ما زالت تتواصل ردود الفعل العالمية الرافضة للإساءة للنبي الكريم والمطالبة باعتذار فرنسا، إذ انتقد مجلس علماء الدين في أفغانستان مواقف فرنسا وتصريحات رئيسها، إيمانويل ماكرون، المناهضة للإسلام.
وقال نائب رئيس المجلس، شيخ سلطان أحمد عادل بك: إن تصريحات المسئولين الفرنسيين المسيئة للإٍسلام جرحت مشاعر المسلمين، داعيا البلدان الإسلامية إلى قطع علاقاتها مع فرنسا ومقاطعة منتجاتها.
وأوضح أن تصريحات ماكرون ومسئولي فرنسا المناهضة للإسلام، لا تعني شخصًا أو بلدًا واحدًا، بل تهمّ كافة البلدان الإسلامية.
وأكد أنه لا يحق لأحد الإساءة للأديان الأخرى، مشددًا على ضرورة التضامن بين المسلمين لمواجهة هذه المواقف والتصريحات.
كما تزايدت في الأيام الأخيرة الدعوات في السنغال لمقاطعة المنتجات الفرنسية، امتدادًا لدعوات عربية وإسلامية مماثلة، ردًا على رسوم وتصريحات فرنسية تمس الإسلام.
وأعرب مواطنون سنغاليون عن دعمهم لمقاطعة السلع الفرنسية، كما أكّدوا ضرورة تطوير الإنتاج المحلي وزيادة البدائل التجارية. في الأسواق المحلية، استجاب الشعب السنغالي تدريجيا لدعوة مقاطعة السلع والبضائع الفرنسية، ردًا على تصريحات أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبعض المسئولين الفرنسيين والتي تضمنت استهدافًا للإسلام.
وبينما يقول المواطنون في السنغال الذي يشكل المسلمون نحو 95% من تعداد سكانه: إنهم يرفضون أي إهانة تستهدف النبي محمد والإسلام، يشيرون في الوقت نفسه إلى الصعوبات التي تقف أمام مقاطعة المنتجات الفرنسية بسبب انتشارها في أسواق بلادهم ورخص ثمنها وتنوعها.
وقال دياو ديالو، المسئول الإعلامي في حركة الجبهة الأفريقية المناهضة للإمبريالية في السنغال: إن الحركة كانت أول من دعم دعوات مقاطعة السلع الفرنسية في البلاد.
وأشار ديالو إلى أن التصريحات الصادرة عن الرئيس الفرنسي وعدد من المسئولين في فرنسا التي تستهدف النبي محمد والإسلام، ينبغي أن تواجه بمقاطعة المنتجات الفرنسية والاستجابة لدعوة الرئيس التركي أردوغان. وأكد ديالو أن منظمات المجتمع المدني في السنغال تناضل ضد العقليات المعادية للإسلام، وأن الحركة رحبت على الفور بدعوة الرئيس أردوغان لمقاطعة المنتجات الفرنسية.
وتابع: "بفضل المقاطعة، سندعم الإنتاج المحلي واستهلاك المنتجات المحلية.. لا يمكن إنكار الثقل الذي تملكه المنتجات الفرنسية في السنغال.. لكن لا ينبغي أن نواصل الاعتماد اقتصاديا على الدول الغربية".
قال عالم الاجتماع الفرنسي، البروفيسور رفائيل ليوجير، إن هناك قواسم مشتركة بين ما حصل لليهود وما يحدث للمسلمين اليوم، وإن الرسوم الكاريكاتورية المتطاولة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، تحتوي على العنف.
والبروفيسور ليوجير، يعرف في فرنسا بأبحاثه حول علم الاجتماع، وهو أستاذ بمعهد الدراسات السياسية في إيكس إن بروفانس، ومؤلف كتاب صادر في تركيا بعنوان "أسطورة الأسلمة.. تجربة حول الرهاب الاجتماعي".
وأجرى في باريس حوارًا مع ليوجير، حول موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المعادي للإسلام ونشر الرسوم الكاريكاتورية المتطاولة على النبي وإجراءات السلطات الفرنسية ضد المسلمين.
