- الحاج السبحي: المدرس عرض علينا عضوية الحزب الشيوعي بمرتب 25 جنيهًا

- في الخمسينيات ناظر المدرسة ساعد تلاميذ الإخوان على الهروب من قوات الشرطة

- حمزة البسيوني أشعل النار في لحية أحد الإخوان أمامنا ليرعبنا

- الأستاذ مشهور مات مدينًا وكان يهتم بحل المشاكل الزوجية ولا يرد سائلاً

- المستشار الهضيبي كان لمَّاحًا واصلاً للرحم وخدم زوجته في مرضها

 

حوار- عبد المعزّ محمد

الحاج مسعود السبحي- سكرتير فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف- هو كاتم أسرار المرشدين، كان من أصغر أعضاء شعبة الإخوان في بلدة محلة منوف بالغربية؛ حيث انضمَّ للإخوان وهو في الثالثة عشرة والنصف من عمره، يرى أن حياته مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة، فما بين دخوله المدرسة إلى عودته لمصر مرحَّلاً من الإمارات العربية المتحدة فجأةً.. دفتر ذكريات السبحي يحمل الكثير من طفولة معظمها بدون أب إلى الاتحاد الاشتراكي، ومرورًا بالسجن عام 1965 ثم رحلة عمل لمدة 18 عامًا في دولة الإمارات العربية، وأخيرًا في مكتب الإرشاد سكرتيرًا للمرشدِين الأستاذ مصطفى مشهور، ثم المستشار المأمون الهضيبي، وأخيرًا الأستاذ عاكف..

 

"إخوان أون لاين" فتح معه صندوق الذكريات عنه وعن حياته وعن المرشدين الثلاثة، وقد بدأنا أول صفحة في كتاب ذكرياته بالنشأة، فهو من مواليد عام 1937 تربَّى في أسرة متدينة بين أب يعرف الله حق المعرفة يقوم ليله وبصوم نهاره، بل إنه أثناء عمله في أرضه كان يوقف المحراث عند سماع الأذان ليؤدي الصلاة في وقتها، وأم ريفية ترى في التدين خلاصًا من الشر والمعصية.

 

بدأ الحاج السبحي حياته مع جماعة الإخوان في وقت مبكر جدًّا وتحديدًا عام 1950، وكان عمره وقتها ثلاثة عشر عامًا ونصف، وكان من أصغر أعضاء شعبة الإخوان بقريته، والتي كان يرى فيها بيته الحقيقي ينام ويقوم فيه، ويرى أيضًا أن الشعبة كان لها تأثير كبير عليه وعلى غيره من أبناء قريته في نمو الفهم الإسلامي الصحيح لديه، فالشعبة عنده كانت جامعًا متكاملاً تؤدَّى فيها كل شعائر الدين، كما كانت تؤدَّى بها صلاة الجماعة وقيام الليل، ليس هذا فقط بل كان للرياضة جزء فيها، ويتذكر السبحي مقرَّ شعبته الذي كان يتصدره لافتة كبيرة مكتوبًا عليها "الإخوان المسلمون... شعبة محلة منوف... مركز جهاد".

 

وعن معنى "مركز جهاد" يقول: إن شعبتهم كانت نشطةً وكانت مركزًا لباقي الشعب، بل إنها كانت بوابة لفتح شعب أخرى في البلاد المجاورة، وكان السبحي يجوب مع دعاة الإخوان أرجاء المركز في شهر رمضان وغيره من الشهور لتوعية الناس بأمور دينهم.

 الصورة غير متاحة

 

* سألناه: كيف تعرفت على جماعة الإخوان؟ وتأثير ذلك على حياتك؟!

