من تراث الشيخ محمد الغزالي في ذكرى الإمام المؤسس

الأستاذ الإمام حسن البنا أصفه ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة، فقد وضع جملةَ مبادئٍ تجمع الشمل المتفرق، وتوضح الهدف الغائم، وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، وتتناول ما عراهم خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء بيد آسية، وعين لمَّاحة، فلا تدع سببًا لضعف أو خمول.
 
ولقد قمت بتأصيل هذه المبادئ وشرحها على ضوء تجاربي المستفادة خلال أربعين عامًا في ميدان الدعوة، قضيت بعضها مع الإمام الشهيد، وبعضها مع الرجال الذين رباهم، وبعضًا آخر مع مؤمنين أحبوا دينهم، وجاهدوا في سبيله، وقاوموا ببأس شديد جميع القوى التي أغارت عليه وحاولت إطفاء نوره، وتنكيس رايته.

شرحتُ الأصول العشرين المندرجة تحت ركن الفهم الركن الأول من الأركان العشر، التي جمع عليها الإمام البنا إخوانه، ووجدت أن هذه الأصول من الممكن أن يجتمع عليها المسلمون ولا يتفرقون؛ لذلك عنونت الكتاب الذي يشرحها بـ(دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين)، ووجدت أن الظروف التي بدأ فيها حسن البنا دعوته ما تزال قائمةً مع خلاف طفيف حينًا وكثيف حينًا آخر.

وهذه الظروف تنشأ من منبعين رئيسين:

الاستعمار العالمي الذي اكتسح بتفوقه المدني والعسكري كل شبر من أرض الإسلام، وحاول تغيير معالمها جملةً وتفصيلاً لمصالحه وأهدافه الخاصة.
 
والمنبع الآخر- وهو الأخطر والأخبث- يجيء من الأمراض التي استشرت في الكيان الإسلامي نفسه، نتيجة فساد عام في أحواله المادية والأدبية، العلمية والعملية، الفردية والاجتماعية، التربوية والسياسية.. كان ذلك في مبادئ القرن الرابع عشر وأواسطه، ولا ريبَ أن الأخلاف العانين كانوا يحصدون ثمرات انحراف قديم، وإسفاف غبرت عليه أيام كالحة!!

ومن الخطأ القول بأن حسن البنا أول من رفع راية المقاومة في هذا القرن الذليل.. لقد سبقه في المشرق العربي والمغرب العربي وأعماق الهند وإندونيسيا وغيرهما رجال اشتبكوا مع الأعداء في ميادين الحرب والسياسة والتعليم والتربية، وأبلوا بلاءً حسنًا في خدمة دينهم وأمتهم.

وليس يضيرهم أبدًا أنهم انهزموا آخر الأمر، فقد أدَّوا واجبهم لله، وأتمَّ مَن بعدهم بقية الشوط الذي هلكوا دونه.

إن حسن البنا استفاد من تجارب القادة الذين سبقوه، وجمع الله في شخصه مواهب تفرقت في أناس كثيرين.. كان مدمنًا لتلاوة القرآن يتلوه بصوت رخيم، وكان يحسن تفسيره كأنه الطبري أو القرطبي، وله مقدرة ملحوظة على فهم أصعب المعاني ثم عرضها على الجماهير بأسلوب سهل قريب، وهو لم يحمل عنوان التصوُّف، بل قد أبعد من طريقة كانت تنتمي إليها بيئته.

ومع ذلك فإن أسلوبه في التربية وتعهد الأتباع وإشعاع مشاعر الحب في الله كان يذكِّر بالحارث المحاسبي وأبي حامد الغزالي.. وقد درس السنة المطهرة على والده الذي أعاد ترتيب مسند أحمد بن حنبل، كما درس الفقه المذهبي باقتضاب فأفاده ذلك بصرًا سديدًا بمنهج السلف والخلف، ووقف حسن البنا على منهج محمد عبده وتلميذه صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا، ولعله كان أقدر الناس على رفع المستوى الفكري للجماهير، مع محاورة لبقةٍ للابتعاد عن أسباب الخلاف ومظاهر التعصب.