وأضاف ليوجير: "لا نستطيع أن نرى مدى عدوانية وعنف هذه الرسوم الكاريكاتورية بالنسبة إلى المسلمين. إنني أعتقد بأن هذه الرسوم تحتوي على العنف. هناك قاسم مشترك بين ما عاشه اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي وما يحدث للمسلمين اليوم".
وأوضح أن الرسوم الكاريكاتورية بحق النبي محمد، تشبه تلك التي رسمتها مجلات اليمين المتطرف أو المجلات الألمانية النازية بحق اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي. ليوجير، أكّد أن ماكرون انتخب للرئاسة ببرنامج سياسي ليبرالي ولم يتبن في البداية سياسات معادية للإسلام، مثل رئيس الوزراء السابق مانويل فالس، لكن مع مرور الوقت تحولت أيديولوجيته إلى معاداة الإسلام.
ألمانيا تحظر مظاهرة ضد الرسوم المسيئة
أعلنت الداخلية الألمانية حظر مظاهرة مناهضة للرسوم المسيئة للنبي محمد ﷺ ومجلة شارلي إبدو الفرنسية بحجة خطورتها على الأمن.
وياتي رد فعل السلطات الألمانية بعد توحدها عمليا مع فرنسا في أزمة وضعها فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، رغم تصريحات المستشارة الالمانية التي دعت إلى الهدوء والتعقل والتوحد بين أوروبا.
ونشر موقع (DW) عربية الألماني تقريرا الخميس بعنوان "معركة الحسم أوروبا تستعد لاستئصال الإسلام السياسي؟" أرخ للمصطلح الرائج أوروبيا (الإسلام السياسي) منذ فترة الاستعمار والنصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين عاد مفكرون إصلاحيون مثل جمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905) إلى النصوص الدينية المُؤَسِسة لمواجهة تفوق الغرب العلمي والتكنولوجي، وذلك من خلال محاولة إعادة تفسير التراث الإسلامي. وسعى هؤلاء المفكرون إلى إحياء المجتمع الإسلامي وتعبئته.
ورأى التقرير أن "الزخم الإصلاحي الأولي تمت إعادة توجيه نحو مشروع إسلامي شامل مناهض للغرب من أبرز وجوهه رشيد رضا (1865-1935)، الذي دعا إلى عودة دولة الخلافة، ولم يعد الأمر يتعلق بـ "تحديث الإسلام" وإنما بـ"أسلمة الحداثة".
واعتبرت أن هذا "نهج اختارته جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر عام 1928 على يد حسن البنا (1906-1949) ويعتبرها المؤرخون مُلهمة الجماعات الإسلامية التي ستظهر في المنطقة خلال القرن العشرين".
وزعم التقرير أن "الإسلام السياسي" هو مصطلح للتعبير عن جميع التيارات الأيديولوجية والسياسية التي تهدف إلى إقامة دولة (خلافة) تقوم على مبادئ الإسلام، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع.
وادعى أن "الإسلام السياسي" أصبح يستعمل في الغالب كرديف للإسلاموية وبالتالي الراديكالية الدينية، وحتى العنف الإرهابي. ولكنها انتقدت نفسها وقالت إن "الإسلام السياسي" مفهوم نشأ في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين لتوصيف ظاهرة عودة الدين إلى المجال السياسي، كرد رد فعل على الأنظمة الاستبدادية العلمانية بالدعوة إلى العودة للشريعة وإقامة دولة إسلامية.
نيس وفيينا
واستلهم التقرير من "اعتداءات" نيس وفيينا تحدي أوروبا لـ"الإسلام السياسي" وخلطت بين المصطلح واعتزام القارة العجوز "تعزيز سياسة أوروبية مشتركة لمواجهة الإرهاب".
