نشرت مجلة "إيكونوميست" تقريرا عن عهد عبد الفتاح السيسي، حيث أصبحت مصر في ظله ديكتاتورية العسكر بفارق وحيد وهو أن السيسي تنقصه لمسة جمال عبد الناصر والحكم الاستبدادي الجديد في مصر لا أيديولوجية له.
وقالت إن المصريين أحيانا يطلقون على بلدهم اسم "أم الدنيا" ولم ينقص مصر أبدا الهوية، فأبناء النيل هم ورثة أقدم الحضارات، وبلدهم هو أكثر البلدان العربية تعدادا للسكان وهو جسر بين قلب الشرق والمغرب في الغرب.
ولهذا السبب كانت مصر مهمة في النظام العربي لما بعد الحرب العالمية الثانية. وكان جمال عبد الناصر الرئيس الثوري الثاني لمصر شخصية جذابة وصوت القومية العربية. وولدت حركة الإخوان المسلمين في مصر وكذا الجامعة العربية وبدأت الحرب ضد الكيان الصهيوني من هنا. وبدأت لتنتهي هنا عندما وقع خليفة ناصر، أنور السادات اتفاقية سلام مع الكيان في عام 1979 لعبت دورا مهما في مقتله.
لكن قراره هذا مع جهوده لتحرير الاقتصاد والتوجه نحو أمريكا عبرت عن تحول أيديولوجي من سياسات الدولة والميل نحو الاتحاد السوفيتي التي طبعت سنوات ناصر.
وتخلت مصر عن مكانتها أثناء دكتاتورية حسني مبارك الذي حكم 30 عاما، حيث لم تعبر عن طموح أبعد من محاولة الحفاظ على نفسها. ولو أنجز مبارك شيئا فهو تفكيكه لإرث سلفيه، حيث تحول جيش الدولة إلى دولة بوليسية، ورغم مركز مبارك في الجيش قبل توليه السلطة إلا أنه اعتمد على الأجهزة الأمنية لتأمين حكمه. واستبدلت باشتراكية ناصر وانفتاح السادات رأسمالية المحسوبية التي لم يقف أمامها أي رادع. بالإضافة للفساد ومحاولات توريث السلطة لابنه. وهناك إمكانية للمقارنة بين السيسي وسلفه الجذاب، الرجل العسكري الذي قاد انقلابا وسحق الإخوان المسلمين. ولكن على خلاف ناصر، لا أيديولوجية لديه. لكن ما يميز معتقداته هو إيمانه بالجيش وعدم ثقته بالمدنيين، ولكنه لم يعبر عن رغبة بالقيادة الإقليمية، وعوضا عن ذلك فعنده حس ضيق بمصالح مصر وأولوياته الخاصة.
وبسكان يزيد عددهم عن 102 مليون نسمة تبدو مصر عصية على الحكم، وهي أسرع الدول نموا في العالم من ناحية عدد السكان. وتضاعف عدد سكان مصر منذ 1987 ورغم محاولات تخفيف معدلات الولادة ( وهي اليوم 3.3 طفل لكل امرأة، وأقل من 5 أطفال في الثمانينات) تتوقع الأمم المتحدة زيادة عدد السكان إلى 160 مليون نسمة بحلول عام 2050. وسيحشر هؤلاء الناس في بلد واسع لكنه غير قابل للعيش. وتعيش نسبة 95% من سكان مصر على 5% من أراضيه. وفشلت جهود بناء مدن في الصحراء. وتتحدث الحكومة عن معدلات النمو القوية بالنسبة للناتج المحلي العام، 5.3% عام 2018 و 5.6% عام 2019 بل وفي عز أزمة كوفيد-19 وصلت معدلات نمو الناتج المحلي العام إلى 3.6%، لكن هذه الأرقام الوردية لا تقدم كل القصة. وبحسب طارق الملا، وزير النفط المصري، أن قطاع النفط والغاز المزدهر يسهم بنسبة 24% من الناتج المحلي العام. وهذا جيد للخزينة لكنه لا يقدم إلا القليل لتوفير الوظائف للعاطلين عن العمل الذين تصل نسبتهم 10% من السكان و 26% بين الشباب.