وقد أحاط الأستاذ البنا بالتاريخ الإسلامي، وتتبَّع عوامل المد والجزر في مراحله المختلفة، وتعمق تعمقًا شديدًا في حاضر العالم الإسلامي، ومؤامرات الاحتلال الأجنبي ضده، ثم- في صمت غريب- أخذ الرجل الصالح يتنقل في مدن مصر وقراها، وأظنه دخل ثلاثة آلاف قرية من القرى الأربعة الآلاف التي تكوِّن القطر كله.

وخلال عشرين عامًا تقريبًا صنع الجماعة التي صدعت الاستعمار الثقافي والعسكري، ونفخت روح الحياة في الجسد الهامد، ثم تحركت أمريكا وإنجلترا وفرنسا، وأرسلت سفراءَها إلى حكومة الملك فاروق، طالبين حل جماعة الإخوان المسلمين، وحُلَّت الجماعة، وقُتل إمامها الشاب الذي بلغ اثنتين وأربعين سنة من العمر، وحملته أكفُّ النساء مع والده الشيخ الثاكل إلى مثواه الأخير، فإنَّ الشرطة كانت تطاردنا- نحن المشيِّعين- حتى لا نقترب من مسجد "قيسون" الذي بدأت منه الجنازة!!

لقد بدأ حسن البنا عمله من الصفر، وشرع دون ضجيج يُحيي الإسلام المستكنَّ في القلوب، ويوجِّهه للعمل!! ويكفي الإمام الشهيد شرفًا أنه صانع الشباب الذين نسفوا معسكرات الإنجليز على ضفاف القناة، وما زالوا بهم حتى أغروهم بالرحيل!! ويكفيه شرفًا أنه صانع الشباب الذين ما اشتبكوا مع اليهود في حرب إلا ألحقوا بهم الهزيمة وأجبروهم على الهرب.

إن ذلك هو ما جعل الاستعمار مصرًّا على معاداة هذه المدرسة، وإلحاق الأذى بها حيثما ظهرت.. لقد بدأت العمل مع حسن البنا وأنا طالب في الأزهر، من خمس وأربعين سنة تقريبًا، والحالة العامة يومئذ جديرة بالتسجيل.. الحكم منفصل عن العلم، وهو انفصال مبكر في تاريخنا للأسف، والتعليم قسمان مدني وديني، وهو عمل استعماري بارع لضرب الدين والدنيا معًا، والتعليم الديني منقسم على نفسه، فالفقهاء شيء، والمتصوفة شيء آخر، والمتصوفون فرق لهم رايات وشارات مختلفة، والفقهاء توزَّعوا على المذاهب الأربعة، ويرفض أحدهم الصلاة وراء الآخر إلا مضطرًا، ثم نشب خلاف زاد الطين بلةً بين هؤلاء جميعًا وبين أهل الحديث، ودخلت الوهابية المعركة باسم أنصار السنة، فاستعرت الحرب بينها وبين هذه وتلك، ووُلدت الأحزاب السياسية بعيدةً عن الهوس الديني جاعلةً الوطنية شعارها، وانقسمت هذه الأحزاب بين ضالع مع القصر الملكي ومؤيد للتيار الشعبي.

ثم تسللت الشيوعية مستغلةً الفقر السائد، وعارضةً ما لديها من فنون الإغراء، وظهر مستغلُّون في مجال العمل السياسي، وآخرون يقصرون نشاطهم على العمل الاجتماعي وحده، وسط هذا البلاء والتمزق الشامل كان حسن البنا يدعو إلى الإسلام دينًا ودولةً، ويتخلص بلباقة من الآثار الموروثة والأهواء الوافدة.. كان يحارب التقاليد الغربية بنفس العزم الذي يحارب به الغزو الفكري.

وأشهد أنه محق ذاته في مرضاة الله، وبذل النصح للعامة والخاصة، وكان يضنُّ بالدقيقة من يومه أن تضيع في غير مصلحة الإسلام والمسلمين، وأشهد أنه رجل موفَّق، لا شبيهَ له في تأليف الهمم والألباب وتحشيد الشيوخ والشباب لخدمة الإسلام ومدِّ أشعته في الآفاق.

أسأل الله ذا الجلال والإكرام أن لا يحرمنا أجره، وأن لا يفتننا بعده، وأن يغفر لي ما قدمت وما أخرت.. إنه أهل التقوى وأهل المغفرة.
------------
محمد الغزالي- القاهرة أول المحرم سنة 1401 هجرية- أول القرن الخامس عشر الهجري.