ونقلت عن المستشار النمساوي زباستيان كورتس تعهده ببذل مزيد من الجهود لمواجهة "الإسلام السياسي". وقوله لصحيفة "فيلت" الألمانية: "أتوقع نهاية التسامح المفهوم خطأ". وركزت أيضا على قوله "الأيديولوجية السياسية للإسلام تهدد الحرية ونموذج الحياة الأوروبي".
كما أشار تقرير دويتشه فيله الالمانية إلى تقرير موقع "ديغيتال ديلي" الألماني قبل يومين لفتت ضمنا إلى مسئولية الإسلام السياسي (البيض في سلة واحدة) عن عودة عمليات القتل باسم الدين وقالت: "في عام 1782 أحرقت آخر "ساحرة" في أوروبا، وفي الكثير من كتب التاريخ يُنظر إلى ذلك الحدث كنهاية للعصور الوسطى، حيث أصبح قتل المدنيين الأبرياء بدوافع دينية جزء من الماضي (..) اليوم يتم القتل بسبب رسوم كاريكاتورية في مدرسة، من منظور العصور الوسطى الإسلامية".
علمانيو أوروبا المسلمون
واستعان معد التقرير بتصريحات لأحد العلمانيين وعرفته باسم "البروفيسور مهند خورشيد، عالم اجتماع وعالم دين مسلم نمساوي، لبناني من أصل فلسطيني، يعمل أستاذًا في جامعة مونستر في ألمانيا، كما يشرف على مركز توثيق الإسلام السياسي، الذي أسسته النمسا مؤخرا بهدف خلق وعي بالبنى التي يتفشى فيها الإسلام السياسي داخل المجتمع. خورشيد أوضح في مقال نشره موقع شبكة "NDR" الألمانية (30 أكتوبر 2020) حاجة الإسلام إلى إصلاح عاجل وشامل وكتب أن "هجوم نيس الوحشي تسبب في رعب في جميع أنحاء العالم". وحذر خورشيد من أن "الإسلاميين يريدون الإطاحة بالمجتمعات الليبرالية في جميع أنحاء العالم".
ولكنه لم يشر إلى مصدر (كتاب –منشور-...) تنشره هذه الجامعات التي عناها تقرير دويتشه فيله بالراديكالية، ولكن خورشيد انتقد مباشرة "سورًا قرآنية" معتبرا أنها مؤثرة بشأن استعمال العنف تتعلق بمواقف حرب في القرن السابع في شبه الجزيرة العربية، لكنها لا تشكل بأي حال من الأحوال أوامر لمسلمي اليوم، فهي لا تبرر العنف والإرهاب.
وزعم خورشيد أن "الخلافة" هي المشكل "بعد وقت قصير من وفاة النبي محمد، أصبح الإسلام أداة سلطة في أيدي أولئك الذين يقاتلون من أجل الخلافة. نُسبت الكفاءات الإلهية إلى الحاكم واستمدت المطالبة الشاملة بالقيادة شرعيتها من ذلك، مما أدى إلى انحطاط واختزال الناس إلى مجرد توابع مُطيعة. فتم الابتعاد عن دين المحبة والرحمة. لذا فإن الإصلاح ضروري اليوم لتحرير الإسلام الذي بات رهينة السياسة (..) لا يمكن للإسلام أن يطور قدرته على التحرر إلا من خلال الإصلاحات المستمرة"، بحسب خورشيد.
إعداد "دعاة"
واعتبارًا من العام المقبل، ستكون هناك دورة تدريبية جديدة لتكوين "الأئمة" في ألمانيا، كما أعلن عن ذلك "إسلام كوليج دويتشلاند" (IKD) (الثلاثاء 3 نوفمبر 2020) في برلين. وفي السنة الأولى سيتم تكوين حوالي 30 مشاركًا انطلاقا من أبريل 2021.
التكوين سيتم باللغة الألمانية فقط. المشروع تموله وزارة الداخلية الألمانية ووزارة العلوم في ولاية ساكسونيا السفلى. ويضم الأعضاء المؤسسون لكلية الإسلام علماء دين في شئون الإسلام وشخصيات عامة وهيئات إسلامية مثل المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا.
