تحقيق- سالي مشالي

السعادة فن، ومن يتقن هذا الفن عليه ألا يكتفي بالاحتفاظ به لنفسه، وإنما من واجبه أن ينقله للآخرين، وأولى الأوقات التي تحتاج إلى إضفاء البهجة والسرور والسعادة هي أيام الأعياد، فعلينا أن ننقل السعادة للآخرين سواء من الزوجة للزوج أو من الزوج للزوجة، أو من الأصغر سنًّا للأكبر سنًّا، أو من الكبار للصغار، لتصل إلى جيراننا، ولننشرها على أكبر عددٍ ممكن ونأمل ونتمنى أن نرى الجميعَ يشعرون بالسعادة.

 

على مستوى الجيران: تقول دعاء السيد- ربة منزل-: كل عام أتعاون مع أولاد العمارة في تعليق الزينات في مدخل العمارة ونضع لوحةً كبيرةً يتشارك الجميع في تلوينها ومكتوب عليها "عيد سعيد" أو "كل عام وأنتم بخير"، وتظل هذه اللوحة معلقة ولا نرفعها إلا في العيد الذي يليه لنضع مكانها لوحة جديدة.

 

أما داليا محمد- ربة منزل- فهي تمُر على كل جيرانها في العمارة وتدعوهم إلى الذهاب جميعًا إلى مُصلى العيد معًا وتتحمل مسئولية إيقاظهم بالتليفون والتجمع أسفل العمارة حيث يذهبن إلى المُصلى سيرًا على الأقدام وهن يرددن دعاء العيد ويكون الصغار متحمسين للغاية ويُري بعضهم البعض ملابس العيد الجديدة ويكون لهذا مذاق مختلف كثيرًا عن الذهاب إلى المصلى كل أسرة وحدها.

 

السُنة الحسنة

وسَنَّت خديجة أحمد- طالبة- سُنة حسنة بين جيرانها؛ حيث إنها اتفقت معهم أن يقوموا باستضافة أطفال من ملجأ الأيتام القريب في أول أيام العيد ويتم تقسيم الأطفال كلهم بحيث تستقبل كل أسرة طفلين أو ثلاثة ليقضوا مع الأسرة أول أيام العيد، ويقومون بتنظيم مسابقات وألعاب جماعية تُدخل البهجة على قلوب الأطفال الأيتام وأطفال العائلة أيضًا.

 

ومن النشاطات التي اعتادت إيمان حسين- طبيبة- القيام بها في العيد منذ عدة أعوام شراء هدايا تذكارية لطيفة لكل أسرة من أسر العمارة وأهدائها لهم بعد صلاة العيد، وتقول: هي هدايا بسيطة ولا يُشترط أن تكون غالية ولكن المهم أن تكون مميزة، ففي أحد الأعوام أهدت لكل بيت من بيوت الجيران "قُلة" أثارت البهجة والضحك والسرور، وظلوا يستعملونها فترة طويلة، وهي هدايا تُشعرهم أننا نتذكرهم ونفكر في إسعادهم وتترك أثرًا طيبًا للغاية وتظل تحمل ذكرى العيد.

 

وتقوم فاطمة محمد- مُدّرسة- كل عام بتنظيم مسابقة بين الجيران على مدى أيام شهر رمضان وفي النهاية يتجمع الجميع في بيتها بعد صلاة العيد لاستلام الجوائز.

 

وعلى مستوى العائلة: تقول نيرمين أحمد- موظفة- أحرص على زيارة والدي وأهل زوجي في العيد وأعتبرُ أنَّ اجتماعنا معًا هو أهم ما يميز العيد رغم ما به من ضوضاء الأولاد، ولكن العيد لا يكون عيدًا بغير هذه الضوضاء.

 

أرشيف عائلي

وفكر عادل عبد الحميد- طالب بالإعلام- أن يجعل للعيد مذاقًا خاصًّا هذا العام  فقرر أن يقوم باخراج فيلمٍ تسجيلي عائلي يصور فيه- بكاميرته الخاصة- أهم اللقطات الإنسانية التي تظلل اجتماع الأسرة في العيد، ويقول: أتمنى أن أكرر التجربة كل عام بحيث يُصبح لدي جميع أفراد العائلة أرشيف تاريخي بمراحل أعمارهم المختلفة وبالمواقف الجميلة التي لا تُنسى.

 

أما بين الزوجين فيقول سامح عز الدين- محاسب-: أحرص كل عام بعد صلاة العيد وزيارة الأقارب أن أترك ابني لدى حماتي وأسافر مع زوجتي في رحلةٍ سريعةٍ خارج القاهرة وبعيدًا عن الزحام قدر الإمكان؛ حيث نستفيد من هذه الرحلة في التقرب من بعضنا البعض وإزالة الخلافات- إن وُجدت- في جو هادئ ويظل أثر هذه الرحلة الطيب باقٍ داخلنا فترةً من الزمن.

