تحقيق- عصام سيف الدين

كشفت دراسة بجامعة الأزهر أنَّ عدد المواطنين الذين يحلُّون على موائد الرحمن في مصر يبلغ 4 ملايين مواطن تقريبًا منهم على الأقل 3 ملايين من أطفال الشوارع يقوم بخدمتهم 20 ألف فرد، وأرجعت الدراسة السبب في ذلك أنه بالإضافة أن الأكل بدون مقابل فإن موائد الرحمن بالنسبة للأطفال الأمر الذي يؤدي إلى شيوع الألفة والمحبة بين  المقتدرين والمحتاجين، كما أنَّ هذه الموائد تُعوض أطفال الشوارع الذين فقدوا لمَّة العائلة وحضن الأسرة الدافئ ولم يبقَ لهم إلا لمَّة الموائد في رمضان وما تُقدمه لهم الأيادي الرحيمة مما يسد جوعهم ويُعوضهم أيام الفقر والحرمان في غير رمضان.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولةٍ على بعض الموائد والتقى ببعضِ الأطفال الذين تباينت مشاعرهم بين جو الأسرة وتوفير ثمن الوجبة.

 

في البداية قابلنا محمود حامد- 11 عامًا- قال إنه لم يُكمل تعليمه لأنَّ التعليمَ على حدِّ قوله "مش جايب همه"؛ فبعد وفاةِ والدته وزواج أبيه ترك البيت وبدأ رحلة الشارع التي وصفها بالأكثر حرية بالرغم من صعوبتها.

 

وأضاف أن مائدة الرحمن في رمضان هي التي تجعله ينتظر هذا الشهر من العام للعام مما بها من طعامٍ لا يأكله إلا نادرًا فوجبة الفراخ والأرز والطبيخ لا يأكلها إلا في مناسبةٍ كهذه، وأنه لا يمكن أن يتخيل رمضان بغيرها.

 

وأشار أنه لا يصوم فوالده لم يُكلِّمه عن فائدةِ الصوم وزوجة أبيه لم تُعطه الفرصةَ لكي يعرف معنى الصيام، كما أنه كان يتمنى أن يقضي رمضان في بيته مع أبيه وأمه، ولكن وفاة الأم وزواج الأب جعلها "مش فارقة معاه".

 

لحمة المائدة أهم

أحمد سيد- 13 عامًا- أوضح أنه ينتظر رمضان من كل عام حتى يتلذذ بموائدِ الرحمن وما تحويه من أطعمةٍ لا يكلفه أكلها إلا مشوار الذهاب فقط إلى المائدة.

 

وأنَّ هذا لا يأكله في الأيام العادية إلا إذا عطف عليه أحد وأعطاه ساندوتش لحمة، ويقول إن أكله في الظروف العادية لا يتعدى كسرة خبز ملقاة بجانبِ الطريق؛ ولذلك تُنقذه موائد الرحمن من هذه العيشة.

 

وأضاف أن لمَّة العائلة لا تفرق معه فهو يترك إخوانه يأكلون فولاً وطعميةً مع أسرته ليأكل في المائدة، فالمهم هو اللحم والأكل الأفضل، وعندما سألتُه هل يمكن أن تتخيل رمضان من غير مائدة رحمن؟ أجاب بالنفي وقال: لا يمكن فرمضان من غير مائدة لا يكون رمضانَ.

 

تعوضني حضن الأسرة

في المقابل يقول فتحي علي- 14 عامًا- إنه من محافظة المنيا وهو يعمل بمجال المعمار؛ لأن يوميته "كويسة:؛ لذلك ترك التعليم من الصف الثاني الابتدائي وجاء إلى مصر لكي يعمل ويساعد والديه في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها.

 

وأضاف أن صيام رمضان في القاهرة أمر بديهي بالنسبة له فهو يحرص على ذلك من أجل الإفطار على موائدِ الرحمن التي تضم أكلاتٍ شهية دون أن تُكلفه أية أموال، مشيرًا إلى أنه يريد توفير أكبر قدرٍ من المال حتى يرجع لبيته في العيد، وحول افتقاده لحضن الأسرة ولمَّة العائلة أكد أنه ليس بيديه، فالظروف أقوى من العاطفة، فهو يتمنى صيام رمضان مع أهله والجلوس معهم على مائدةٍ واحدةٍ، ولكن ما باليد حيلة، ولكنه يشعر بلمَّة العائلة على المائدة فمعظم بلدياته يفطرون معه، كما أن عدم دفع فلوس أهم شيء وهو ما يريده مني أهلي.

 

الحكومة لم تُقدِّم لهم إلا الفتات

من جانبها ترى الدكتورة حنان سالم- أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس- أن ظاهرة أطفال الشوارع بشكلٍ عامٍ من أخطر الظواهر وتعد قنابل موقوتة إن لم يُحسن التعامل معها، فالحكومة رفعت شعار ليس في الإمكان أبدع مما كان، وتطالب أهل الخير بأن يقيموا مثل هذه الموائد في غير رمضان تزكيةً للمال.. وحول دور وزارة التضامن الاجتماعي أكدت أن الوزارة ستقول إنني قمتُ بإنشاء جمعياتٍ مع العلم أن أكبر جمعية منها تحوي أكثر من 300 طفل.. فأين الباقون والذين وصل عددهم في محافظة القاهرة فقط إلى 3 ملايين طفل؟!
وتشدد على أن يكون للمسئولين دورٌ في عمليةِ التكافل الاجتماعي وأن يكون للرأسمالية الوطنية دور في احتواء هؤلاء الأطفال، كما طالبت بتحسين دخل أُسر هؤلاء الأطفال، مؤكدةً أن ذلك هو لُبُّ المشكلةِ التي دائمًا ما تتجاهلها حكوماتنا الرشيدة حتى يحموا أطفالهم من المصير المجهول في الشارع الذي سيكون مرجعيتهم فيما بعد يحدد سلوكياتهم ويُؤثِّر في تكوين شخصياتهم.