بقلم: د. رشاد لاشين
يأتي يوم الطفولة في ظل عالمٍ يموج بالأحداث والمتغيرات التي تطال الأطفال من هنا وهناك.. فأحباب الله لا يليق بهم سوى الرحمة والرفق واللين والحب والحنان والمرح واللعب والسعادة؛ ويأتينا يوم الطفولة فنجد أطفالاً في وسط القصور وأطفالاً في الطل والمخيمات؛ أطفالاً في وسط الضحك واللعب والنغمات وأطفالاً في وسط النار والقتل والآهات؛ أطفالاً في حضن الأب سعداء وفرحين وأطفالاً يعانون اليتم والحرمان من أب حنون.. فهيا نقف وقفات في عيد الطفولة مع هذه العناوين:
أهمية الأطفال في حاضرنا ومستقبلنا
(الأطفال أحباب الله)، وهم جزء من حاضر الأمة وكل مستقبلها بإذن الله تعالى، فأطفال اليوم هم رجال الغد وهم صانعو حضارة أمتهم وحاملو رايتها ومقررو مصيرها ويبلغ متوسط عدد أطفال العالم الذي تقل أعمارهم عن 15 عامًا 36% وإذا كانت أقل نسبة لهم في (أوروبا وأمريكا الشمالية): حيث تبلغ 27% فإن أكبر نسبة للأطفال في العالم موجودة في وطننا العربي؛ حيث تبلغ نسبة الأطفال في الوطن العربي وحده 67 مليونًا تقريبًا أي ما يقارب 45% من عدد السكان وهي نسبة كبيرة تستدعي بذل الجهود والطاقات ورسم الخطط وتقديم المشروعات التي تنهض بأطفالنا حتى تنهض أمتنا من جديد.
الطفولة بين تآمر الأعداء وغفلة الآباء
وإذا كانت الطفولة بهذه الأهمية وتعدادهم بهذه الضخامة فإن الواقع يشهد أن الجهد المبذول والعناية المقدمة أقل كثيرًا مما ينبغي ليس هذا فحسب بل تلقى الطفولة عنتًا ومؤامرات وخططًا لتدميرها والقضاء عليها:
- ديار محتلة وآباء قتلى وأطفال تيتموا.. فلكم الله يا أطفال أمتنا: لكم الله يا أطفال فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان يتآمر عليكم مجرمون كبار يقتلون الآباء ويجرونكم إلى آلام اليتم ولوعة الفقد والحرمان.
- لكم الله يا أطفال أمتنا في كل مكان: يتآمر عليكم مجرمو الإعلام ليجروكم إلى الانحراف والفساد وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾.
- مساكين أيها الأطفال بقلة الإمكانيات وضعف القدرات وجهل الآباء وفساد التعليم وإجرام الإعلام.
- يتآمر أعداء الإسلام الآن لضياع الطفولة وإضلالها وانحرافها عن الصراط المستقيم وجرفها في تيار المادية والشهوات وبالتالي تخلفها العلمي وبعدها عن التفوق وصناعة النهضة والريادة العلمية والحضارية والتقدم لبلادهم وأمتهم.
- وإذا كانت الأسرة هي أعظم وأهم كيان في أمتنا الإسلامية فإن هناك ضغوطًا على حكوماتنا لتمرير تشريعات تجرِّئ المرأة على زوجها وتفقد الرجل قوامة الأسرة وقيادة دفة السفينة، وبالتالي هدم العش وضياع الأسرة التي هي صمام نجاح الأمة وهي المحضن التربوي الذي يصيغ الأفراد ويبث فيهم القيم والمبادئ ويعصم من الخلل والزلل وهي الجامعة العظمى التي تخرج المسلم المتمسك بدينه الحريص على رسالته.
- ومن المؤامرات التي يسعون إليها ليفلتوا الطفل من زمام أسرته ما يُسمَّى بالخط الساخن بدعوى حماية الطفل من عنف والديه، وهذا العنف ستار لرفض كل القيم والمبادئ ولتيسير الانحراف والرذيلة فإذا باتت البنت خارج بيتها وجاء والدها ليحاسبها فلها الحق أن تتصل بالخط الساخن لحماية نفسها من عنفِ الوالد وإذا فعلت كذا أو كذا وحاول الوالد تقويم سلوكها استنجدت بالخط الساخن.. وهكذا هذه هي وظائف الخط الساخن الذي يمهدون له في بلادنا.. هي دعوة للرذيلة بكل معانيها وتيسير لكل أسبابها هي تضييع للدين والشريعة والأخلاق والقيم والآداب هي فتح لأبواب جهنم وإطلاق لأيدي الشياطين وهدم لأعظم صرحٍ في أمة الإسلام وهو الأسرة.
