في مثل هذا اليوم، 18 اغسطس 2013، قضى 37 مصريا خنقا في صندوق عربة الموت، بعد احتجاز لأكثر من 6 ساعات، الذكريات التي لا تنسى لمشاهد الموت الغادر والإهمال لدرجة الإجرام بحق حماية الأرواح، ما زالت محفورة في عقول الناجين السبعة، إضافة لضابط وبعض المجندين في وقت أفلت فيه الجناة من العقاب وتمتعوا بضمانات انقلابية بعدم محاكمتهم مجددا بعد أن تعمد "الشامخ" استنفاد مرات التقاضي.
شهادة محمد عبدالمعبود
ومحمد عبد المعبود، تاجر حبوب من الشرقية كان يبلغ من العمر وقت وقوع الجريمة بمعرفة داخلية الانقلاب 43 عامًا، وحضر "عبد المعبود" يوم الفض وظل من مكانه يساعد الجرحى، وبعد الثالثة مساءً، أصبح إطلاق النيران كثيفًا لدرجة يصعب معها إنقاذ المصابين، فانضم إلى مجموعة من أهالي بلدته يبحثون عن جثمان صديق في مسجد الإيمان، وبعد عثورهم عليه، حملوه في مؤخرة شاحنة صغيرة في طريقهم الى الشرقية لدفنها.
أوقف الجيش الشاحنة واعتقل عشرين من مرافقي الجثمان، وسرق الجنود متعلقات العشرين وأموالهم، واستدعوا الشرطة. وأطلقت الشرطة سراح المجموعة باستثناء خمسة من بينهم "عبد المعبود"، ود.عبد المنعم ابن قريته.
يقول "عبد المعبود": "دعنا نكون منطقيين، لقد كنا مرهقين للغاية، لم نكن قادرين حتى على السير. انهار أغلبنا داخل السيارة، كان بإمكان خمسة أو ستة منا فقط الوقوف، كيف سنتمكن من ضرب ضابط؟" مفندا رواية ضباط الداخلية لتبرئة ساحتهم من الجريمة المروعة التي ارتكبوها.
عم حسين عبدالعال
ومن شهود العيان، حسين عبد العال، 60 عامًا، وكان يعمل موظفا سابقا في شركة بترول، واحتجز مع آخرين في استاد مدينة نصر مع آلاف السجناء الآخرين منذ مساء يوم الفض الأربعاء 14 أغسطس 2013، حتى توفير أماكن لهم في أقسام الشرطة.
وكان إصرار "عبدالعال" على البقاء مع جثة ابنه "رمزي" الذي قنصه ضابط من المباني القريبة من ميدان رابعة برصاصة بجبهته اخترقت أسفل جمجمته سببا في القبض عليه، فأصدقاء "رمزي" حملوا جثته إلى مستشفى ميداني وعندما امتلأ المبني بالغاز المسيل للدموع، أجبروا على التحرك واستطاعوا إيجاد سيارة تقلهم إلى مستشفى خاص.
ولدى إيقاف الجيش السيارة عند أبواب المستشفى، طلب من عبد العال الخروج، وقال الأخير لمراسل "الجارديان" في نوفمبر الماضي، إنه توسل للضابط لكي يبقى مع ابنه وقال "سأقبل قدميك ولكن اتركني مع ابني".
ولكن ألقي القبض عليه ورحل إلى استاد القاهرة، حيث عاملته الشرطة كـ"حيوان" وقاموا بضربه وتوجيه "الشتائم" له، الذين ساقهم قدرهم لمحرقة عربة ترحيلات ابو زعبل فأثناء الطريق كانت إمكانية التنفس سهلة، فالهواء كان يتسلل عبر الشبابيك الأربعة المغلقة بالأسلاك. ولكن عند الوصول إلى سجن أبو زعبل، توقف اندفاع الهواء وعانى من بداخل السيارة من ضيق التنفس.
وأضاف "وأجبر السجناء على البقاء حتى ينتهي تسليم 600 من معتقلي رابعة لسجن أبو زعبل. وكان الانتظار طويلا".
وتابع: "شعرت أنني على وشك الموت. وعندما نظر إلى مقلتي شكري سعد رأيتها وقد بدأت تتسع وبدأ يفقد الوعي. أخذنا نصرخ بأن هناك شخصا يحتضر. أجابونا بأنهم يتمنون موتنا جميعًا".
ووفقًا للناجين، بدأ رجال الشرطة في السخرية من السجناء. يواصل عبد العال حديثه، قائلا: "أخبرونا علينا سبّ مرسي كي نخرج. لذا بدأ الأصغر سنًا في توجيه الشتائم له، ولكن الشرطة قالت إنه لا يمكننا الرحيل، ثم أخبرونا أن نطلق على أنفسنا أسماء نساء، ففعل البعض، ولكنهم قالوا: نحن لا نتعامل مع النساء".
وقال "عبدالعال": في البداية، لم تتمكن الشرطة من فتح الباب؛ لأن الضباط أضاعوا المفتاح. واستخدم الضابط محمد يحيى قطعة من الحديد لتحطيم القفل. وحتى مع ذلك، أبقى على أغلب السجناء في الداخل، وسمح لعبد العال وحده الذي كان يقف بجوار الباب بالوقوف لفترة وجيزة على الحافة ورش المياه. ثم دفع مجددًا إلى الداخل.
