- د. سعيدة أبو سوسو: الصراخ يؤثر سلبًا على كل أجهزة الجسم

- كريمة عبد الغني: لا تعلنوا الغضب في وجوه أطفالكم

 

تحقيق- سالي مشالي

يعود الأب إلى المنزل فيصرخ في زوجته، تثور أعصاب الزوجة فترد على صراخه بصراخٍ أو توجه صراخها إلى الأبناء، يصرخ الأبناء في بعضهم البعض طوال الوقت، يذهبون إلى المدرسة فيجدون المدرسين والمدرسات يصرخون.. لماذا نصرخ؟ ولماذا يصرخون؟.

 

تقول داليا محمد- ربة منزل: إنَّ المجتمعَ كله لم يتربَّ على الهدوء، فالجميع يصرخون كما لو كان ذلك مسألة متوارثة وأمرًا طبيعيًّا، فالأمهات والآباء والمدرسات يصرخون، ليس لدى أي أحدٍ منا أفكار مختلفة للتعامل أو للسيطرة على الأطفال، هناك قناعة عامة بأنه لا مجالَ للسيطرة على الأطفال إلا عن طريقِ الصراخ، فلا مجالَ لقصةٍ أو رسمٍ أو لعبة بدلاً من الصراخ.

 

وتحدثنا دعاء سيد- ربة منزل- بصوتٍ مبحوح، قائلةً: لقد أتلف الصراخ حنجرتي وأعصابي، أعتقد أنَّ الأولاد يتعمدون إغاظتي وإثارة أعصابي حتى أصرخ فيهم، وأشعر أنني لو ظللت بدون صراخٍ لمدة يومين متتالين (وهو حلم) فسيرسل "البقال" الذي تحت المنزل مَن يطمئنه أنني بخير، علمًا بأنني أسكن في الدور الخامس!!

 

وترى منال إبراهيم- مُدرسة- أنَّ مسئوليةَ الهدوء في المنزل تقع في المقامِ الأول على عاتقِ الزوجة أو الأم، فترى أنها لو كانت هادئةً فإنها تستطيع أن تحتوي الزوج والأبناء وسيصبح الجميعُ هادئين، أما إذا كانت عصبيةً وكثيرةَ الصراخ فغالبًا تسري العدوى لباقي أفراد الأسرة.

 

الزوج المسئول

وعلى عكس منال تُحمِّل إيناس إبراهيم- ربة منزل- الزوج المسئوليةَ الكاملةَ عن حالةِ التوتر والقلق التي تسود المنزل قائلةً: زوجي يُحملني مسئولية البيت والأبناء ولا يُساعدني ويصرخ كثيرًا في وجهي، فإذا احتاج أن يطلب من أحد الأبناء أن يُنهي واجباته أو يغير ملابسه.. يصرخ فيَّ طالبًا مني أن أُخبر الولد كذا وكذا!! وطبعًا ردي يكون: ولماذا لا تُخبره أنت؟ لماذا تطلب هذا مني وأنت موجود؟ ثم أبدأ في الصراخ في الأبناء لأني مضغوطة في واقع الأمر من المسئولياتِ الملقاة على عاتقي من مذاكرةٍ ومواعيد نوم واستيقاظ وأكل وخلافه.. ومن زوجي أيضًا.

 

زوجتي المسئولة

وعلى الجانب الآخر فللزوج رأي مخالف، يقول حسن إبراهيم- مهندس-: بعد يوم عملٍ طويلٍ أحتاج العودة إلى منزلٍ هادئ وزوجة متفهمة، ولكني دائمًا أعود حتى أستمع إلى كمٍّ من الشكاوى والصراخ من زوجتي، بالإضافةِ إلى مبالغتها في الصراخ في الأبناء أمامي سواء لرغبتها أن أتدخل بنفسي أو لأنها تريد أن تُشعرني بكمِّ معاناتها مع الأولاد، وطبعًا هذا الأسلوب يأتي بنتيجةٍ عكسية، فأنا أعتبر أن فترةَ الساعة أو الساعتين التي أمضيها مع الأبناء كل يوم أو ربما كل يومين، يجب أن تكون وقت هدوء وصداقة، وليس وقت أوامر وعقاب، فتكون النتيجة أنني أصرخ في زوجتي.

 

أما فاطمة غنيم- مهندسة- فهي لا تصرخ في أحد أبدًا رغم أنَّ لديها أربعة أبناء، ولكن رغم هذا تصرخ أحيانًا لتنقذ أحد الأولاد من كارثة، أو لأنه تعدَّى حدوده في أحدِ الأمور وترى أنَّ الأمهات اللاتي يصرخن معذورات؛ لأنَّ الأعباءَ كثيرة، والواجبات المدرسية منهكة، كما أنَّ فرصَ الترفيه والتهدئة أصبحت قليلة وفي أوقاتٍ ضيقة.

