تحقيق- محمد أبو دهبية

ما بين تشويه الحقائق وتزييف الوقائع التاريخية تحت زعم المعالجة الدرامية، والابتذال الفني بحجة الحبكة الدرامية لجذب المشاهدين تسير المسلسلات التاريخية المعروضة على القنوات الفضائية كل عام وعلى الرغم مما أثارته بعض هذه المسلسلات من قضايا وإشكاليات قبل بدء عرضها ونالت بسببها اهتمام الجمهور الذي ترقب مشاهدتها إلا أنها أيضًا نالت نقدًا لاذعًا لانحرافها عن مسارها سواء الفني أو التاريخي.

 

آخر هذه المسلسلات كان "خالد بن الوليد الذي عرضته إحدى الفضائيات خلال شهر رمضان ونسبت مراجعته إلى العلامة الشيخ يوسف القرضاوي الذي سرعان ما أعلن تبرؤه من المسلسل.

 

وفي السابق تم عرض مسلسلات مثل "فارس بلا جواد" بعد ترقب وانتظار وقضايا أثارها جاء هذا المسلسل بالعديد من المواقف المضافة والأحداث المحشورة والتي ليس لها سند تاريخي. و مسلسل "إمام الدعاة" يؤكد ذلك أيضًا فقد اتهم البعض المسلسل بعدم تقديمه لمواقف حقيقية وإضافته لشخصيات غير حقيقية للدرجة التي قال عنها نجل الشيخ الشعراوي (هذا مسلسل عن والدنا الذي لا نعرفه)، وقال محمد عبدالله بدر وهو أحد أصدقاء الإمام الراحل إن المسلسل به مشاهد مقحمة وشخصيات لا وجودَ لها مثل شخصية الشيخ زغلول التي لا وجوَد لها كذلك شخصية بدرية التي تُمثِّل رمزًا للكسبِ الحرام، كما أن المسلسل يظهر أصدقاء الشيخ الشعراوي وهم جالسون في الجامع الأزهر وهم يتآمرون عليه، فالمسلسل امتلأ بالتزوير والمحاور والوقائع التي لم تحدث.

 

وقد يرى البعض في التاريخ مناخًا أو مساحة خصبة لفكره فيعمد إلى إبراز فكرة على حساب أخرى، أو بالأحرى كان يحاول إبراز مرحلة على حساب مرحلة تاريخية أخرى، وهو أمر خاطئ فمن الضروري هنا أن نقول إنه أمام أي كاتب لسيرة شخصية تاريخية، أيًّا كانت هذه الشخصية، طريقان: إما أن يكون موضوعيًّا في الإحاطة بكل جوانب الشخصية فيسجل لتلك الشخصية ما لها وما عليها من علاقات وحوادث وطريقة إدارة وغيرها من عناصر أخرى تكون لصيقة بأي فرد كان، كالسمات الشخصية والخصال، وإما أن يكون الكاتب غير موضوعي وصاحب غرض ما، وفي الحالة الثانية ربما يتجنى الكاتب على الشخصية ويشوه ملامحها، أو يخصها بخصال ليست فيها أو لا تملكها.

 

والغريب في الأمر أن حشو المسلسلات الرمضانية بأحداث ليس لها سند تاريخي بحجة تجميل العمل الدرامي أصبح ظاهرة عربية بل وعالمية، ففي الوقت الذي أثارت فيه المسلسلات التاريخية في مصر العديد من التساؤلات حول حدود العلاقة بين العمل الدرامي والتاريخ، وهل من حق المؤلف إضافة أو إلغاء أحداث وإلى أي مدى تكون التدخلات الفنية في العمل التاريخي، كما تُثير المسلسلات الاجتماعية تساؤلات حول مدى الإسفاف والهبوط الذي وصلت إليه الدراما في معالجة القضايا الاجتماعية ومدى استثمار نجاح الأعمال السابقة أو شهرة النجوم في تسويق الأعمال الدرامية نجد أن مسلسلات عربية عديدة قد أثارت هذا العام- وككل عام- ضجة في هذا المضمار أشهرها المسلسل الكويتي "أسد الجزيرة" للكاتب شريدة عبدالله المعوشرجي أمين عام مجلس الأمة الكويتي والمخرج السوري باسل الخطيب والذي اعترض التليفزيون الكويتي علي الخط الدرامي له وعلي سير الأحداث التاريخية فيه وخاصة فيما يمس شخصية الشيخ "مبارك الكبير" مؤسس دولة الكويت، بالإضافة إلى علاقات الكويت بجيرانها والعراق وبريطانيا ودول الخليج، وعلاقاته أيضًا بالقبائل، حيث إنه يعد أضخم عمل درامي يعتبر الأول من نوعه في الكويت.

