بقلم فضيلة الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب
إن ذروة الصيام وسنامه في هذه الدوحة الربانية هي مناجاة الحق جل وعلا بكلامه وفي مدارسة كتابه، وقد مضت السنة باستحباب اعتكاف المؤمنين في العشر الأواخر من رمضان، وكان المصطفى- صلى الله عليه وسلم- إذا دخل الثلث الأخير "شد مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله".
والاعتكاف: هو لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب لله عز وجل، مدةً من الزمن تقلُّ أو تكثر، والمكث في المسجد وهو إطراحٌ مؤقتٌ للدنيا وشئونها وللبيوت وهمومها، وإقبالٌ مضاعَفٌ على الآخرة وما فيها، وإنابةٌ حازمةٌ جادةٌ إلى الله عز وجل، والعاكف بالمسجد يتفرغ لطاعة ربه، ولا يُسمح له بالخروج من المسجد إلا لقضاء حاجته أو لإحضار طعامه إذا لم يكن له من يأتيه به، فإذا خرج من المسجد بطل الاعتكاف، ويلزم تجديد النية إذا عُدت بقصد الاعتكاف.
مشروعيته: وهو أمرٌ مشروعٌ، فقد تحدث القرآن بشأن بناء الكعبة في عهد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود﴾ (سورة البقرة: آية 125).
حكم الاعتكاف: اتفق العلماء على مشروعيته، وهو سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان؛ لحديث عائشة- رضي الله عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى ويقول: "تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ثم اعتكفت أزواجه من بعده" (أخرجه السبعة إلا ابن ماجة)، فإذا نذر عبدٌ أن يعتكف بأن قال لله عليَّ أن أعتكف كذا فحكمه هذا الوجوب للحديث "أوفِ بنذرك" (أخرجه الستة).
والاعتكاف المستحب: ليس له وقت معين، فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر، فعن يعلى بن أمية، قال: "إني لأمكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لأعتكف".
حقيقة الاعتكاف: المكث في المسجد بنية التقرب لله عز وجل قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ (سورة البينة: آية 5) ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" ويرى الإمام أحمد بن حنبل: أن المعتكف في العشر الأواخر من رمضان لا يستحب له مخالطة الناس، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلِّي لمناجاة مولاه، فالاعتكاف في حقيقته قطعٌ موقوتٌ لعلائق الناس للتشرف بخدمة الخالق.
أما زمن الاعتكاف: فالإمام مالك يرى أن أقله يومٌ وليلةٌ وقيل عشرة أيام، وقيل إنه يحصل بمجرد المكث في السجد مع النية ولو مارًّا بالمسجد ليلاً أو نهارًا، ويرى الشافعية أن أقله لحظةٌ، وهو مشهور عند مذهب أحمد، وينبغي لكل جالس في المسجد يتلو ورده أو ينتظر صلاةً أو يذاكر علمًا أن ينوي الاعتكاف فيُثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدَّد النية، وليس للاعتكاف ذكر مخصوص، بل التسبيح والاستغفار، وتلاوة القرآن والتفكر والتدبر كلها محمودة ومقبولة إن شاء الله.
أما شروط الاعتكاف: فهي النية والإسلام والتمييز، فلا يصح من كافر ولا غير مميز، والطهارة من الحدث الأكبر، فلا يصح من حائض ولا نفساء ولا جنب، والكف عن شهوة الفرج والوطء ولو ليلاً خارج المسجد ببطنه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 187)، ويحرُم على المعتكف كلُّ مقدمات الوطء، كالقبلة واللمس والانشغال بهذه الشهوات، بل الواجب عليه أن يحقق معنَى العبودية لله في هذه الفترة العظيمة من عمره.
مكان الاعتكاف: يرى بعض العلماء أن الاعتكاف يصحُّ في كل مسجد تُصلَّي فيه الصلوات الخمس، وتقام فيه الجماعة، ويرى الإمام مالك والشافعي إلى أنه يصح في كل مسجد من غير تخصيص، وذهب البعض إلى أن الاعتكاف يكون في المسجد الجامع، وللمعتكف أن يؤذن في المئذنة ويصعد على ظهر المسجد ما لم يكن باب المئذنة خارج المسجد.
ويرى جمهور العلماء أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها، وقد صحَّ أن أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- اعتكفن في المسجد النبوي.
وإذا نوى المعتكف اعتكاف العشر الأواخر من رمضان فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس، ليلة الحادي والعشرين من رمضان، ويخرج بعد غروب الشمس، آخر يوم من الشهر.
يستحب للمعتكف: أن يداوم على الطاعات وعلى ذكر الله والإكثار من النوافل، والتسبيح والتحميد والتكبير والاستغفار والصلاة على النبي صلوات الله وسلامه عليه والدعاء، والتضرع، وأيضًا دراسة العلم وقراءة سِيَر الصالحين من السف الصالح، ولا يشغل نفسه بما لا يعنيه، من قول أو عمل، ففي الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
إن من يحمل أعباء الرسالة ويُنذر نفسَه لتخليص هذا العالم من قيود الخرافات والضلال لا بد له من الانتساب الحقيقي لمدرسة رمضان، بما فيها من ضبط للنفس وتربية على الجهاد، ومن انتصر على نفسه كان على غيرها أقدر، وأقصرُ طريق لسيادة منهج الله في الأرض هو سيادته وهيمنته على أنفسنا "أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تَقُم على أرضكم".