 

أما منى خليل- ربة منزل- فتقول : كان زواجي قبل عامين في عيد الفطر وبالتالي أحببت أن أفاجئ زوجي في عيد الفطر بأن يعود من الصلاة ليجدني أرتدي ثوب الزفاف كاملاً، وكانت سعادته لا توصف بهذه المفاجأة، وقد أحببت أن أؤكد عليه أن نعتبر كل عيد فطر يوم زواج جديد بالنسبة لنا نفتح فيه صفحة جديدة ونجدد حياتنا.

 

توافق الرغبات

وننتقل إلى نصائح- مرفت محمد- الاستشاري الاجتماعي- التي تؤكد أن أهم ما تقوم به الزوجة لإدخال البهجة والسرور على قلب الزوج هو تجنب أسباب النكد، والبُعد عن احتراف النكد وإجادة الحزن فعليها أن تستفيد من فرصة هذه الأيام الطيبة وأن تستوعب،أن وجود الزوج في المنزل غالبا يكون فى أوقات معينة وقليلة وبالتالي فالإستفادة من هذه الفرصة لا يكون بمفاجآت تعيسة بالنسبة له كمشاكل الأولاد وزيارات عائلية والتزامات، فلا تحصد إلا هروب الزوج من المنزل، وابتكار الفعل المناسب في الوقت المناسب هو أمر غاية في الأهمية بمعنى معرفة "واجب الوقت" فلا يُشترط أنَّ ما أسعده العام الماضي يكون هو نفسه ما يسعده هذا العام ويتماشي مع هذا توافق الرغبات فلا ترى أن تصنع له من الأكل ما يحب وهو يريد أن تجلس معه وتتحدث معه وتشاركه الرأي.

 

وتستطرد: وأهم ما يجب أن تُبنى عليه الحياة الزوجية ويتأكد في العيد هو حُسن ظن كل منهما بالآخر فلا تعتقد أنه دعا شقيقه إلى طعام الغداء مثلاً لأنه يريد أن يضايقها، ولكن ربما يكون أُحرج معه أو وجده تعيسًا فأراد أن يسعده.

 

وفي النهاية تؤكد مرفت: أن تحقيق السعادة معركة لا تتحقق فقط بالتمني وإنما تتحقق بالرعاية وبذل الجهد.

 

وعلى الجانب الآخر يحدثنا د. أكرم رضا- استشاري التنمية البشرية وخبير العلاقات الأسرية- عمَّا يمكن أن يُقدمه الزوج للزوجة ليسعدها به فيقول: هناك دور يجب أن يقوم به كل زوج لإسعاد الزوجة: دور يقوم به في أمور عامة وأحداث عائلية تُدخل السرور على قلب الزوجة بالتبعية، ودور يقوم به كزوج ويكون من أجل الزوجة على وجه التحديد، الدور الأول يتحقق من خلال تفريغه نفسه لأسرته تمامًا في هذا اليوم، ثم عليه أن يضع في اعتباره أن أيام العيد تحتاج إنفاق المزيد من الأموال أكثر من الأيام العادية، وليصلوا العيد معًا، وليشيع التكبير في البيت، ويرفع مستوى الشورى مع الأبناء والزوجة في هذا اليوم، وليبتكر ألعاب يلعبها مع زوجته وأبناؤه اقتداءً بالرسول- صلى الله عليه وسلم- الذي قال: "هي أيام أكل ولعب"

 

هدية وعيدية

ويضيف د. أكرم: أما بالنسبة لدوره مع الزوجة فعليه سواء اشترى لها ملابس جديدة للعيد أم لا، أن يعطي زوجته هدية وعيدية خاصةً بها، وعليه أن يُراعي في هذه الأيام أن الزوجة قد تُبالغ في التزين، وعليه أن يُحسن استقبال هذا التزين بالاستقبال اللائق وبالاستحسان وبالغزل أيضًا، وعيه أن يُراعي أن أيام الفرحة هذه لا ينبغي فيها النقد والانتقاد، وأن الأيام تُعطي حالةً نفسيةً للإنسان، وفي العيد تكون هذه الحالة هي حالة الفرح والسعادة.
أيام الفرح والسعادة

 

أما د. أيمن مهدي- أستاذ علم الحديث بجامعة الأزهر- فيقول: إنَّ سببَ مشروعية العيد أنه ورد حديثًا عن أنس بن مالك قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ووجد الأنصار لهم يومان يلعبان فيه فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: "كنا نعلب فيهما في الجاهلية، فقال:"قد أبدلكما الله بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر" (رواه أبو داود وهو على شرط مسلم)، وبالتالي فالأصل في يومي العيد "الفطر والأضحى" أنها أيام فرح وسعادة، يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه"، ولذلك فالفرح بعد انتهاء رمضان مشروع، ويعتبر لبس الجديد من مظاهر الفرح هذه وأن يلبس الزوج لزوجته ثوبًا جديدًا، وهناك إدخال السرور على مستوى المجتمع ككل وهو ما يتحقق من خلال زكاة الفطر؛ حيث يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "اغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"، وكل ما يجلب الفرحة للزوج والزوجة في هذا اليوم فهو مشروع بل هو مستحب ومطلوب في العيد.