينية عن القضايا العامة والعالمية والأحداث المتلاحقة، والتي غاب عنها الأزهر أو اتخذ فيها مواقف متخاذلة، كحروب البلقان (البوسنة والهرسك) أو الحروب الأخيرة في أفغانستان والعراق.
ويَعتبر د. مصطفى إمام أن أزمة المؤسسة الدينية زادت وتضخَّمت بعد أن حاول علماء الأزهر أن يملأوا- بصورة فردية- الفراغَ الناتجَ عن غياب الأزهر رسميًّا ومؤسسيًّا، فما كان من المسئولين إلا أن بدأوا يعاقبون كلَّ مَن تسوِّل له نفسه الدفاع عن الإسلام بدون الرجوع للمؤسسة، كما حدث مع أحد العلماء عندما أفتى بعدم جواز التعامل مع الحكومة العراقية التي عيَّنها الاحتلال الامريكي، فتم نقلُه من موقعه في لجنة الفتوى!!
ويستطرد د. إمام مضيفًا: أما بالنسبة لمجمع البحوث الإسلامية فقد أصبح دوره بعيدًا عن الحياة العامة، ويتحكَّم فيه أشخاصٌ قليلون بصورة مسيَّسة، ورغم أن اتحاد علماء المسلمين- برئاسة الشيخ القرضاوي- يحاول أن يقوم بدور في هذا المجال إلا أن المؤسسات الدينية التي يتبعها أعضاء الاتحاد في النهاية تتخذ طابعًا "مؤسسيًّا كالفردي"، فلا يربط بينها رابط رسمي، وبالتالي لا غنى عن أن تقوم المؤسسة الرسمية التي تحمل نوعًا من الهيبة على مدى التاريخ باستعادة مكانتها، وأن تتخذ مواقف رسمية إسلامية قوية، دفاعًا عن قضايا المسلمين، ويتوقع د مصطفى أن تنجلي الغمَّة استئناسًا بقول الله تعالى: ʈ