د. مجدي الهلالي

كرَّم الله عز وجل الإنسان تكريمًا عظيمًا، وفضَّله على سائر خلقه بأن اختصَّه بما لم يختص به أحدًا منهم.. فقد نفخ فيه- سبحانه- من روحه القدسية، وطلب من الملائكة الأطهار أن تسجد له: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)﴾ (ص).

 

هذا التكريم العظيم للإنسان يعكس حب الله عز وجل الخاص له، فالجسد الذي يحمل بين جنبيه نفخة من روح الله القدسية لا شك أن له مكانة ومنزلة عظيمة عند الله، ولقد علمت الملائكة بهذه المنزلة واستشعرتها فجعلت جزءًا من عبادتها: دعاءها لمن في الأرض، وهي بذلك تريد التقرب إليه- وتطمع في نيل رضاه من خلال الدعاء والاستغفار لأحبابه ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ (الشورى: من الآية 5).

 

ويزداد تقربهم إليه سبحانه بكثرة الدعاء والاستغفار لمن لهم مكانة خاصة عنده من البشر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)﴾ (غافر).

 

فإن كنت في شك من هذا فماذا تقول في قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم"؟!

 

الجنة تنتظرك

 الصورة غير متاحة

ومن أعظم حب الله لعباده إعداد سبحانه الجنة لتكون دارًا أبدية لهم.. يقيمون فيها إقامة دائمة بلا تعب ولا نصب ولا تكاليف.. بل نعيم مقيم لا يحول ولا يزول: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)﴾ (الزخرف) ولقد جعل سبحانه دخول هذه الجنة مشروطًا بالنجاح في امتحان يعقد على ظهر الأرض لجميع البشر.. جوهر هذا الامتحان هو عبادته سبحانه بالغيب، والقيام بحقوق العبودية له.

 

ولأنه الرب الودود يريد لعباده جميعًا الخروج من النار ودخول الجنة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: من الآية 221)، فقد خلقهم بطريقة وهيئة وأوصاف تعينهم وتيسِّر لهم النجاح في امتحان عبوديتهم له كما سيأتي بيانه في الصفحات القادمة.

 

العبودية والتكريم

ولقد خلق الله عز وجل الأرض فيها للإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: من الآية 29)، وجعلها مسخرةً له فهو مستخلف فيها، عليه أن يعمرها ويكتشف مكنوناتها ويسخرها لخدمة مهمته ووظيفته عليها: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: من الآية 15).

 

ومما تجدر الإشارة إليه أنه ليس هناك تعارض بين قيام المرء بحقوق ا