أطفال أيتام في حياة آبائهم وأمهاتهم
هناك كثير من الأطفال يعانون اليتم في حياة آبائهم وأمهاتهم؛ وذلك لانشغالهم عنهم وتضييعهم إياهم وغيابهم عن مسرح الرعاية والعناية والتربية
ليس اليتيم من انتهى أبواه من همِّ الحياة وخلفاه ذليلاً
إن اليتيـم هو الذي تلقـى له أمًا تخلت أو أبـــًا مشغولاً
* مَن لهؤلاء الأطفال المساكين يعلمهم ويربيهم ويأخذ بأيديهم إلى الله تعالى ويغرس فيهم القيم الصالحة والمبادئ النبيلة والأخلاقيات الرائعة ويدفعهم إلى النجاح ويحميهم من الفشل والضياع ويدخل عليهم السرور ويرسم البسمة على الشفاه.
* مَن لهؤلاء الأطفال المساكين الذين فقدوا الرعاية التربوية والتنمية البشرية وغاب الأب عن مسرح الإنسانيات ورعاية العقول والنفوس وهو الأصل والأساس، وقام فقط بدور الصرَّاف الذي يُوفِّر المال ويبني الأجساد ويُوفِّر الملابسَ والأطعمةَ ويفاخر بما يرتدي أبناؤه من أزياء.
خير مَن رعى الطفولة واحتفى بها
وإذا أردنا أن ننهض بأطفالنا من جديد فما علينا إلا أن نتبع خير نهجٍ وخير رسالة ونقتدي بخير رسول سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- فمن عظمته- صلى الله عليه وسلم- مع الأطفال أن رحمته ورعايته إياهم تشمل الأطفال جميعًا، فهي تشمل أطفالاً غير المسلمين كما تشمل أطفال المسلمين، وتشمل الإناث كما تشمل الذكور، وتشمل المرضى كما تشمل الأصحاء، وتشمل أطفال المجتمع العام كما تشمل أطفالاً ذوي القربى؛ وتشمل الموهوبين كما تشمل ذوي الاحتياجات الخاصة، فالطفولة في منهجه- صلى الله عليه وسلم- لها وضع خاص ومكانة مميزة عن غيرها فهو صلى الله عليه وسلم مع الأطفال: روعة في الحب والحنان والاحترام والتقدير وروعة في الرحمة واللطف والعطف وإشباع الرغبات وروعة في التعامل مع المراحل السنية المختلفة بما يناسبها؛ وروعة في اكتشاف المواهب وتنميتها وتوظيفها، روعة في التعامل مع الفروق الفردية وتقديم التعامل المناسب ووضع كل فرد في مكانه المناسب، روعة في التعامل مع مشاكل الأطفال دونما غلظة ولا غضب وروعة في الرعاية الصحية والجسدية، وروعة في التعامل مع الطفل في أفراحه وأتراحه، روعة في إذكاء روح التنافس الشريف وصناعة النجاح؛ وروعة في إدخال السرور وتوفير الترويح واللعب والمرح الذي يعتبر ضروريًّا لكل طفل.. روعة في إيجاد مكان ومكانة للأطفال في كل أنشطة المجتمع، روعة في.... وروعة في....
الإمام حسن البنا ورعاية الطفولة
ونحن في ظل الاحتفال بالمئوية الأولى لميلاد مجدد الإسلام في القرن الماضي الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله لا ننسى جهوده الكبيرة لرعاية الطفولة؛ فلقد اهتم الإمام البنا بالطفولة اهتمامًا بالغًا منذ بدء سعيه لإحياء الأمة الإسلامية وله نظرة دقيقة وواعية لتربية النشء قدمها في محاضرة له بجمعية الشبان المسلمين عام 1927م، أي قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بعام، وهذا يدل على المقدار الكبير الذي تشغله الطفولة ورعايتها في ذهن الإمام البنا كمجددٍ للأمة.
رؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين النظرية والتطبيق وتقديم البرامج العملية التي نحن والعالم في أمس الحاجة إليها.. طفولة حسن البنا كانت طفولة رائعة ومتميزة ونموذجًا يحتذى.
هذه الرؤية الرائعة غطت جميع الجوانب اللازمة لرعاية الطفولة وقدمت منهجًا عمليًّا شافيًا لمحاور العملية التربوية الأربعة: (المنهج- المناخ- المُربِّي- المُربَّى).
ثم على مستوى التطبيق قدَّم نماذج عظيمة، ففي بداية الدعوة بالإسماعيلية أنشأ (معهد حراء): وهو أول مدرسة بناها الإخوان المسلمون بالإسماعيلية، وكان مقرها فوق مسجد جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وقام الإمام الشهيد بوضع مناهج تلك المدارس، وَفْق أحدث طرق التعليم في العالم والتي استقاها الإمام الشهيد من مدارس بستالوزي في بيتهوفن واستانزديرجدروف وفرويل في مدرسة جريسم وكليهم وطرق هربارت وينتسوري في صناعة التعليم، ولكنه وضع كل ذلك بما يتناسب مع الرؤية والآمال الإسلامية.