 

وعلى الصعيد الدولي فمع فيلم شفرة دافنشي للكاتب دان براون تصبح قضية تزييف التاريخ أكثر تعقيدًا فهي في الأصل محاولة لزعزعة العقيدة وتزييف ما جاء في الكتب السماوية المقدسة ليس في كتب التاريخ فحسب!!، وقد احتلت هذه القضية بأفكارها اللامنطقية صفحات الجرائد والمجلات مؤخرًا، وطالبت العديد من الجهات الدينية وغير الدينية بوقف عرض الفيلم ومصادرة الرواية التي تحمل نفس العنوان وخاصةً أنَّ أكاذيب الفيلم لا تستند إلى أي مدلولات تاريخية موثقة وتسير الأحداث بخطى بعيدة عن المنطقية ويضع المخرج المشاهد في حيرةٍ من أمره خاصةً بعد مشهد قصير في زمن كبير في تأثيره عندما تسأل صوفي شريكها في البحث الدكتور روبرت هل ما نسعى إلى إثباته وما تصورنا أنه فك للشفرة حقيقي فأجابها أشعر أنه مستحيل، جملة نسفت مضامين الفيلم التلفيقية والتي عبثت بعقول المشاهدين وهزت من بنيان العقيدة، فهذا العمل على سبيل المثال يتجه نحو العبث الفكري الذي ينخر في الثوابت الدينية والعقائد الراسخة ويغير في التاريخ لصالح أهداف شيطانية.

 

أكذوبة المراجعة

الدكتور نصارى فهمي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة المنيا يقول إن هناك مسلسلات أُذيعت لم تضر الناحية التاريخية لكن هناك أيضًا مسلسلات تضر بالمسار التاريخي فهم يقولون إن هناك أساتذة كبارًا مقربين لهم يراجعون العمل مراجعةً تاريخيةً وإن مجمع البحوث يراجعه من الناحية الشرعية ويزعمون أن الإضافات لدواعي الفن والتشويق فقط وأنها "كالبهارات" وإن التزييف لا يضر!!

 

ويستطرد الدكتور نصارى فهمي: ولأن شخصية صلاح الدين الأيوبي بعد توليه السلطة كانت عسكرية صرفة، ولم يستطعوا إدخال الحب فيها فحاولوا إدخاله في شخصية عيسى العوام لكن في الحقيقة عيسى العوام لم يكن في التاريخ أصلاً وهم يزعمون أن عيسى العوام لم يضر بشخصيةِ صلاح الدين الأيوبي محور الرواية، ويعتبرون أن هذه الشخصية هي "تحلية" للعمل لكنني أرى أن هذه "التحلية" غير مريحة.. فلا بد أن يكون الفن في خدمةِ التاريخ وليس العكس، ولا بد ألا تمس هذه التحلية الخط الوطني أو الخط الديني أو المشاعر الأخلاقية بحيث لا يكون لها تأثير ولا بد لمَن يأخذ الحدث التاريخي لا يغير فيه نهائيًّا، وإذا أراد التغيير فلا بد ألا يكون التغيير ضارًّا خاصةً أن الحدث مشهور ولا خلاف عليه بين المؤرخين ومروٍ برواية واحدة ، فلا بد أن تسير الأحداث المتفق عليها كما هي دون تغيير لكن الروايات المختلف فيها من الممكن أن يراجع إحداها ويؤخذ بحيث تناسب الفن (القصة).

 

ويرى الدكتور نصارى فهمي أن تأثير تزييف التاريخ في العمل الفني خطير جدًا يتمثل في انتشار شائعات ليست حقيقية ولا أساسَ لها من الصحة بين الناس وتشوه مسار التاريخ و الشخصيات التاريخية.

 

والناس مع انتشار الثقافة التاريخية أصبحوا يفهمون ويصححون هذه الأحداث، وهناك مسلسلات أذيعت مثل "عمر بن عبد العزيز" كانت ممتازةً أظهرت الشخصية بكل ملامحها وهناك الكثير من المسلسلات روجعت مراجعة تاريخية وإسلامية ممتازة مثل "الفرسان".

 

ضرورة الالتزام

ويرى الدكتور محمود سلامة- أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة- أن من المفروض أن أي مسلسل تاريخي لا يعتمد إلا بعد العرض على أستاذٍ متخصص في العصر الذي تقع فيه هذه الأحداث هذا من الوجهة العلمية، أما من الوجهة الفنية فيرى أن الأدب عندما يستخدم التاريخ كإطار لا بد ألا يغير من أحداث التاريخ إطلاقًا لأنه لو غيَّر من أحداث التاريخ يكون كذبًا من الوجهة الفنية، وهذا يسقط العمل الأدبي من الناحية النقدية الفنية فلا يجب مثلاً أن يصور المسلسل هارون الرشيد صاحب نساء أو شاربًا للخمر؛ لأنه رجل كان يغزو سنةً ويحج سنةً، أما ما صدر عنه من إشاعاتٍ فأظن أن وراءها مستشرقين وشيعة لأن التشيع يكره الخلافة العباسية كراهيةً عمياء وقصد هارون الرشيد ربما يرجع لأنه ضرب البرامكة الفرس؛ لأنهم كانوا يدبرون انقلابًا ضد الدولة العباسية.