** في الحقيقة أعتبر انضمامي لجماعة الإخوان أول نقلة كبري في مسار حياتي، وكان تعرفي عليهم عن طريق أحد أبناء عمومتي وكان ضمن المجاهدين في حرب فلسطين ضمن كتائب الإخوان وعندما عاد ابن عمي من الحرب أواخر عام 1949 بعد انتهاء الحرب ذهبت لأهنئه بالعودة وكان أول لقاء لي بالإخوان حيث أذهلني هذا الحب وهذا الود وهذا التنظيم في قرية ريفية، ووجدتني أطلب من ابن عمي تلقائيا أن أنضم لجماعة الإخوان ولشعبتها في قريتي، وان أدفع الاشتراك وكان عمري وقتها كما سبق الإشارة ثلاثة عشر عاما ونصف، وبالفعل انضممت للجماعة وبدأت مرحلة أخري من حياتي، ولا أنكر أنني كنت متأثرا أيضا بجوالة الإخوان التي كانت تجوب القرى والمحافظات، وهو ما دل طفل مثلي علي هذه الجماعة في الوقت الذي كانت باقي الأحزاب الأخرى غائبة عن الساحة تماما، وأود أن أذكر لك موقفا في هذا الإطار، عندما دخلت مدرسة التوفيقية الثانوية بطنطا عام 1954 وكان معي في هذه المدرسة أيضا الأستاذ محمد العزباوي عضو مجلس الشعب وأحد مسئولي الإخوان في الغربية والأستاذ إبراهيم شرف سكرتير المرشد العام الأستاذ مصطفي مشهور رحمه لله، والأستاذ محمد عبد الحكيم الخيال، وكان يدرس لنا مدرس شيوعي في المدرسة وعرض علينا نحن الأربعة أن ننضم للحزب الشيوعي مقابل راتب شهري قدره 25 جنيها، إلا أننا رفضنا هذا العرض.

 

المدرسة

* ذكرت قبل بدء المقابلة أنك دخلت المدرسة دون قصد.. فهل كان الأهل يرفضون تعليمك مثلاً؟!

** ليس هكذا، ولكني كنت أحفظ القرآن في الكتاب، وقد أتممت بالفعل حفظ عشرين جزءًا، وكان مقررًا أن أدخل الأزهر؛ باعتباره أفضل الوسائل التعليمية وأكثرها شيوعًا في الريف في هذا الوقت، وكان والدي قد توفي وقتها، وفي يوم رأيت زميلاً لي كان يحفظ معي في الكتاب عائدًا من المدرسة وأعجبني ملبسه- البدلة- والحقيبة التي يحملها، فسألته هل يمكن أن أذهب معك للمدرسة؟ فقال وما المانع؟! كل ما عليك أن تدفع 5 قروش للكشف عن سنك، وبالفعل دفعت الخمسة قروش، وتبين أن سني يسمح بدخول المدرسة، وكان اسمها مدرسة الكمال الخاصة بطنطا، ودخلت الصف الثاني الابتدائي ودفعت وقتها القسط الأول للمدرسة وكان يبلغ 465 قرشًا فقط لا غير.

 

* كما سبق وأن ذكرت أن الأزهر كان هو التعليم المفضل لدى أهل القرية وقتها فكيف كان رد فعل أسرتك؟ وقد فاجأتهم بهذا الأمر؟!

** أكون صادقًا معك إن قلت إنني لم أكن أعلم شيئًا، سواءٌ عن الأزهر أو غيره، وكانت فرحتي "بلبس الأفندية "أهم من أي شيء آخر، كما أن والدتي لم تكن ذات خبرة وأقرت ما قمت به، ولك أن تتخيل أن دخولي المدرسة لم يكن وحده دون قصد وإنما دخولي الكتاب أيضًا كان كذلك، فكنت أعمل في الغيط مع والدي رحمه الله ولقيني شيخ الكتاب وأخذني معه وبدأت في حفظ القرآن إلى أن أتممت 20 جزءًا.

 الصورة غير متاحة

 

* ذكرت أن انضمامك للإخوان كان أول نقلة في حياتك فهل هناك نقلات أخرى؟!

