تواجه الصحف الرقمية (المواقع الإخبارية) في مصر صعوبات كبرى في التأسيس، بسبب جملة القوانين المنظمة للإعلام الرقمي، التي وضعت العراقيل أمام الإعلام الرقمي بشكل عام، والمواقع الإخبارية بشكل خاص، لتضاف هذه العراقيل إلى التوسع غير المسبوق في حجب مئات المواقع الإلكترونية ومنها عشرات المواقع الصحفية.
ويعد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الجهة الأبرز في وضع العراقيل أمام الإعلام الرقمي، والذي نص قانون تنظيم الصحافة والإعلام على تشكيله. وتعصف صلاحيات قائد الانقلاب في تشكيله باستقلالية المجلس عن السلطة التنفيذية. .
رصدت "مؤسسة حرية الفكر والتعبير" بعض العراقيل والمعوقات التي تواجه إصدار وتأسيس الصحف الرقمية في مصر، وأولها معضلة الحصول على التراخيص، إذ "لا يجوز تأسيس مواقع إلكترونية فى جمهورية مصر العربية، أو إدارتها، أو إدارة مكاتب أو فروع لمواقع إلكترونية تعمل من خارج الجمهورية، إلا بعد الحصول على ترخيصٍ بذلك من المجلس وفق الضوابط والشروط التي يضعها فى هذا الشأن. ومع عدم الإخلال بالعقوبات الجنائية المقررة، للمجلس الأعلى فى حالة مخالفة أحكام الفقرة السابقة اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك إلغاء الترخيص، أو وقف نشاط الموقع أو حجبه فى حالة عدم الحصول على ترخيص سارٍ. ولذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري، طبقًا لنص المادة 6 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018".
كما أن وضع "أكواد" أخلاقية (مبادئ في مدونة سلوكية) شكلت عراقيل إضافية أمام تأسيس الصحف الرقمية، إذ يتحمل الموقع الإلكتروني المُرخص له المسئولية القانونية عن أي خطأ في ممارسة نشاطه، أو مُخالفة القيم أو المعايير أو الأعراف المكتوبة (الأكواد)، الصادرة عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تحت مسمى "لائحة الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام المؤسسات الصحافية والمؤسسات الإعلامية أصول المهنة وأخلاقياتها والحفاظ على حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بمحتواها، والقواعد والمعايير المهنية الضابطة للأداء الصحافي والإعلامي والإعلاني، والأعراف المكتوبة".
وهناك سبعة "أكواد" أخلاقية، تدور جميعها حول مصطلحات مبهمة للآداب العامة والنظام العام، فضلًا عن الحفاظ على الأعراف والتقاليد المجتمعية، والتي لا بد من تنفيذها من قبل المواقع الإلكترونية حتى تتمكن من ممارسة عملها وتتجنب سحب الترخيص. هذه "الأكواد" الأخلاقية تُمكِّن المجلس الأعلى للإعلام من استخدام سلطاته التقديرية الواسعة في رفض منح تراخيص لمواقع بعينها، أو تأخير ذلك لأجل غير مسمًّى، إذ تواجه الصحف الإلكترونية عقبات لتوفيق أوضاعها وفقًا للقانون الجديد. فعلى سبيل المثال، أعلن موقع "مصر العربية" الاحتجاب بسبب صعوبة الحصول على ترخيص.
إلى جانب تلك العراقيل، يأتي التوسع في تقنين حجب المواقع سبباً رئيسياً في تقييد حرية الإعلام الرقمي. وينص قانون تنظيم الاتصالات المصري في المادة 67 منه على إمكانية إخضاع شبكات الاتصالات لصالح السلطات المختصة في الدولة، وبالتالي، إمكانية مطالبتها بحجب المواقع دون أي قيد. ويعد نص المادة (49) من قانون مكافحة الإرهاب أول سند قانوني واضح وموجه تجاه حجب المواقع، حيث جاء فيه: "للنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة وقف المواقع المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 29 من هذا القانون أو حجبها أو حجب ما يتضمنه أي وجه من أوجه الاستخدام المنصوص عليها في هذه المادة والتحفظ على الأجهزة والمعدات المستخدمة في الجريمة". وينقص هذا النص توضيح الخطوات الإجرائية المتبعة في ما يتعلق بحجب المواقع. ولكن على أي حال، تم الاستناد إلى هذه المادة في قرار قاضي التنفيذ ولجنة حصر أموال جماعة الإخوان المسلمين بحجب ما يزيد على 16 موقعًا تابعة للجماعة في عام 2016، وهي المواقع التي تم الاعتراف رسميًّا من قبل السلطات المصرية بحجبها.
وقد جاء في التقرير السنوي الثالث للمجلس الأعلى للإعلام قرار بحجب 212 حسابًا على "فيسبوك" و10 حسابات على تويتر و5 حسابات على إنستجرام، وهو ما يجعل من المجلس الأعلى للإعلام جهة مسئولة عن فرض رقابة جماعية على الإنترنت. ولكل ذلك دلالات على اتساع صلاحيات فرض الرقابة على الإنترنت في إطار توزيع حجب المواقع على العديد من الجهات بين النيابة العامة جهة التحقيق المختصة، وجهات التحري والضبط (الشرطة)، فضلًا عن المجلس الأعلى للإعلام مع الوجود الدائم للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات كحلقة وصل بين الجهات السابق ذكرها وشركات الاتصالات لإبلاغهم بحجب المواقع.
وتوصلت مؤسسة "حرية الفكر والتعبير" إلى أنه بالإضافة إلى أن فرض عقوبات وغرامات مالية على المستخدمين من جهة، وعلى شركات الاتصالات من جهة أخرى، يحكم الخناق على المستخدمين في إمكانية التعبير عن آرائهم في المنفذ الوحيد المتبقي لهم. كما يؤثر ذلك على إمكانية وجود واستمرارية إعلام رقمي مستقل وقادر على العمل في مناخ يسمح بالتعددية وحرية التعبير. وما له من تأثير سلبي على حرية الإعلام الرقمي، وإمكانية العمل، ففي خلال السنوات الأخيرة، أغلقت خمسة مواقع صحافية على الأقل.
تجدر الإشارة إلى أن العقوبات المنصوص عليها في القوانين السابق ذكرها (قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بشكل خاص) هي عقوبات حسب الآلية المستخدمة لارتكاب الجريمة، فالمعيار هنا هو الوسيط المستخدم -الإنترنت- وليس الجريمة نفسها.