تحقيق- سالي مشالي
العيدية من أهم وأبرز مظاهر عيد الفطر المبارك، بل إنها تعد مميزة لعيد الفطر عن عيد الأضحي الذي يمتاز باللحم والفتة، وللعيدية مواقف لا تُنسى لدى الأطفال بل ولدى الكبار أيضًا، فالصغار يبدأون منذ الصباح الباكر بالوقوف في طريقِ الكبار في محاولةٍ لتذكيرهم بالعيدية، ويستطيع الطفل الأكثر جرأة أن يتقدم إلى أعمامه وأخواله قائلاً: أين عيديتي؟ ويتباهي كل طفل على رفاقه بالمبلغ الذي استطاع جمعه كعيدية، وكلما زاد المبلغ زاد طموحه في أوجه إنفاقه أو في زيادته إذا كان من هواة الادخار، ولا يختلف الأمر بالنسبة للكبار فالمخطوبة تنتظر العيدية من خطيبها، وويلٌ للزوج الذي لا يضع عيدية زوجته في حساباته، وكذلك الأب يضع في اعتباره بناته المتزوجات حديثًا، فزواجهن لا يعفيه من دفع العيدية لهنَّ، بل قد يضطر لدفعها مضاعفة حتى "يرفع" رأس ابنته أمام زوجها، ولا يقتصر الأمر على الأشخاص فبعض الهيئات والمؤسسات يمنحون الموظفين لديهم عيديات، ومن المهم أن تكون العيدية من أوراق نقدية جديدة فهي تُوحي بالفرحة، كما أن العيد مرتبطٌ بكل ما هو جديد، فالملابس جديدة والحذاء جديد وحتى "التوكة" جديدة.
والعيدية كلمة عربية منسوبة إلى العيد بمعنى العطاء أو العطف، وترجع هذه العادة إلى عصر المماليك، فكان السلطان المملوكي يصرف راتبًا بمناسبة العيد لأتباعه من الجنود والأمراء ومَن يعملون معه؛ وكان اسمها "الجامكية"، وتتفاوت قيمة العيدية تبعًا للراتب، فكانت تُقدم للبعض على شكل طبق مملوء بالدنانير الذهبية، وآخرون تُقدَّم لهم دنانير من الفضة، إلى جانب الدنانير كانت تقدم المأكولات الفاخرة، وفي العصر العثماني أخذت العيدية أشكالاً أخرى فتقدم نقودًا وهدايا للأطفال، واستمر هذا التقليد إلى العصر الحديث.
ويتذكر عبد الله مصطفى- محاسب- حياته مع العيدية، ويقول ضاحكًا في الماضي كانت العيدية أهم ما يُسعدني في العيد، ولكن هذا كان عندما كنت أنا الذي يقبض العيدية، أما الآن وعلى اعتبار أنني أصبحت ممن يُعطيها للصغار فقد أصبحت من دواعي أعبائي، ويكفي أنني اضطر لعمل ميزانية خصيصًا لها بالإضافة لملابسِ العيد والمصروفات الدورية الطبيعية.
أما سميرة إبراهيم- ربة منزل- فتقول: لقد حللت مشكلة العيدية بطريقتي الخاصة، فكل مَن يُعطي للأولاد عيدية آخذها من الأولاد وأذهب لأعطيها لأبناء هذا الشخص، وهكذا تستمر الدائرة في القبضِ والدفع ولا يظل للأولاد في النهاية إلا عيديتي أنا وأبيهم وأجدادهم، وهي أفضل من لا شيء.
العيدية ربع جنيه
ويُعبِّر عبد الحميد محمد- موظف- عن استيائه لأنه عندما توجَّه للبنك لاستبدال الأموال القديمة بأخرى جديدة لم يجد إلا عملات ورقية من فئةِ الربع جنيه وعملات معدنية من فئة الجنيه، ويتساءل: كيف أعطي الأولاد رزم من أوراق الربع جنيه فيسخرون مني ويعتبرونها إهانةً لهم وخاصةً أنها أصبحت عملةً لا تشتري شيئًا، ثم إن الأمر سيحتاج لرزمة كاملة إذا أردت دفع ثلاثين جنيهًا فما فوق مثلاً، أما العملة المعدنية فوجدتهم يضعونها في "صرر" كل صرة بها خمسة وعشرون جنيه، ورغم أنها شيء جديد لكن لا أعرف إن كانت ستلاقي إعجاب الأولاد أم لا.
وتعجَّب صلاح حسين- مدرس- من فكرةِ الربع جنيه ويقول: فكرة الربع جنيه الورقي رائعة، فميزة العيدية ليس في قيمتها المادية، وإنما في قيمتها المعنوية، وأنا أحب أن أُوزع على تلاميذي عملات من فئةِ الربع جنيه أخبرهم أنها عيدية ولكن لا يستحقها إلا المجتهد، فاجمع بين الحافز المادي والمعنوي، وأكتب لهم عليها كلمات صغيرة للذكرى، تُسعد الأولاد ويحتفظون بها لتذكرهم بهذه الأيام الجميلة.
