للشيخ: عيسى عبدالعليم عبدالحميد- من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين (يرحمه الله)

3 حقائق لرحلة الدنيا في سورة الأنعام

(1) غاية الحياة

قد يقوم الإنسان بين الحين والآخر برحلة مخططة، ولها هدف وغاية، وأحيانًا قد تكون رحلة حرة تفتقد إلى التخطيط لا يتقيد فيها بشيء.

والسؤال الذي يدور بالذهن: هل رحله الحياة الدنيا مخططة أم رحلة حرة؟! ويجيب القرآن عن هذا السؤال بأن رحله الحياة رحلة مخططة لها منهج وأهداف وخطوات محددة، أي لها خط سير، من يخرج عنه يتوه ويخرج عن جادة الطريق.. نجد هذه الإجابة في قول الله- عز وجل-: "أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)" (الأنعام).

والمتأمل لهذه الآيات يجد أنها تتضمن ثلاث حقائق أساسية متعلقة برحلة الإنسان الدنيوية:

- إن هذه الرحلة لها منهج محدد، وضعه العليم القدير في كتابه الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا بيَّنها ووضَّحها، وقد نبهنا الله إلى ذلك بسؤال إنكاري موجَّه إلى حبيبه- صلى الله عليه وسلم-: "أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا" فهو حكم مفصل مبين، رسم لنا خط السير، أوله هنا في الحياة الدنيا وآخره الجنة إذا استقام الإنسان عليه.

- الحقيقة الثانية أن أهل الكتاب- وكل من يسير في ركابهم- يعلمون أن هذا الكتاب حق منزل من عند الله، وهذه الحقيقة لا تتغير على مر العصور وعلى مر الأجيال المتعاقبة, والدليل على ذلك أنهم يريدون ألا تنهض أمه الإسلام من كبوتها أو أن تفيق من سباتها (المؤقت بإذن الله)، ونأخذ مثالاً من العصر الحديث؛ إذ نجد أمريكا تمنع المعونات أو تشنُّ الحروب على الدول التي تسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية، بينما تغض الطرف عما يدور في فلسطين وما يتعرض له الشعب المسلم هناك من محاولات الإبادة على أيدي الصهاينة!! تفعل ذلك حتى لا ينهض المسلمون من كبوتهم فيزيلوا نفوذها ويحطموا دولتها التي قامت على الظلم والطغيان والعدوان.. كل ذلك لأنها تدرك أن المسلين على حق.

- الحقيقة الثالثة التي تُفهم من آيات سورة الأنعام هي أن استقامة الإنسان في هذه الحياة لا تكون إلا باتباع منهج الله في جميع مناحي الحياة: في بيته، مع أولاده، في عمله، رافعًا شعار: "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)" (الأنعام)، وأن لا يكون الإنسان سلبيًا في حياته.. يقول دائمًا: ماذا أفعل؟! ماذا أقول؟! بل يكون الفيصل في كل أعماله: ?أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا?، وأن يستمسك بما أمر الله ولا يغتر بانتفاش الباطل بسبب كثرة أتباعه، فعلى الإنسان منا أن يتذكر دائمًا موقفَه بين يدي الله يوم القيامة، وينطلق في دروب الحياة مُردِّدًا: "لا أبتغي حكمًا غير الله- عز وجل- هو الذي نخشاه.. لا نخشى أحدًا سواه".

 (2) حزب الشهوات

إن ربنا- عز وجل- رحمن رحيم، يرحم عباده، يكلؤهم برعايته آناء الليل وأطراف النهار، ومن رحمة الله العظمى بعباده أنه لم يتركهم في تيه الحياة دون دليل أو مرشد، وإنما هداهم أو هدى فطرهم، فبين لهم طريق الخير وطريق الشر: "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)" (البلد)، أي وضحنا لكل إنسان أين طريق الخير وأين طريق الشر؛ فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها.

