لليوم السادس على التوالي، لا تزال حركة الملاحة بقناة السويس معطلة بعد أن جنحت سفينة الحاويات "إيفر جيفين"، التي يبلغ طولها 400 متر، وأغلقت المجرى المائي، بينما تتواصل جهود السلطات لإخراجها، في ظل تأثر حركة التجارة العالمية بهذا الحادث.

ولم تفلح جهود تعويم السفينة، باستخدام قاطرات وجرافات بدت صغيرة جدا مقارنة بحجم الناقلة، التي تسبب جنوحها في توقف الملاحة، وتكدس السفن.

وتوقعت وكالة "موديز"، تأثير توقف الممر التجاري في قناة السويس على ما بين 10% و15% من إجمالي نشاط مناولة الحاويات عالميا طوال فترة التعطل.

وفي ظل توقعات أوردتها وكالة "بلومبرج" الأمريكية بأن تستمر جهود تعويم "إيفر جيفين" حتى يوم الأربعاء المقبل على الأقل، تصاعدت المؤشرات على تأثر سلبي سيعانيه نظام الانقلاب بقيادة عبدالفتاح السيسي على المستوى الدولي، فضلا عن تراجع لمكانة قناة السويس لصالح ممرات بحرية بديلة.

مكانة مهددة

فحماية السفن المكتظة جراء انسداد القناة أمر حيوي بسبب تهديدات الأمن البحري، إذ ترسل مثل هذه التأخيرات إشارات إلى أن هذه السفن مهيأة للهجوم أو لأعمال القرصنة؛ ما يلهم بعض الجماعات للاستفادة من الموقف.

ومع احتمال اضطرار السفن إلى تحويل مسارها حول الطرف الجنوبي لأفريقيا، تصبح القرصنة تهديدًا مرجحا في خليج غينيا، حسبما يرى المحلل السياسي "ثيودور كاراسيك"، الذي دعا الدول الواقعة على ساحل الخليج إلى تبني حالة تأهب قصوى خلال الأيام المقبلة في حال استمرار أزمة قناة السويس، وفقا لما أورده "أوراسيا ريفيو".

وإزاء ذلك، قال الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، يوم الجمعة الماضي، إن الولايات المتحدة تبحث كيفية المساعدة في أزمة السفينة الجانحة في قناة السويس، وفقا لما نقلته وكالة "رويترز"، كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها عرضت تقديم المساعدة لمصر لحل مشكلة السفينة العالقة.

لكن توقعات أخرى متشائمة، صدرت عن الخارجية الروسية، الخميس الماضي، رجحت أن يستغرق فتح قناة السويس أمام الملاحة "عدة أسابيع"، ما يعني تداعيات تجارية ضخمة على مستوى صناعة الشحن العالمية.

من هنا جاءت عروض المساعدة الإقليمية التي تلقتها القاهرة من تركيا واليونان وغيرها من الدول التي تريد كسب النقاط في أزمة القناة المصرية لصالح موقفها المستقبلي من ترسيم حدود البحر المتوسط مع مصر وبالتالي حقوق التنقيب عن النفط والغاز شرقي المنطقة.

وعزز من إضعاف صورة النظام الانقلابي ما أعلنته هيئة قناة السويس، يوم الجمعة الماضي، بشأن "تطلعها للتعاون مع الولايات المتحدة في جهود تعويم سفينة الحاويات الجانحة"، ما جاء بمثابة اعتراف رسمي بالاحتياج للعون الدولي وبأن الإمكانيات المصرية (المدنية والعسكرية) غير قادرة على تعديل وضع ناقلة الحاويات الجانحة.

ويبدو أن إعلان الهيئة جاء بعد تعرض نظام الانقلاب لضغوط هائلة من أجل إعادة استئناف الملاحة في القناة خلال أقرب وقت ممكن، أو المخاطرة بمستقبل حركة الشحن عبر مصر؛ لأن أسعار النفط الأرخص تجعل الرحلات الطويلة حول جنوبي القارة الأفريقية (عبر طريق رأس الرجاء الصالح) أكثر تكلفة.

ويقوض ذلك من مكانة القناة التي تبنى نظام الانقلاب أكبر عملية توسيع لها عبر تاريخها، بكلفة بلغت 8.5 مليار دولار، تحت اسم "قناة السويس الجديدة"، وهو المشروع الذي لم يسفر عن مضاعفة إيرادات القناة، كما أعلنت حكومة الانقلاب إبان تنفيذه، كما لم يسهم في حل جنوح الناقلات العملاقة، كما هو الحال الجاري.