** نعم، وأعتبر النقلة الثانية في حياتي عندما توليت مسئولية الأسرة التي كنت أجلس فيها، وحدث ذلك أن نقيب الأسرة وكان اسمه سعيد أحمد صقر كان طالبًا في مدرسة الحقوق، وقد كتب لي رسالة ملخصها أن ظروفه تمنعه من مباشرة الأسرة وشئونها، ومن حضور الكتائب نظرًا لضغوط والده عليه، وطلب مني أن أتولى شئون إدارة الأسرة بدلاً منه وكان عمري 15 عامًا، وكنت وقتها أصغر نقيب في الشعبة، وبعد ذلك بفترة قليلة كان نقيب النقباء عنده امتحان فجمع نقباء الشعبة، وقال إن ظروفه تمنعه من الانتظام في مهام عمله، وطلب منا وكنا 6 نقباء أن يقوم أحدنا بهذا الأمر، فلم يتقدم أحد، فسألته بشكل طبيعي ما هي مهام نقيب النقباء في الأساس فذكرها، فقلت هذه أمور بسيطة، وكان مقصدي أن أهوِّن عليه ليستمر في عمله.

 

فوجدته يطلب مني أن أتولى مهمة نقيب النقباء في الشعبة، وكان ذلك في بداية عام 1954، وبناءً على ذلك حضرت اجتماعًا للمسئولين بالمحافظة في نادي الإخوان المسلمين بطنطا، والذي أصبح الآن نادي الشبان المسلمين، وقد حضره الشهيدان محمد فرغلي والمستشار عبد القادر عودة رحمهما الله، وأذكر أن هذا الاجتماع كان محاطًا بسرية كبيرة، ووقتها كانت الخلافات بين قادة الثورة والإخوان على أشدِّها، وكان الحضور ثائرين، وقالوا إن لدينا من الإمكانيات ما يؤهل الجماعة للقيام بانقلاب ناجح في مصر، فردَّ الشهيد عودة بأن ذلك صحيح إلا أن واجب الجماعة ليس ذلك وإنما إصلاح المجتمع والدعوة إلى الله في كل بيت وقرية ونجع، وعندما ينصلح أمر المجتمع وقتها سيقوم هو بالانقلاب الذاتي والثورة الإصلاحية.

 

مسئول بالإخوان

* وما هي النقلة الثالثة؟!

** النقلة الثالثة كانت سنة 1954 أيضًا وكما سبق الحديث، فقد كنت وقتها طالبًا بمدرسة التوفيقية الثانوية بطنطا، وكان مسئول المدرسة من الإخوان الأستاذ عبد الحكيم الخيال، وطلب مني توزيع منشورات داخل المدرسة عن فساد الحكم، وما إن بدأنا في توزيع المنشورات حتى حاصرت قوات الأمن المدرسة، فقام ناظر المدرسة وكان "راجل جدع" بتهريبنا من باب خلفي للمدرسة، ولم يُقبض على أحد منا، إلا أن المنشورات كانت في بيتي بمحلة منوف، فجاء أحد الإخوان لمنزلي وكان والده "باش شاويش" النقطة، ولم أكن موجودًا في البيت، فوجد المنشورات فأخذها وقام بتوزيعها علي أهالي القرية فانقلبت الدنيا في القرية بعد أن قام والده بإبلاغ الشرطة التي حاصرت القرية، وعندما عدت من المدرسة وجدت الوضع على هذا الحال، فقلت إنني مقبوض عليَّ لا محالة، فودعت أمي وطلبت دعاءها، وذهبت لتسليم نفسي فلقيني ابن عم لي وسألني أين تذهب فأخبرته، فأقسم بالله أنه لا يستطيع أحد أن يمسني وخبأني في أحد بيوت العائلة، ولم يجد فرع منظمة التحرير حلاًّ إلا الإبلاغ عن اثنين من غير أبناء العائلات في القرية حتى ينتهي الموضوع.