 

الصبر

وتحكي هدى عبد السلام- محاسبة- تجربتها مع ابنتها فتقول: كنت أصرخ كثيرًا في أبنائي، ونادرًا ما أطلب منهم شيئًا دون صراخٍ حتى حدث موقفٌ من ابنتي جعلني أراجع نفسي، فقد كانت ابنتي في زيارةٍ لجارتي واسمها منى، وهي هادئة دائمًا مع أبنائها وصوتها لا يعلو مهما حدث، وعندما عادت ابنتي صرختُ فيها كعادتي لتنجز لي أحد الطلبات، فاتجهت الفتاة إلى ركن الغرفة وجلست تبكي وسمعتها تُحدث نفسها وتقول: "يا ريت طنط منى كانت ماما".. لقد اخترقت كلماتها قلبي، وشعرتُ بخطئي في تربية أبنائي، لقد عزمت منذ هذا الموقف على تغيير أسلوبي مع أبنائي ونجحتُ والحمد لله، وأذكر قول الرسول- صلى الله عليه وسلم: "إنما الصبر بالتصبر، وإنما الحلم بالتحلم" لقد أصبحت أنزعج من الأصوات المرتفعة، ولا أحتمل أن أرى أمًّا تصرخ في أبنائها، أو أبًا يصرخُ في زوجته أو أبنائه.

 

لا تغضب

وتُعلق د. سعيدة أبو سوسو- أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر- قائلةً: إن حالةَ الصراخ التي نعيش فيها ناتجة عن صراعاتٍ نفسيةٍ وعدم اتزان انفعالي، فالضغوط تؤثر بالتأكيد على سلوكنا وقدراتنا على ضبط انفعالاتنا؛ لا أُنكر أن بعض الناس يكون صوتها مرتفعًا بصورة اعتيادية لأنهم اعتادوا منذ الصغر على الكلام بصوتٍ مرتفع، ولكن هناك جوانب اجتماعية تؤدي إلى إثارةِ الأعصاب، وبالتالي الصراخ، فالمساومات التجارية وشعور المشترين بعدم الثقة في التجارِ يؤدي إلى ارتفاع الأصوات، وعدم الأمان وعدم الأمانة، فالجزار يريد أن يذبحك، والسائق يستغلك، فشيء طبيعي أن تكون النتيجة صراعات تتسم بالصراخ.

 

وتضيف: هناك مفهوم خاطئ مؤداه أنني كلما ارتفع صوتي استطعت إثبات قوتي وقدرتي على السيطرةِ على مَن أمامي، وهذا خطأٌ كبير، فغالبًا ما يكون هذا الشخص مصدر سخرية من الآخرين، ولا ننسى قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد مَن يملك نفسه عند الغضب"، وعندما طلب منه أحد الصحابة أن يُوصيه قال له- صلى الله عليه وسلم- "لا تغضب" وأعادها ثلاثًا.

 

أضرار الصراخ

وتستطرد د. سعيدة أبوسوسو: يجب ألا ننسى تأثير هذا الصراخ على كل أعضاء الجسم؛ حيث يؤثر على الجهاز العصبي،، ويؤدي الى تقلصاتٍ في البطن، وآلام في الحنجرة، وخلل في نسب الأدرينالين في الدم، واضطراب في ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، والتشنج العضلي، وبهذا نجد أنَّ الصراخَ يُؤثر على الحالِ الصحية والنفسية، فالإحباط والاكتئاب والقلق والتوتر كلها من أمراض العصر والتي يُسهم الصراخ في زيادةِ انتشارها سواء ممن يصرخ أو مَن يوجه إليه الصراخ.

 

وتنبهنا إلى أنَّ اختلال مواعيد النوم وقلة ساعاته نتيجة انتشار وسائل الترفية، أدَّت إلى سهر الكثير ساعات طويلة ليلاً، وهذا الشخص الذي لم ينم ليلاً، أو لم يسترح ساعات كافية يكون شخص سهل الاستثارة، ولذلك تنصح بتنظيم مواعيد النوم، والنوم ساعات كافية.

 

النفسية الانتقامية

وتلقي د. سهير عبد المنعم- مركز البحوث الاجتماعية والجنائية- الضوء على أسباب الظاهرة فتقول: إنَّ المتغيرات الجديدة التي دخلت حياتنا جعلتنا مجتمعًا يميل إلى العنف، فهي سريعة ومتلاحقه والضغوط الاقتصادية عالية، كما أنَّ التساندَ والتضافرَ الذي كان معروفًا عن المجتمع المصري في السابق لم يعد موجودًا؛ بل على العكس أصبح الناس يتعاملون بنفسية انتقامية.

 

وتؤكد أن الانفتاح السياسي الذي حدث في الشهور الأخيرة أحدث حالةً من الانتعاش والأمل لدى المواطنين، فالأمل في المستقبل هو مفتاح الحل، أما الإحباط فيتحول في هذه الحالة إلى عنف.

 

الإعلام الهادف

وترى الداعية كريمة عبد الغني أنَّ الغضبَ أوله جنون وآخره ندم، وتقول: علينا أن نتأمل وجوه الأطفال عند الصراخ لنعلم أي نوعٍ من الضرر والإيذاء يحدث في نفسياتهم، وقد تظل بصماته وقتًا طويلاً.

 

وتعتبر كريمة أنَّ الإعلام الهادف يجب أن يقوم بدورٍ توجيهي ومحاربة هذه العيوب والمشكلات ولو بتخصيص أسبوع أو شهر لمحاربة الغضب أو الصراخ وإطلاق إعلانات ورموز تذكيرية للمساهمة في إعادةِ بناءِ المجتمع.