عرض- أحمد التلاوي

- عنوان الكتاب: أخبار سيئة من "إسرائيل": "النزاع" الفلسطيني- "الإسرائيلي" تحت مجهر الإعلام.

- تأليف: جريج فيلو- مايك بيري.

- تعريب: حسان البستاني.

- الناشر: دار الجيل للنشر والطباعة- بيروت.

- تاريخ النشر: الطبعة الأولى- 2006م.

- عدد الصفحات: 360 صفحة من القطع الكبير.

*****

تعتبر وسائل الإعلام في الوقت الراهن أحد أهم أدوات التأثير السياسي والاجتماعي في ظل نفاذها في مختلف مفاصل المجتمعات، والأهمية المطردة للمعلومات وللصورة في عالمنا المُعاصِر، وكذلك جاذبية "الفعل الإعلامي" في حياة الناس.

 

وتزداد أهمية الصورة والخبر والمعلومة في أوقات الأزمات وفي البقاع الساخنة من العالم، ولعل منطقة الشرق الأوسط هي صاحبة القدر الأوفر من الأزمات والقضايا الساخنة، وأهمها بطبيعة الحال هي القضية الفلسطينية، والصراع العربي- الصهيوني الذي يعتبر هو المُفتاح الرئيسي لكل ما يجري من تطورات في المنطقة.

 

وفي هذا الإطار، ومع دخول انتفاضة الأقصى الفلسطينية الثانية عامها السابع منذ أيامٍ قليلة، بدأت مراكز الأبحاث والإعلام والمعلومات في محاولة تقصي الحقائق حول نتائج وتداعيات الانتفاضة الفلسطينية على مختلف المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية وكذلك الاقتصادية، وكان هناك اهتمام خاص بتداعيات هذا الحدث السياسي والإنساني الكبير- الانتفاضة- على الداخل في الجانبَيْن الفلسطيني والصهيوني.

 

وفي حقيقة الأمر فإنَّ الصورة في هذا الإطار على الجانب الصهيوني قاتمة، وتثير بهجة أي عربي ومسلم مُخْلِص على اعتبار أنَّ هذه الصورة القاتمة تشير إلى أنَّ روح الحياة والصمود لا تزال قائمة في الأمة مع نجاح حفنة غير مسلحة من أبنائها في كسر شوكة الكيان الصهيوني وترسانته العسكرية في المنطقة العربية والإسلامية.

 

وفي هذا الإطار بين أيدينا الآن كتاب مهم صدر حديثًا عن دار الجيل البيروتية بعنوان "أخبار سيئة من "إسرائيل": "النزاع" الفلسطيني- "الإسرائيلي" تحت مجهر الإعلام" لاثنَيْن من الكُتَّابِ الصهاينة هما جريج فيلو ومايك بيري، وفيه حاولا تحليل الخطاب الإعلامي في الكيان الصهيوني طيلة أعوام الانتفاضة الطويلة، سواء على مستوى المحتوى الذي عرضت به وسائل الإعلام الصهيوني لتطورات الملف الفلسطيني أو على صعيد آراء المشاهدين داخل الكيان مما يرونه أو يسمعونه من صورٍ وأخبارٍ من مختلف المناطق الفلسطينية المحتلة وكذلك من داخل الكيان الصهيوني، والمساقات الإقليمية والدولية للحدث.

 

وقد قسَّم المؤلِّفَان الكتاب إلى خمسة فصول تناولت عدد من الموضوعات التي تجاوَزَتْ نطاق الدراسة الإعلامية التي يمثلها الكتاب؛ ففي الفصل الأول تناول المؤلفان بتوسُّع تاريخ الصراع العربي- الصهيوني منذ مرحلة ظهور الصهيونية والهجرات اليهودية الأولى إلى فلسطين وصولاً إلى مرحلة اتفاقيات التسوية الفلسطينية- الصهيونية التي تمَّ التوقيع عليها في التسعينيات الماضية ثم بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

 

وقد مرَّ المؤلِّفان بالكثير من المحطات الفارقة في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي- الصهيوني مثل الحروب العربية- الصهيونية واجتياح لبنان والمجازر الصهيونية في حق الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وغيرها.