وبنهاية عام 2020 وصلت نسبة 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر أي 857 جنيها في الشهر.
وما يزيد القلق هي سيطرة الجيش على الاقتصاد. ومن الصعب تقدير قيمة إمبراطوريته بالدولار لأن حساباته ليست خاضعة للتدقيق. ولو أخذنا مثالا واحدا، قطاع الأسمنت الذي سيطر عليه وغمر الأسواق بكميات زائدة من الأسمنت بشكل دفع الشركات الخاصة للإفلاس.
ويدير الجيش أكبر مصنع للأسمدة في البلاد وأكبر مزرعة تربية أسماك بالمنطقة، وهما مشروعان افتتحهما السيسي شخصيا.
وتقول المجلة إن بعض المشاريع المحمومة تساعد، فقد ساعدت بعض الطرق على تخفيف جد الاختناق المروري الجهنمي في القاهرة. ولكن بعض المصريين يرون أن هناك دوافع ذاتية: فقد تمت إعادة تشكيل فضاء القاهرة لتحقيق أهداف النظام الدكتاتوري. فالشوارع المشجرة تعتبر مساحات جذابة للمحتجين، وكذا الساحات التي تجذب المارة. بل ومشروع العاصمة الجديدة هو محاولة لفصل الحكومة عن الشعب. ومثل الكثير من الأنظمة العربية فيما بعد الحرب، يقوم الجيش بفرض الأمن الداخلي عبر تجنيد أكبر عدد من الناس. ويعتقد أن عدد موظفي أجهزة الأمن هو 100.000 موظف أي 3 أضعاف عدد من يوظفهم مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي أي) هذا بالإضافة لشبكة مخبرين يصل عددهم الملايين. ولو عشت في القاهرة زمن مبارك فرهانك صحيح على بواب العمارة وأنه واحد من المخبرين. لكن هذه الشبكة لم تكن كافية لكي يكون النظام موجودا في كل مكان وفي الأوقات. لهذا تقوم حكومة السيسي ببناء نظام استبدادي حديث وواسع. فقانون عام 2018 يقضي بمشاركة شركات استئجار السيارات عبر التطبيقات الهاتفية بالبيانات التي تحصل عليها من المستخدمين مع الحكومة. وبعد عام وقعت الحكومة على عقد مع شركة “هانيويل” الأمريكية لتركيب 600 كاميرا في كل شوارع العاصمة الجديدة مرتبطة بمركز قيادة يديره الجيش.
وعبر المسئولون المصريون عن إعجابهم بالصين وقدرتها على تحقيق النمو والتنمية والحفاظ على السلطة في الوقت نفسه. وأعلن السيسي عن حملة أطلق عليها "اثنين كفاية" في ترداد للسياسة التي تخلت عنها الصين والتي منعت إنجاب أكثر من طفلين للعائلة. والصورة تشي بحكومة تتطلع لأن تكون مثل الصين من خلال مشاريع عدة توجهها الدولة وسيطرة كاملة على السكان.
وكان السيسي سعيدا بالابتعاد عن شركائه بالمنطقة، فقد رفض إرسال قوات لدعم الحملة السعودية في اليمن. وهو قرار مفهوم نظرا للحرب المدمرة التي خاضها الجيش المصري في هذا البلد. مع أن قراره خيب آمال حلفائه في الخليج الذين أنفقوا المليارات لدعمه بعد الانقلاب. وابتعد عن الإجماع العربي بشأن سورية وسمح للأسد بإعادة فتح سفارته في القاهرة عام 2013، ودعم لاحقا التدخل الروسي الذي أنقذ الدكتاتور السوري.