يتابع "عبد العال"، الذي كان بالقرب من الباب: "حاولت إفاقة أحدهم بيدي الحرة، لكمته، فليسامحني الله، ولكنه لم يستجيب.
شهادة ضابط
الضابط عبد العزيز ربيع أدلى خلال التحقيق بشهادة تطابق شهادة الناجين من السجناء. وقد رفض الحديث إلى الجارديان، التي أجرت تحقيقا مطولا حول الجريمة، إلا أن شهادته أمام النيابة كشفها محامي الناجين، وأيدها مصدران أخران من الشرطة.
وقال "عبد العزيز" إن أنابيب التهوية في السيارة كانت تالفة. غير أن الضابط عمرو فاروق - قائد الترحيلة- قال إنه تفقد بنفسه نظام التهوية ووجده يعمل.
وتجنب "عبد العزيز" ذكر أن رجال الشرطة أهانوا من كان في العربة، ولكنه قال إن رجال الشرطة الأصغر رتبة والذين كانوا يحرسون السيارة طلبوا من قادتهم الأربعة الذين كانوا يحتسون الشاي على مسافة قريبة، الموافقة على فتح أبواب السيارة وإعطاء السجناء المزيد من المياه.
وأكد أن الضباط رفضوا كل هذه الطلبات عدا طلب واحد: وفي وقت ما بين العاشرة صباحًا والحادية عشرة، أي بعد حوالي أربع ساعات من دخول السجناء إلى السيارة، قدمت لهم المياه.
وقال الضابط فاروق إنه سمح للسجناء بالخروج ثلاث مرات، وهو ما نفاه الناجون وعبد العزيز الذي كان يصاحب السجناء طيلة اليوم باستثناء عشر دقائق ابتعد فيها لقضاء حاجته وقال في النهاية: "أخذنا على عاتقنا كحراس مهمة إحضار المياه في زجاجات وسكبها من خلال النوافذ . ولفت عبد العزيز إلى انه كان من الواضح "أن الأوضاع في السيارة قد تؤدي إلى اختناق السجناء، ولكن الضباط الأربعة كانوا لايزالون يرفضون فتح الباب".
نقطة محورية في الشهادة
ومن النقاط المحورية التي شهد بها الضابط "عبدالعزيز" هي تلك التي الفترة التي ساد فيها الصمت في صندوق سيارة الترحيلات المكتظ بالمعتقلين، وكان وراءه انهيار قوى أغلب المحتجزين بداخلها.
تقول صفحة "اعرفوهم": ما حدث بعد ذلك كان موضع روايتين متضاربتين. فاروق وأغلب مرؤوسيه قالوا في التحقيقات إنه عندما فتح الباب بالقوة أخيرًا، شد السجناء الضابط يحيى إلى الداخل واحتجزوه. وأدت الفوضى إلى اندفاع مزيد من رجال الشرطة من السيارات الأخرى الى المكان. وأصيب عبد العزيز وزميل آخر أثناء محاولة انقاذ يحيى. وأثناء الضجة، وفي محاولة للسيطرة على "الشغب"، أطلق ضابط مجهول من الشرطة أسطوانة غاز يحملها الضباط عادة للدفاع عن أنفسهم، وذلك من إحدى نوافذ السيارة.
وذكر الضابط فاروق أن يحيى واثنين آخرين نقلوا في وقت لاحق إلى المستشفى لتعرضهم للغاز، بينما كان عبد العزيز يعالج من إصابات في الوجه.
ولكن وفقًا للناجين ولعبد العزيز فإن هذه الرواية مزيفة.
وقال "عبد العزيز" للنيابة: "إن هذا لم يحدث، وإن أحد الضباط ضربه على وجهه ليبدو كأنه كان في اشتباك مع السجناء".
رفضت وزارة الداخلية التعليق لـ"الجارديان"، أو السماح للصحيفة بإجراء مقابلات مع مسئولين في الشرطة والسجون. ولكن شهادة "عبد العزيز" أشارت أيضا إلى تهافت رواية خطف الجندي الحارس يحيى وقال "السجناء لم يكونوا في حالة تمكنهم من خطف حارس".
يقول عبد العزيز: "بالنظر عبر النافذة الخلفية للسيارة كان المنظر يبدو مروعًا الجميع ملقى على بعضه البعض.
أحضر الضباط "حديدة" من السجن لفتح الباب بالقوة، وعندما فشل الأمر، أحضروا مثقابًا.
وفي النهاية تمكن رجال الشرطة من فتح الباب قليلًا. يقول عبد العزيز إن يحيى ضغط نفسه إلى الداخل، وبدأ الضباط في شد السجناء عبر الفتحة الصغيرة الى الخارج. خرج ثمانية على قيد الحياة وإن أصيب جلدهم بالخدوش.
وبمجرد اخراج السجناء القريبين من الباب، استطاع رجال الشرطة أخيرًا دخول السيارة.
يقول عبد العزيز: "وجدت الجميع ملقين على بعضهم البعض". كانت هناك رائحة كريهة جعلته يلهث أثناء جره لعشرة آخرين خارج السيارة.
وأثناء حملهم، أدرك عبد العزيز حقيقة رهيبة: لقد مات أغلب المحشورين في السيارة الساخنة. يقول عبد العزيز "بعد ذلك، أصبح العالم بلا معنى".