 

مع الاتحاد الاشتراكي

* أعرف أن لديك تجربة مع الاتحاد الاشتراكي فهل اخترقه الإخوان؟!

 الصورة غير متاحة

** ليس بهذا الشكل ولكن تم تعييني في المجمعات الاستهلاكية التابعة للاتحاد الاشتراكي بالثانوية كأمين مخزن، وبعد أن حصلت على بكالوريوس التجارة عُيِّنت مشرفًا على الشئون الإدارة بالمجمعات الاستهلاكية بمحافظة الغربية، ثم مشرفًا على الإدارة المالية بجانب الشئون الإدارة، ثم سكرتيرًا لمجلس الإدارة، ثم رئيسًا للتحقيقات، ثم مديرًا للمخازن، ثم مسئولاً عن تموين الجيش من المجمعات الاستهلاكية في محافظة الغربية، ثم مسئولاً عن توزيع السلع المستوردة على التجَّار، ثم انتقلت للعمل في لجنة معونة الشتاء التابعة لمحافظة الغربية، وكنت مسئولاً عن تبادل المعلومات في المحافظة، وأريد أن أذكر موقفًا في هذا الإطار، فعند ما كنت أمرُّ على الجمعيات القبطية وأطالع كشوف الأيتام أجد معظمهم في كليات مرموقة، ووجدت لدى الجمعيات شيكات على هؤلاء الأيتام بالمبالغ التي تم صرفها، وعندما استفهمت من الأمر قالوا إنه مشروع لتربية وتعليم الأيتام، وكل واحد تعلم يدفع لغيره مقابل تعليمه وهكذا، في المقابل وللأسف وجدت الجمعيات الإسلامية لا تهتم بتعليم الأيتام أو بدراستهم وكل همهم هو تعليمهم حرفة أو صنعة فقط.

 

* ألم تكن معروفًا لدى الاتحاد الاشتراكي بأنك من الإخوان؟

** حتى ذلك الوقت لم أكن معروفًا حتى جاء عام 1965 وكان لنا أخ اسمه أحمد سلام يسكن معنا عندما كنا في التوفيقية الثانوية، إلا أنه قُبض عليه عام 1956، وبعد أن خرج من السجن كان ناقمًا على النظام لما لاقاه في السجن من تعذيب، فقال لي لا بد وأن نعمل شيئًا ضد النظام، ثم سأل عن الأخ إبراهيم شرف، فأخبرته أنه يخدم في العريش وكان ضابطًا وقتها في الجيش، فذهب إليه وبعد فترة قُبض عليهما بتهمة حيازة قنابل، وكنا في عام 1965، ثم قبض عليَّ بتهمة حيازة أسلحة ومتفجرات وحكم عليَّ بثماني سنوات سجنًا قضيت منها عامين في السجن الحربي، وأربع سنوات في القناطر ثم باقي المدة في الليمان.

 

وأتذكر أننا عندما دخلنا السجن الحربي استقبلنا حمزة البسيوني وولع عود كبريت في ذقن الأخ السيد مرسي رحمه الله، في استهانة بالغة بكرامة الإنسان، كما وجدت إخوانًا معلقين ويقذفون بهم للكلاب وآخرين يضربون بالسياط، وكانت مناظز وكأنها يوم الحشر، ثم أدخلوني زنزانة وكان بها الشيخ عبد الوهاب الشاعر أحد العلماء الكبار في مدينة المحلة الكبري، وعدد آخر من إخوان الغربية، وفي الحقيقية عندما وجدتهم اطمأن قلبي وشعرت بأنني وسط أهلي وأسرتي.

 

وأذكر أن السجن الحربي تعرفت فيه على مجموعة من الإخوان الذين أصبحوا أعلامًا للدعوة، فيما بعد مثل الشيخ محمد عبد الله الخطيب، والدكتور محمود عزت، والشيخ عبد الستار فتح الله، وغيرهم من الإخوان الأفاضل.