ولذا ترى "ميشيل دن"، الخبيرة في الشأن المصري والمستشارة السابقة في شئون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية أن مصر "ستعاني من تغير أنماط التجارة العالمية" مستقبلا، وفقا لما أوردته "وول ستريت جورنال".

كفاءة ضعيفة

ويرتبط توقع "ميشيل" بالتقييم الدولي لمدى كفاءة النظام المصري في إدارة أزمة قناة السويس، خاصة بعدما قام الصحفيون الموالون لـ"السيسي" بتغذية الدعاية الرسمية في أول يومين من جنوح ناقلة الحاويات، زاعمين أن السفينة قد أعيد تعويمها، بالرغم أن صور الأقمار الاصطناعية تُظهر السفينة ثابتة في مكانها.

كما أخفى النظام الانقلابي في بداية الأزمة، الحقيقة حتى عن جهات الشحن الدولية، ونقلت شركة الشحن التابعة لـ"وكالة الخليج - مصر" آنذاك عن "هيئة قناة السويس" قولها إن "سفينة الحاويات التي تقطعت بها السبل في القناة لأكثر من يوم أعيد تعويمها جزئيًا وأنها تقف بجانب الضفة"، وأن الحركة ستستأنف قريبًا، وهو ما ثبت كذبه لاحقا، إذ أعلنت "هيئة قناة السويس" رسميًا تعليق الملاحة يوم الخميس الماضي.

واضطر رئيس هيئة القناة، الفريق "أسامة ربيع"، السبت، لإعلان أن 321 سفينة في وضع الانتظار منذ جنوح السفينة، مشددا على أن سوء الأحوال الجوية وسرعة الرياح ساهمت في أزمة السفينة لكنها ليست السبب، دون أن يقدم تفسيرا لجنوحها، كما أعلن "ربيع" أن الحكومة تدرس دفع تعويضات للسفن المتوقفة بالقناة منذ الثلاثاء الماضي.

وخلال الأزمة (حتى الآن)، لم يعلق "السيسي" علنا على إغلاق القناة، وظل بعيدا عن الأنظار إلى حد كبير، ما عزز من أزمة الصورة الدولية لنظامه، خاصة أن أزمة قناة السويس تأتي في أعقاب سلسلة من كوارث النقل الأخرى التي حدثت خلال رئاسته.

ففي عام 2015، أسقط تنظيم "الدولة الإسلامية" طائرة ركاب روسية فوق شبه جزيرة سيناء؛ ما أسفر عن مقتل 224 شخصا، وفي عام 2016، تحطمت طائرة تابعة لـ"شركة مصر للطيران" في البحر المتوسط؛ ما أسفر عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 66 شخصا.

كما أن كفاءة المعدات التي تستخدمها حكومة الانقلاب في محاولة سحب الناقلة الجانحة بقناة السويس وصغر حجمها كان مثار سخرية العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الحد الذي دفع رئيس وزراء السويد السابق "كارل بيلدت"، الذي يشغل حاليا منصب رئيس مجلس أوروبا المشارك لشؤون العلاقات الخارجية، لنشر صورة السفينة العالقة بالقناة وجرافة صغيرة بجوارها، معلقا: "أي شخص لديه حفارة إضافية متاحة؟".

وقد اعترف موالون للنظام الانقلابي بينهم الوزير السابق "أحمد درويش" بأن "المسئولين المصريين يحتاجون إلى تقديم انطباع بأنهم أكفاء وبإمكانهم تولي الأمر"، وفقا لما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال".

ويرى الكاتب الصحفي البريطاني "ديفيد هيرست" أن هذه التطورات تؤكد أن" تمرس حكومة السيسي في الكذب على شعبها كل يوم ينعكس في أوقات الأزمات على المجتمع الدولي أيضا"، وفقا لما أورده موقع "ميدل إيست آي".

وحذر "هيرست" من أن "ديكتاتورية (السيسي) لا تتعلق فقط بقضايا حقوق الإنسان وسيادة القانون"، بل بتهديد ممر مائي دولي رئيسي، مضيفا: "أصبح من المألوف الآن أن نسمع أن مصر دولة فاشلة استنزف الجيش مواردها ونهب اقتصادها وسط مستويات غير مسبوقة من الفقر الذي يعاني منه عشرات الملايين من الناس".