وكشف أن السبب في هذا الإجراء هو: غياب لحد الآن لتكوين يشمل العمل الفعلي داخل المساجد والجاليات المسلمة، وهذا هو سبب قيام أئمة من الخارج بإلقاء الخطب في العديد من مساجد البلاد.
دعوات ألمانية
وكشف التقرير عن دعوة شخصيات ألمانية للتصدي لـ"الإسلام السياسي" من المجتمع المدني وسياسيون في التحالف المسيحي، المنتمية إليه المستشارة الألمانية ميركل، إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزما ضد الإسلام السياسي في ألمانيا بعد الهجوم الإسلاموي في مدينة نيس الفرنسية.
وأشارت إلى بيان نشرته صحيفة "فيلت" الألمانية في عددها السبت 30 أكتوبر 2020، أن الإسلام السياسي يتجذر بشكل متزايد في جاليات إسلامية أوروبية.
وقال البيان "على الرغم من عدم وجود "أحوال فرنسية" في ألمانيا حتى الآن، ظهرت مشاكل مماثلة هنا أيضا"، مضيفا، "هناك مجتمعات مسلمة تعيش منفصلة في مدننا أيضا، حيث يتبنى الشباب بحماس التطرف الإسلامي. التحريض والاعتداءات المعادية للسامية لا تأتي فقط من المتطرفين اليمينيين، ولكن أيضا من دوائر إسلاموية".
وطالب الموقعون بإجراء دراسات حول الإسلام السياسي، لا سيما في المدارس، إلى جانب تأسيس مركز توثيق ووقف تعاون الدولة والمؤسسات السياسية مع منظمات الإسلام السياسي وتشكيل مجموعة خبراء مختصة بهذا الشأن في وزارة الداخلية الألمانية.
إشارة ضمنية
وأشار التقرير ضمنا إلى إدانة إسلامية للحوادث الارهابية، حيث أدان المجلس الأعلى (المركزي) للمسلمين في ألمانيا بشدة هجوم الطعن القاتل في مدينة نيس جنوبي فرنسا. وقال أيمن مزيك، رئيس المجلس، في بيان: "من يجلب القتل والإرهاب للناس، فإنه يرتكب جرما في حق الإنسانية ويرتكب جرما في حق الله". وأضاف مزيك: "نحن كمسلمين علينا أن نتصدى بصورة أكثر حزما للإرهاب والتطرف على صعيد المجتمع كله".
وأعرب الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب) عن "بالغ مواساته" لأقارب الضحايا، وقال إنه يدين الإرهابيين "من كل لون، ونحن لا نفرق بينهم لأنهم ينتمون إلى نفس المصدر: الكراهية"، وحذر من أن الإرهاب يخلف إرهابا " وعلينا كمجتمع أن نتصدى له بحزم".
وبهذا الصدد كتب موقع "تسيتسيرو" الألماني يوم (11 أكتوبر 2020): "لقد مرت عشر سنوات، حتى الآن، على مقولة الرئيس الألماني السابق كريستيان فولف التي أكد فيها أن "الإسلام جزء من ألمانيا".
وشهدت فرنسا خلال أكتوبر الماضي، نشر صور ورسوم كاريكاتيرية مسيئة إلى النبي محمد، عبر وسائل إعلام، وعرضها على واجهات بعض المباني، ما أشعل موجة غضب في أنحاء العالم الإسلامي.
وفي 21 أكتوبر الماضي، قال الرئيس الفرنسي ماكرون: إن بلاده لن تتخلى عن "الرسوم الكاريكاتيرية"، ما ضاعف موجة الغضب في العالم الإسلامي، وأُطلقت في بعض الدول حملات مقاطعة المنتجات والبضائع الفرنسية.
وبعد دعوات المقاطعة القوية للمنتجات الفرنسية في البلدان الإسلامية احتجاجا على تصريحاته، تراجع ماكرون خطوة، وقال في حوار مع قناة "الجزيرة" ، السبت الماضي: إنه يتفهم مشاعر المسلمين إزاء هذه الرسوم (المسيئة).