 

تنظيم الجبنة

* وماذا تتذكر أيضًا عن هذه الفترة؟!

** فترة السجن كان فيها مواقف كثيرة، وأريد أن أكتفي بموقف طريف، حتى لا نقلب المواجع، فعندما كنا في سجن القناطر تقريبًا كان معنا أخ اسمه طه البدحي، وكان مصابًا بالربو، ووصف له الأطباء وهم من الإخوان طبعًا ألا يأكل إلا الجبن فقط، فصدرت تعليمات للإخوان بأن كل واحد منهم يصرف له الجبن يأتي به لزنزانة الأخ طه، حتى تجمعت في زنزانته أكثر من 100 قطعة جبن، وفي يوم حدث تفتيش للزنازين فوجدوا هذه الكمية من الجبن فأطلقوا علينا تنظيم الجبن وقتها، إلا أن الموضوع مرَّ بفضل الله دون مشاكل تذكر ولكن كانت من الأمور التي نتندَّر بها.

 

وأتذكر هنا أيضًا أن كثيرًا من الإخوان استثمروا فترة السجن للدراسة والعلم، ومنهم الدكتور حافظ أيوب الأستاذ بجامعة الأزهر أطال الله عمره، ولم يكن قد أتم تعليمه وكان عنده خمسين عامًا فحصل في السجن على الشهادة الثانوية ثم أكمل المرحلة الجامعية وحصل على الدكتوراه وهو في السجن.

 

مشهور مات مدينًا

* لا شك أن عملك كسكرتير للمرشدين مكَّنك من الحصول على الكثير من الذكريات معهم، فلو تحدثنا عن الأستاذ مصطفى مشهور مثلاً.. كيف كنت تراه؟!

** الأستاذ مصطفى مشهور تحديدًا أعرفه قبل أن يصبح مرشدًا بسنوات، فعندما كنت أعمل في الإمارات كان يزورنا وكان يبيت في منزلي، وكنت مرافقًا له في زياراته لباكستان أثناء الحرب الأفغانية الروسية، وكنا ننام معًا في غرفة واحدة طوال وجوده بباكستان، وأذكر أنه رحمه الله كان محافظًا على ورده القرآني وعلى قيام الليل، وكان يصرُّ على غسل ملابسه بنفسه، وعندما كنت أقول له يا مولانا لا يصح ذلك.. اتركها وسوف نغسلها نحن، يرد عليَّ بكل لطف وودّ "لو عندك حاجة عايز تغسلها هات أغسلها معي"، وكان رحمه الله ودودًا ولا يرد سائلاً مهما كان سؤاله أو حاجته، وكان لطيف المعشر، واصلاً للرحم، يهتم بزيارة أهله وأقاربه في بلدته باستمرار، كما كان- رحمه الله- يهتم بحل الخلافات الزوجية التي تُعرض عليه، سواءٌ من الإخوان أو من غيرهم، فهو كان بمثابة الأب لكل من يعرفه، وأستطيع أن أؤكد لك أن الأستاذ كان رجلاً يعمل للدعوة في كل وقت من أوقاته، فكان يعتبرها شغله الشاغل.

 

 السبحي مع المرشد العام أثناء الإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية

 

وفي سفره رحمه الله كان خفيف الحمل، لا تجد معه إلا شنطة صغيرة بها احتياجاته الضرورية، وفي مرة كان قادمًا لنا في الإمارات وكنت في شرف استقباله بالمطار، وعندما ركب معي السيارة كنا نتجه إلى أحد الفنادق الكبرى، وكنت قد حجزت له غرفة بها، فسألني أين نذهب، قلت إلى الفندق، فقال أليس عندك مكان أضع فيه جسدي فقط أفضل من الفندق، فاصطحبته إلى بيتي وأصرَّ على النوم على الأرض حتى لا يزعج أولادي.