عادة لا تنقطع
ويؤيد طارق مصطفى- محاسب- فكرة الحفاظ على عادة العيدية قائلاً: أعتقد أن العيدية مما يُميز أعياد المسلمين ولا ينبغي أن نتخلى عن هذه العادة الطيبة مهما كانت الظروف الاقتصادية، فلها من معاني التآلف والتقارب والاندماج بين المسلمين وعدم الشعور بالإحراج، كما أنها وجه من أوجه مساعدة الفقير بطريقة تحفظ عليه كرامته ولا تُجرحه وتسعد أبناءه.
ورغم أنَّ عم حسني إسماعيل زوَّج بناته الثلاثة إلا أنه ما زال يُعطيهن العيدية حتى الآن، يقول: أعرف أنَّ البنات ينتظرن العيدية التي أعطيهن إياها، فأوسع عليهنَّ في العيد ويستطعن شراء ما يردن بعيدًا عن تدخلاتِ أزواجهن، وهي عادة أتمنى على الله ألا تنقطع.
حب ومودة
ويرى د. حامد الهادي- أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق- أنَّ العيدية تُمثِّل أحد وجوه نشر العطف والمحبة بين الاطفال وإدخال الفرحة والسرور عليهم، كما أنها تُسهم في تنشئة الأطفال على العطاءِ والكرم بحيث يتعلم مَن يملك بعض المال أن يشاركه فيه الآخرون، وتساهم العيدية في إظهار الحب والمودة بين الكبار من خلال إعطائهم العيدية للصغار؛ لأن ملاطفة الأطفال يرقق قلوب الكبار.
ويضيف أن العيدية تساهم في تواصل الأجيال، فلا يكون الكبار في جانب والصغار في جانب، وإنما يحدث دمج بين الأجيال المختلفة فيعتاد الأطفال على أقاربهم الكبار ولا يهابونهم.
كما يرى الدكتور الهادي أن العيدية مدرسة اقتصادية عظيمة، فهي تمهيد للفطامِ الاقتصادي، فبعد سن معينة يُقال للأبناء لقد كبرتم على أخذ العيدية وحان وقت أن تُعطوا أنتم للأصغر منكم، ويُسهم هذا أيضًا في تعليمهم تحمُّل المسئولية فيُعطي الطفل الأكبر سنًّا من هو أصغر منه، وهذا مما يُشعر الطفل الكبير بالمسئولية تجاه الصغير، ويُشعر الصغير بالامتنان والاحترام تجاه الكبير الذي أعطاه عيدية، ويعطي للطفل ثقة بنفسه أنه قادر على العطاء.
بالإضافةِ لهذا فيعتبر أول دفتر توفير منزلي هو العيدية التي يتنافس الأطفال فيما بينهم مَن استطاع ادخار مبلغ أكبر ويسخرون ممن أنفق عيديته، وفي هذا تدريبٌ جيدٌ على حُسن إدارة المال واستهجان الإسراف والبذخ، كما أن وضع خطط إنفاق العيدية من التدريبات المهمة والمفيدة للأبناء ليتعلموا التخطيط ويشعروا بقيمة الادخار الذي ساعدهم على شراءِ ما كانوا يتمنون.
شركاء في القرار
وينتقد د. الهادي الأمهات اللاتي يأخذن العيدية من أبنائهن تحت دعوى ادخارها لهم وعدم إعادتها إليهم مرةً ثانيةً قائلاً: هذا التصرف يُوحي بعدم الثقة ويحرم الطفل من الإحساس بالأمان ويُعطي دلالةً بجواز الاستيلاء على حقوقِ الآخرين، وحتى لو كانت ظروف الأسرة تستدعي الاحتياج لهذه الأموال، فالأفضل في هذه الحالة أن تشرح الأم للأولاد احتياجاتِ البيت فتُشركهم معها في المسئولية وفي القرارِ، ويكون المساهمة بأموالهم مشاركةً منهم واختيارًا، كما أنها تستطيع في حالة شراء أشياء معينة للمنزل أن تقول هذه الأشياء أحضرناها من نقودِ فلان باسم الطفل صاحب المال، وهذا يُنمي جوانب إيجابية مهمة في هذا الطفل.
وهناك جانب اجتماعي غاية في الأهمية يلفت د. الهادي أنظارنا إليه، وهو أن الأهل من خلال العيدية يعلمون أبناءهم بصلاتِ القرابة ودرجاتها، فيأخذ من عمه أو خاله، ولا يأخذ من أشخاص علاقتهم بالأسرة سطحية مثلاً.
ويمتدح د. الهادي في النهاية قيام الآباء بإعطاء بناتهم المتزوجات عيديةً ويقول: إنَّ هذا مما يُشعر البنات بالأمان وأن آبائهن لم يتخلوا عن الإنفاق عليهن، ويعزز من موقفِ الزوجة عند زوجها وأهل زوجها.