 

ويضيف الدكتور محمود سلامة أنَّ من الممكن للأديب الذي يريد أن يستدعي التاريخ أن يدخل شيئًا من الخيال بشرط ألا يضر بصحة الحادثة التاريخية؛ لأن هناك حدودًا في الخلط بين الفن والتاريخ فلا يجب أن يغير العمل الفني التاريخي من حادثة تاريخية أو أخلاق شخصية تاريخية نوصفه بأنه داعر أو ساقط أو انهزم في المعركة، بينما هو في الحقيقة منتصر أو أن المعركة حدثت في القدس والحقيقة أنها حدثت في دمشق فهذا كما يقول الدكتور سلامة يسقط التاريخ ويسقط الأدب، لكن ليس هناك أي ضرر في دخول الخيال طالما كان في خدمة التاريخ والحدث.

 

ويقول: إنَّ أثر التزييف على المشاهد خطير حيث يجهل المشاهد وأثر الجهل على المشاهد كبير فعندما أنظر إلى الشخصيات المثل العليا على أنهم منحرفون فإن هذا يسقط القيم الإسلامية الحضارية العظيمة ومعناه تفريغ شخصية المشاهد العربي المسلم من مضمونها ولا أستطيع أن أعبئها بعد ذلك بقيم غربية لأن الشخص لا يمكن أن يكون إلا ذاته.

 

شرطان

وللكاتب والسيناريست محفوظ عبد الرحمن رؤية تتجلى في ضرورة توفر شرطين بالعمل التاريخي، أولاً أن تكون المعلومات التاريخية موثقةً ومتفقًا عليها وأن تكون الشخصيات التاريخية في إطارها الصحيح وأي تغيير أو تبديل فيها لا بد أن يكون مبنيًا على دراسة يقدمها الكاتب. وثانيًا يجب أن تكون القاعدة التاريخية صحيحةً تمامًا فالمعلومات ليست هي الغاية وإنما إعادة الزمن بكل ما فيه ولن يتأتي هذا إلا إذا رأى الكاتب المشهد القديم بعين خيالية، أما العمل الدرامي الذي يختلق وقائع وأحداثًا غير موجودة فإنه يرتكب بذلك خيانة للتاريخ، كما أن للكاتب الحق في الخيال والبناء الدرامي دون اختلاق.

 

بينما يرى المخرج ناصر عبد الرحمن أنه من الممكن أن يضيف المؤلف شخصيات غير موجودة في العمل لإبراز معنى وتأكيد وجهة نظره في الحدث كشخصية عيسى العوام في فيلم الناصر صلاح الدين فهذا أمر طبيعي، أما الوقائع التاريخية الثابتة فلا يجب تغييرها كما أنه لا يجب أن ننسب انتصارًا مثلاً كحرب أكتوبر لأشخاص لم يحاربوا فالمعروف أن المصريين هم الذين خاضوا الحرب ومن الممكن أيضًا إضافة أحداث أخرى لنفس الزمن لكي يوصل المؤلف وجهة نظره بعيدًا عن التغيير في الثوابت.

 

أما المخرج عصام رمضان فيقول إنه لا يوجد مخرج يستطيع أن يغير من الأحداث التاريخية إلا إذا كان يقدم عمل فني في مسرح أو سينما من وجهة نظره الخاصة ورؤيته دون أن يغير في التاريخ وعلى سبيل المثال قصة أدهم الشرقاوي وعنترة بن شداد كتبت بوجهات نظر عديدة، أما صلاح الدين الأيوبي فالمخرج لم يقدمه كقصة تاريخية لكنه حاول أن يقدم عن الشخصية البطولية لصلاح الدين المثل الأعلى لنا في تحرير القدس وقدَّم معه بعض الشخصيات الأخرى التي لها في التاريخ بصمات.

 

ويرى أن شخصية عيسى العوام إضافة جديرة بالاحترام في العمل الفني لأن من شأنها إظهار روح التعاون بين المسلم والمسيحي في معركة واحدة، وقد يهرب مخرج الفيلم والسيناريست وفريق التمثيل من الرؤية النقدية في تحريف التاريخ عندما أعلنوا في فيلم المهاجر- على سبيل المثال- والذي يجسد قصة سيدنا يوسف أنه عمل فني وليس تاريخيًّا.

 

لكن على الرغم من ذلك فإن المخرج عصام رمضان يقول إنه مع العمل الذي يقدم على شكله التاريخي الثابت دون أي تغيير فلا يجب أن أجبر كمتلقٍ على مشاهدة الحداثة في العمل الذي أراه، وهذا ما جعل الكثيرين يهربون من التليفزيون.