 

وما أعرفه جيدًا أن الأستاذ مصطفى رحمه الله كان حريصًا على أن يعيش على معاشه الذي كان يتقاضاه من مصلحة الأرصاد الجوية، وكان في حدود 900 جنيه، وكان يرفض أن يتقاضَى شيئًا من الجماعة إلا لما يضطر له، وغالبًا لا يكون الأمر متعلقًا به شخصيًّا، وعندنا توفِّيَ رحمه الله فرضت الجماعة ما يشبه المعاش لابنته، فرفضت وقالت لنا إن أبي كان لا يقبل أن يتقاضَى شيئًا من الجماعة وأنا مثله، واكتفت بطلب سداد بعض الديون التي كانت على والدها رحمه الله قبل موته.

 

* هل معنى ذلك أن فضيلة المرشد العام الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله مات مدينًا؟
**
نعم مات مدينًا عليه رحمة الله.

 

الهضيبي لمَّاح

* وماذا عن المستشار المأمون الهضيبي؟

** الأستاذ الهضيبي رحمه الله كان ميسور الحال قبل أن يكون مرشدًا، وكان رحمه الله لماحًا جدًّا وكما يقول المثل "يفهمها وهي طايرة وخاصةً في المسائل الإنسانية.

 

وأذكر له موقفًا شخصيًّا معي، فعندما رجعت من الإمارات عدت مرحلاً فجأة أنا وأسرتي، وتركت كل ما أملك هناك، وكان ابني يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة في أسنانه تتكلف 7 آلاف جنيه، وهذا الكلام في بداية التسعينيات أو أواخر الثمانينيات، وكنت مهمومًا جدًَّا لهذا الأمر، فسألني أحد الإخوان ما لك فقلت له الحكاية وكان الأستاذ الهضيبي جالسًا في نفس المكان، ولكنه لم يكن مشاركًا لنا في الحوار، وبعد أن انتهى الحوار، وجدته يناديني على انفراد ويعطيني 2000 دولار، وقال خذهم واعمل العملية لابنك.

 

وأذكر له موقفًا آخر رحمه الله؛ حيث كانت له خادمةٌ وعندما كبر سنها أودعها دارًا للمسنين وكانت دارًا مرتفعة التكاليف وتكفَّل هو بكل مصاريفها، وكان حريصًا على زيارتها باستمرار، وعندما كنت أذهب معه لزيارتها كان يجلس بجوارها وتقول له أنت عامل إيه يا واد يا مأمون، وأخبار عيالك إيه، وكان ودودًا معها جدًّا، كما كان رحمه الله وصولاً للرحم.

 

وأذكر أنه كان يفضل ركوب سيارته الخاصة ويقودها سائقه الخاص، ولم يكن من الإخوان ولم يكن يفضل التنقل بسيارة المكتب، وعندما كنت أستخدمها قال له البعض إنها سيارة المرشد وليس سكرتيره، فطلب مني شراء سيارة خاصة لاستخدامها، وألا أستخدم سيارة المكتب إلا في أضيق الحدود.

 

وقد سألته مرةً كيف يقضي ليله، فقال إنه يقوم من الساعة 9 إلى الساعة 11 مساءً بمراجعة القرآن؛ لأنه كان حافظا لكتاب الله، ثم يصلي ما شاء الله، وأذكر أن زوجته كانت مريضة وكان يقوم بنفسه على خدمتها، كما كان إمامًا لزاوية بجوار منزله.

 

* وهل الأمر مختلف مع المرشد الحالي الأستاذ عاكف؟!

** الأستاذ عاكف كما وصفه الأستاذ أحمد حسنين لأحد الإخوان بقوله "هو رجل مقاتل، وأعرف عنه أنه وصول للرحم، محافظٌ على ورده القرآني، وهو حريص على صلاة القيام مع زوجته، فهي تمسك المصحف وهو يقرأ وهي تصحِّح له، كما أنه حريص جدًّا على صلاة الفجر في المسجد.