 

وفي الفصول الثاني والثالث والرابع عرض المؤلفان لصلب الدراسة الإعلامية التي تُمَثِّل أساس الكتاب، إضافة إلى باب خامس ختامي حوى دراسة وافية للرأي العام الصهيوني وموقفه من التطورات السياسية والأمنية التي صاحبت الانتفاضة.

 

تاريخ من الدماء

من خلال الحقائق التاريخية التي أوردها الكتاب في فصله الأول الذي جاء بعنوان "تواريخ النزاع"- مع التحفُّظْ على كلمة "النزاع" باعتبارها توصيف سياسي وقانوني غير دقيق للصراع العربي- الصهيوني باعتبار أنَّها تساوي ما بين طرفي الأزمة في الشرق الأوسط من ناحية الوضع السياسي والقانوني، وكذلك من ناحية طبيعة حقوق كليهما في محور الأزمة وهي فلسطين، وبطبيعة الحال فإنَّ الكيان الصهيوني غير شرعي لا يمكن له خوض "نزاع" على "حقٍ ما" في المنطقة باعتبار أن وجوده من الأصل غير قانوني، ولذلك فإنَّ توصيف علاقة الفلسطينيين والعرب والمسلمين من جهة والصهاينة من جهة أُخرى بـ"الصراع" أكثر تعبيرًا وصدقيَّة عن واقع الأمر.

 

وقد حاول الغرب توصيف العلاقة بين العرب والكيان الصهيوني بـ"النزاع" وليس بـ"الصراع" سعيًا لتحقيق هدف رئيسي هو تطبيع وضعية الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والأوسطية، وجعلها على قدمِ المساواة مع طرف الصراع الآخر.

 

ومن خلال التفاصيل التي وَرَدَتْ في متنِ الكتاب فإنَّ هناك مجموعةً من السِّمَاتِ العامة التي طبعت الصراع العربي/ الإسلامي- الصهيوني، وأهمها:

 

1- أنَّ العُنْفَ هو السَّمْتُ الرئيسي الذي طبع المشروع الصهيوني، حتى من قبل مرحلة الحروب العربية- الصهيونية المعروفة، وجرائم المهاجرين اليهود الأوائل بحق عرب فلسطين تتحدث عن نفسها.

 

2- هناك أدلة حدثيَّة أو ظرفية- بلغة القانونيين- من خلال الثبت الشامل الذي وضعه الكتاب لتاريخ الصراع والقضية الفلسطينية يُوضِّح بجلاء أنَّ الكيان الصهيوني كيان غير شرعي، تمَّ فرضه بقرار دولي على الأراضي العربية في فلسطين، بعد مؤامرة اشتركت فيها القوى الكُبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، وكانت البداية مع الانتداب البريطاني على فلسطين ثم وعد بلفور.

 

وفي الجانب العسكري من تاريخ الصراع العربي- الصهيوني، أورد الكتاب تفاصيل مقززة عن جرائم الحرب التي ارتكبها الصهاينة في حق العرب في فلسطين ولبنان دون وازع من ضمير، ويكفي في هذا تفاصيل ما جرى خلال الحرب الأهلية اللبنانية [1975م- 1990م] والاجتياح الصهيوني الموسَّع للجنوب اللبناني في العام 1982م من اغتصاب جماعي واعتقالات وقتل على الهوية وغير ذلك.

 

أمَّا في الجانب السياسي فإنَّ مُطَالَعة الجزئيات الخاصة بالتسوية التي دارت ما بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني برعاية أمريكية ودولية توضح حجم المأساة السياسية التي كانت تتجه إليها القضية الفلسطينية، والتي قضت الانتفاضة على أي احتمال لاستمراريَّتِها على ذات النسق الذي كانت ترغب كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني فيه، من فرْض تسوية تُحَقِّق الأجندة الغربية والصهيونية في العالم العربي والإسلامي.