ثم بعد ذلك أنشأ قسم الأشبال لرعاية أطفال الأمة، وكان في البداية اسمه مدارس الجمعة، وهو نشاط أهلي تطوعي يقوم على رعاية الأطفال في جميع أماكن وجودهم في الميادين المختلفة مثل: (المسجد- المدرسة- الشارع- الكتاب- النوادي ومركز الشباب- المكتبات العامة- نوادي العلوم- الكشافة).
ويهدف قسم الأشبال إلى: نشر الفهم الصحيح للإسلام وسط الأطفال وحسن تربيتهم على مبادئ الإسلام وحماية الطفل من المخططات التي تُحاك ضده وغرس القيم المطلوبة لنهضة الأمة من تخلفها وتدهورها الحضاري مثل: الحرص على الوقت، والتفوق العلمي، وروح الفريق، والجد في العمل، والإتقان، والنظام، والنظافة، والانتماء للوطن، والعفة؛ كما يحرص على اكتشافِ المواهب وتنميتها ورعايتها.
كما نجح الإمام البنا في تطبيقاته التربوية العملية في حسن تربيته ورعايته لأبنائه وإخوته وخدمه وأطفال الشارع وأصدقاء الأبناء على مستوى الممارسة المباشرة التي تعتبر نموذجًا رائعًا يستحق الدراسة.
وقد قام الإمام البنا كذلك بإعداد المربين على أعلى مستوى ووفَّر البرامج التربوية وكذلك عمل على إيجاد مناخ تربوي ينشأ فيه الشبل ويترعرع في ظل رعاية إسلامية تليق بخير أمةٍ أُخرجت للناس، وكان يهتم بالرعاية الصحية والكشف الصحي الدوري، ودعا الإمام الشهيد إلى حسن إعداد الأمهات وحسن تربيتهن على رعايةِ الطفولة بطريقةٍ علميةٍ صحيحة، ونادى بتدريس رعاية الطفولة وإعداد الأمومة في المدارس على كل بنتٍ مهما كان تخصصها وهي نظرة عظيمة ما زلنا وما زال العالم معنا يفتقدها حتى اليوم.
ماذا علينا لأطفالنا
قال رسول الله: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته.. والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم".
لذا فواجبات الطفولة علينا كثيرة ومتنوعة ويأتي على رأسها:
- أن نتعلم رعاية أطفالنا بشكلٍ صحيح.
- أن نأخذ بأيديهم إلى الله تعالى وأن نعمل على وقايتهم من النار.
- أن نُوفِّر بيئة طيبة يترعرع فيها أطفالنا ويتربون في أحضان الفضائل والقيم.
- أن نُوفِّر لهم اللعب المناسبة والترفيه اللازم والمرح المطلوب ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ.. ﴾.
- أن نحميهم من الأخطار والمؤامرات التي تحاك ضدهم.
- أن نعلمهم القرآن الكريم وأن نوفر الكتاتيب ومدارس تعليم القرآن الكريم.
- أن نُوفِّر لهم التعليم المناسب وأن نعمل على اكتشاف مواهبهم وتنميتها وتوظيفها.
- أن نُعد المربين الناجحين ونختار الأيادي الطيبة المتوضئة التي ترعى أطفالنا.
- أن نلبي احتياجات الطفولة وأن نغدق عليهم من الحنان والحب والرفق واللين والتقدير والشعور بالأمن و..... و.....
- أن نُوفِّر إعلامًا مناسبًا نظيفًا يُربِّي على قيم النهضة والرقي والتقدم بعيدًا عن مستنقعات الفتن والرذائل.
- أن نُجيد التعامل مع المراحل السنية ونتعرف على احتياجاتِ ومشاكل كل مرحلةٍ وكيفية حلها بالشكل المناسب.
- أن نختار أفضل المناهج ونحب أن ننوه إلى منهج (الرشاد) في تربية الأبناء، وهو منهجٌ رائع ومتميز قام على إعداده نخبة من العلماء والمتخصصين، وهوعبارة عن كتاب لكل سنةٍ دراسية يحوي معلومات ومهارات متنوعة فيا حبذا أن نحرص عليه.
- أن نساعدهم على اختيار أصدقائهم من الصالحين الناجحين.
وإننا لنتمنى أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه الجميع من رعاية الطفولة حق رعايتها، وأن نؤتي الطفولة حقَّها وأن ننتج الطفولة المتميزة التي تنهض بأمتنا من جديد وتمسح عنها الذل والعار والتخلف والضياع وترتقي بها إلى المكانة اللائقة بخير أمة أخرجت للناس، وهذا يتطلب منا بذل الجهود ورفع الهمم وتقديم الطاقات والإمكانات، وساعتها سنرى البسمة على كل الشفاه ويكون عيد الطفولة عيدًا حقيقيًّا، فاللهم افتح لنا الأبواب ويسر لنا الأسباب.. اللهم آمين.