الضفة الغربية- وكالات الأنباء، القاهرة- حسين التلاوي

قال جدعون عزرا وزير البيئة الصهيوني الإثنين 4/12/2006م أهمية أن يعمل المسئولون الصهاينة على دراسة إطلاق سراح أمين سر حركة فتح بالضفة الغربية مروان البرغوثي المعتقل لديهم مقابل إطلاق المقاومة الفلسطينية للجندي جلعاد شاليت الأسير لديها وتثبيت التهدئة الحالية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

ونقلت وكالة (رويترز) عن الوزير الصهيوني قوله إنه يدعم فكرة إطلاق البرغوثي إذا كان ذلك ضمن اتفاق مع الفلسطينيين يعود بمقتضاه شاليت ويتوقف ما زعم إنه تهريب للأسلحة عبر معبر صلاح الدين الحدودي بين مصر وقطاع غزة وأنشطة المقاومة الفلسطينية.

 

وأوضح عزرا- الذي كان وزيرًا للأمن الداخلي- سبب مطالبته بإطلاق سراح البرغوثي عندما أشار إلى الشعبية الكبيرة لمروان البرغوثي في أوساط حركة فتح والتي تعني أن إطلاقه سيؤدي إلى دعم مكانة الحركة، وقال عزرا "مروان البرغوثي شخص مهم دون شك لحركة فتح.. وفتح تواجه صعوبات اليوم، وعلينا أن نعزز مكانة فتح إذا كنا نريد تعزيز وضع أبو مازن"، في إشارةٍ لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

 

وقد قللت المتحدثة باسم رئيس الحكومة الصهيونية ميري إيسين من حجم تصريحات عزرا بالنسبة للمواقف الرسمية الصهيونية.

 

وتأتي تصريحات عزرا بالتوازي مع إقرار الحكومة الصهيونية المصغرة أمس عددًا من الإجراءات ولوقف اعتداءاتهم في الضفة الغربية وغزة، ومن بينها عدم تنفيذ حملات اعتقال في الضفة، منعًا لنشوب مواقف احتكاك بين الفلسطينيين تؤدي إلى إطلاقِ المقاومة الصواريخ على الكيان من قطاع غزة، لكن الصهاينة خرقوا تلك القواعد مساء اليوم؛ حيث استشهد شاب فلسطيني وأُصيب اثنان آخران بنيران قوة خاصة صهيونية داخل أحد المقاهي في مدينة طولكرم بالضفة.

 

وبعيدًا عن الانتهاك الصهيوني لقواعد الاشتباك الجديدة التي أقرتها الحكومة الأمنية المصغرة أمس، فإنه يمكن النظر إلى تصريحات عزرا من أكثر من زاوية:

 

- شعور الصهاينة بحجم الخسارة السياسية والميدانية الكبيرة التي يتكبدونها جرَّاء المقاومة الفلسطينية وإحساسهم بفشل مختلف الإستراتيجيات التي تمَّ اتباعها للقضاء على المقاومة وإغلاق ملف القضية الفلسطينية بصورةٍ نهائيةٍ سواء من خلال الحصار المالي والسياسي أو تصعيد الاعتداءات العسكرية بصورةٍ غير مسبوقة، وبالتالي بات باب التفاوض هو الوحيد المفتوح أمامهم للتعامل مع الفلسطينيين؛ وهو الأمرُ الذي لم يأتِ إلا بنيران المقاومة الفلسطينية.

 

- كذلك فإنَّ تصريحات عزرا تعكس شعورًا صهيونيًّا آخر بالإخفاق أمام حركة المقاومة الإسلامية حماس تحديدًا؛ حيث إنَّ سياسة الحصار والعزل لم تعد مجدية في التعامل مع الحركة، كما أنَّ العدوان لم يقصم ظهر الحكومة التي تقودها أو يؤدي إلى ثورةٍ شعبيةٍ ضدها بل زاد من تماسكها إلى جانب المرونة السياسية التي أبدتها الحركة في التعامل مع ملف تشكيل حكومة الوحدة، وهي المرونة التي جلبت لها تأييد الحليف الأكبر للفلسطينيين، وهو مصر حيث وضح التفاهم بين المسئولين المصريين وقيادات حماس أثناء زيارتي رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل ورئيس الحكومة إسماعيل هنية إلى مصر.

 

وبالتالي فإنَّ الإفراجَ عن البرغوثي يُراد به دعم حركة فتح بإطلاق سراح رمز المقاومة في الحركة والأب الروحي لكتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لها بما يعيد ولو قليلاً من صورة حركة فتح التي اهتزَّت كثيرًا في الفترة الأخيرة؛ الأمر الذي يجعلها تقف في مواجهة حركة حماس، لكن الرهان الصهيوني في هذه النقطة سيكون الفشل من نصيبه بالنظر إلى أن المرونة السياسية لحركة حماس والتي تجعلها قادرةً على التعامل مع الفصائل الفلسطينية بمنطق التعاون لا التنافس إلى جانب تبني البرغوثي ذات الرؤية التعاونية لا التنافسية؛ الأمر الذي سيجعل إطلاق البرغوثي عنصرًا للجبهة الداخلية الفلسطينية لا عنصر صراع.

 

- تنامي الإحساس لدى الرأي العام الصهيوني بأن حكومة إيهود أولمرت غير قادرة على التعامل مع القضية الفلسطينية بصورة جيدة، وبالتالي بدأت الشرائح المختلفة في إطلاق مبادرات تقوم على الحوار والتعامل مع رموز المقاومة في سبيل التوصل إلى تهدئة تمهد الطريق أمام اتفاق شامل، فوزير البيئة الصهيوني يطالب بإطلاق البرغوثي لاستعادة الجندي الأسير وتثبيت الهدنة ونوعام شاليت والد الجندي الأسير يتحرك منفردًا باتجاه لقاءٍ مع مسئولين من حركتي حماس وفتح في غزة لبحث مصير ابنه، وتصنع كل تلك التحركات ضغطًا داخليًّا على حكومة أولمرت قد يدفعها إلى المزيد من التنازلات نحو الفلسطينيين.

 

لذا يمكن القول إنَّ تصريحات عزرا من كلِّ الجهات توضح أنَّ الصهاينةَ توصلوا تقريبًا إلى قناعة بأن الانتصار على الفلسطينيين سواء أكان سياسيًّا أو عسكريًّا غير ممكن، وأن التفاهم وعقد الصفقات المتوازنة التي يقف فيها الطرف الفلسطيني قويًّا سيكون هو الباب الوحيد لإنهاء مسلسل الخسائر الذي وصل إلى ذروته بالانسحاب من قطاع غزة في سبتمبر من العام 2005م، وتمَّ تكريسه بقبولهم الهدنة وإعلان أولمرت أنه يتجه لدراسة المبادرة العربية للتسوية، ولا ينسى أحد أنَّ كل ذلك تحقق بسبب سلاح المقاومة وضغطه المستمر على الحكومات الصهيونية المتعاقبة، مدعومًا في ذلك بتحركات سياسية مدروسة من حركة المقاومة الإسلامية حماس ازدادت وضوحًا بعدما شكلت الحركة الحكومة إثر فوزها الكبير في انتخابات يناير الماضي.