 

مجتمعٌ خائفٌ ومرتبكٌ!!

من صلب الدراسة ذاتها التي وردت في الكتاب والتي أجراها مؤلفاه حول الاتجاهات العامة للإعلام الصهيوني والرأي العام هناك عن الانتفاضة الفلسطينية والتطورات الأخيرة للصراع العربي- الصهيوني يمكن الخروج بالعديد من المؤشرات على النحو التالي:

 

1- الإعلام الصهيوني مُضَلِّل وخضع في مختلف تغطياته عن الشأن الفلسطيني لسيطرة الرقابة العسكرية، وعكس وجهة نظر أُحادية تمامًا تجاهلت الجرائم التي ارتكبتها القوات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

فكانت على سبيل المثال هناك مصطلحات أحادية الاتجاه وتُجافي أبسط قواعد المنطق والشرعية الإنسانية مثل وصف المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة بـ"الإرهاب" بالرغم من أنَّها مقاومة مشروعة باعتراف كل القوانين والشِّرْعَات، كما كان هناك سياسة عامة اتبعتها وسائل الإعلام الصهيونية المختلفة في التغطية عمدت إلى تصوير جرائم الحرب الصهيونية دائمًا على أنَّها ردود أفعال على عمليات المقاوةمة الفلسطينية.

 

2- أوضحت العديد من تغطيات الإعلام الصهيوني غياب الثقة في المقابل في أوساط الرأي العام الصهيوني عن درعه الأول؛ مؤسسته الأمنية والعسكرية مع إخفاقها في الحيلولة دون منع عمليات المقاومة الفلسطينية عن أنْ تطال بصواريخها واستشهادييها عمق الكيان الصهيوني من أسديروت إلى تل أبيب.

 

وبعيدًا عن هذا كان هناك قضية مهمة وردت من خلال المعلومات التي عكسها التحليل الذي أجراه فيلو وبيري للخطاب الإعلامي الصهيوني، ومؤشرات الرأي العام هناك- من خلال عينات من 190 نشرة إخبارية تليفزيونية وشهادة 100 من المجتمع الصهيوني بجانب عدد من المقالات والمواد الصحفية- وهي أنَّ أبرز نتائج الانتفاضة الفلسطينية الثانية هي أنَّها أنْتَجَت جيلاً كاملاً من الصهاينة الخائفين، وحوَّلَتْ المجتمع الصهيوني برمته إلى مجتمع خائف ومرتبك، شَلَّت حركته صواريخ المقاومة الفلسطينية محلية الصنع، والقنابل الاستشهادية الفلسطينية.

 

قضايا سياسية

ولم يفت الكتاب أنْ يتناول مجموعة من القضايا السياسية المتنوعة في الإطار العام له بعيدًا عن الجانب الإعلامي، ومن بينها سياسة رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات والتباين الذي كان موجودًا داخل المجتمع الصهيوني من سياساته بين اعتبار بعض الصهاينة لعرفات أنَّه (العدو الأول "لإسرائيل")، وبين اعتباره (رجل السلام الأول) لدى البعض الآخر.
وخلاف هذا التباين عن شخصية ياسر عرفات، كانت قضية العلاقات مع الطرف الأمريكي ودعمه للكيان الصهيوني على رأس قائمة اهتمامات الرأي العام الصهيوني، وكذلك العربي في فلسطين سواء في أراضي الـ67 أو فلسطين المحتلة في العام 1948م.

 

وقد كان الدعم السياسي والأمني الأمريكي للكيان الصهيوني حاسمًا في واقع الأمر في تقويض العديد من النتائج والمكاسب السياسية التي كان يمكن تحقيقها من وراء المنجز الذي حققته الانتفاضة، وكانت السياسة الرسمية لبعض الأطراف العربية للأسف الشديد وراء دعم هذه السياسة الأمريكية.