الممرات البديلة

الاحتمال الأكثر خطورة لهذه الأزمة يتمثل في تآكل مكانة قناة السويس لصالح مشاريع ممرات بحرية بديلة باتت مطروحة على الطاولة بالفعل، خاصة بعدما أدى انخفاض أسعار النفط إلى خفض تكلفة طريق الشحن حول الطرف الجنوبي للقارة الأفريقية، وفتح الاحترار العالمي إمكانية وجود طريق ملاحي آخر عبر البحر المتجمد الشمالي.

فروسيا انتهزت الفرصة للترويج لبديلها (الممر البحري الشمالي) عبر شركتها "روساتوم" التي تناولت، عبر تويتر، أزمة قناة السويس بطريقة ساخرة، ونشرت صورة متحركة لعربة عالقة في نفق ضيق تقودها شخصية من مسلسل "أوستن باورز"، ألصقت عليها صورة السفينة المملوكة لليابان، عارضة 3 أسباب "لاعتبار الممر البحري الشمالي بديلا حيويا لطريق قناة السويس".

أول الأسباب أن يكون ممر القطب الشمالي يوفر "مساحة أكبر بكثير لرسم صور متميزة عبر استخدام سفنكم العملاقة" بحسب نص التغريدة، والثاني أن "روساتوم باعتبارها مسئولة عن البنية التحتية للممر البحري الشمالي سترسل في حال علقت أي سفينة كاسحات جليد لمساعدتها"، أما السبب الثالث فهو أن "السفن قد تعلق في قناة السويس لأيام".

ويروج الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" منذ وقت طويل لهذا الطريق الملاحي على طول الساحل القطبي الروسي باعتباره منافسا لقناة السويس، وتخطط موسكو لاستخدامه في تصدير النفط والغاز إلى الأسواق الخارجية، خاصة أن معظمه بات خاليا من الجليد إلى حد كبير.

وفي السياق، يشير "هيرست" إلى أن صفقة التطبيع الإماراتية مع الكيان الصهيوني تنطوي على موجة من العقود والمشاريع، كل منها يشكل تهديدًا وجوديًا لقناة السويس، معتبرا أنه "لا يمكن إعطاء دفعة أكبر لإيجاد طرق تتجاوز القناة أكثر من طريقة رد الفعل المصري على حادثة بهذا الحجم".

ويعزز من ترجيح هذه الفرضية أن الدبلوماسي الصهيوني في قسم التخطيط السياسي بوزارة الخارجية الصهيونية "مايكل هراري" أفاد بأن بعض مشاريع الطاقة التي ستبرمها دولة الاحتلال مع دول خليجية ستكون على حساب القناة المصرية، خاصة ما يتعلق بالبدائل الممكنة لتصدير الطاقة من الخليج العربي إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، وذلك في مقابلة أجراها موقع "زمن إسرائيل".

ونقل الموقع ذاته عن مدير وزارة الطاقة الصهيونية "أودي أديري"، الذي زار الإمارات في يناير الماضي، قوله إن وكالة حماية البيئة الصهيونية وقعت في أكتوبر 2020 على مذكرة تفاهم لنقل النفط من الخليج إلى الكيان، وسينقل الخط البحري المنتجات النفطية من الإمارات إلى محطة EPA في إيلات، ومن هناك سيتدفق الوقود لمحطات الشركة في عسقلان، في طريقه لمختلف العملاء".

ومنذ قيام الكيان الصهيوني في 1948، لم ينقطع عن التفكير في بدائل لقناة السويس، التي تشكل إحدى أهم الممرات في العالم لنقل النفط إلى أوروبا، بدلا من دوران السفن حول أفريقيا، وهي ثاني أكبر مصدر للعملة الأجنبية لمصر بعد السياحة.

ووفقا لمجلة "فورين بوليسي"، فإن حركة التجارة في قناة السويس مرشحة للتناقص بأكثر من 17%، مع تشغيل أنبوب ينقل النفط من ميناء إيلات على البحر الأحمر إلى مدينة عسقلان التي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بموجب اتفاق التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني.

وأشارت المجلة الأمريكية إلى أن قناة السويس المصرية ستكون الخاسر الأكبر من الاتفاق الإماراتي مع الصهاينة وما يرشح إبرامه من اتفاقيات تطبيع خليجية أخرى مع كيان الاحتلال.