والله نادى عباده نداءَ المحب الذي يريد أن يهتدوا، ولكن جعل لهم عقلاً يسترشدوا به، وجعل لهم خيارًا يختارونه، ودعنا نتأمل قول الله- عز وجل- في سورة النساء: "يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)" (النساء).. هذه الآيات جاءت معقبةً على آيات النساء المحرمات والتي توضح العلاقة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالزواج وغيره، وينادي الله عباده نداء المحب ?يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ? نداء فيه وُدٌّ، فيه رحمة، فيه قُرب، فالله يأخذ بأيدينا إلى الطريق الصحيح الذي سلكته البشرية الراشدة من قبلنا، يبين لنا حتى لا نضل ويوضح لنا حتى لا نغفل.

وعليك أخي أن تدرك أن هذا النداء جاء من القوي القادر، مالك الملك، خالق السموات والأرض، الذي لا يحتاج إلى أحد من عباده، ويوجهه إلى من؟! إلى الضعيف الفقير المحتاج الذي لا يستطيع أن يستغني عن ربه.. الله ينادي لأنه يريد أن يتوب على البشر، إذا أخطأوا.. يتقبل توبتهم، ويغفر ذلاتهم ويستجيب دعواتهم، ويوضح لنا أن هناك عدوًا له من الأتباع.. الكثير والكثير يتربص بنا هو الشيطان: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا" (فاطر: من الآية 6).

وللشيطان أتباع من البشر يجمعهم حزب اسمه (حزب الشهوات)، لهم مبدأ واحد هو إغراق الإنسان في الشهوات "وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا"، ويتضح من الآية أمران، الأول: أن أصحاب الشهوات لا يتركون أصحاب الاستقامة على حالهم كل يمض في سبيله لأنهم يريدون لأهل التقوى والصلاح أن ينحرفوا عن طريق هم الذي اختاره الله لهم، أما الأمر الثاني فهو أن مدلول الآية يوضح أن حزب الشهوات حزب منظم له إرادة وله هدف وهو صرف أهل الخير عن خيرهم، وهذا كله نتيجة لأمر قرره رب العزة وهو الصراع الدائم بين أهل الخير (حزب الله) ,أهل الشر (حزب الشهوات).

والمعروف أن كل ما يجمع حزب الشهوات هي المتع الجسدية "يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ" (محمد: من الآية 12) والعاقل من وعى هذه القضية وتنبه إلى أسلحة حزب الشهوات الفتاكة، والله بين ذلك حتى لا يترك حجةً وعذرًا للفرد منا، فأصبح لا يخفى على أحد أن البشرية إذا سلكت طريق الشر ضاعت وهلكت، وهذا الضياع قد يواجه الإنسان على المستوى الفردي فإذا اتبع الفرد شهوته وسار في ركاب حزب الشهوات فوزره على نفسه، والهلاك مصيره في الدنيا قبل الآخرة.

(3) كيد اليهود

إذا وعينا هذه الحقائق جيدًا عرفنا ما يحدث الآن في عالمنا المعاصر، فحزب الشهوات (المتمثل في اليهود) يغرق العالم في الشهوات بجميع أنواعها، فهم الذين يقودون المرأة إلى العري، والشباب إلى الفسوق، والمجتمعات إلى التحلل.. فكل مصيبة وشهوة يقف وراءها اليهود، فهم الذين أوجدوا حضارة الشهوات في العالم كله، ويوجهون سهام حضارتهم تلك إلى أبناء الإسلام: انتشار المخدرات، انتشار العري والفسق، انتشار الموبقات، وهذا الانتشار منظم وموجه لضرب عقيدة أمة الإسلام، وتجريد شباب الإسلام من أخص خصائصه؛ بإغراقهم في بحر الشهوات الجامحة.. قال تعالى: "وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا".

بنفسك فابدأ

اعلم- أخي- أكرمك الله أن كل قضية عامة يخص الإنسان منها جانبًا؛ لأن عموم القضية لا يحدد المسئولية، والله حين أوضح القضية أوضحها على سبيل الانفراد وليس على سبيل الجماعة فقط.

أخي الكريم.. اجلس في بيتك، اخرج إلى عملك.. تعامل مع الناس، ولكن اعلم جيدًا أن هناك طريقين لا ثالث لهما، على رأس كل طريق حزب قائم بذاته معتد بصفاته: طريق الخير الذي يسلكه حزب الله، وطريق الشر الذي يسلكه حزب الشهوات مهاجمًا بكل ضراوة مستخدمًا الأسلحة التي تبحر بالإنسان بعيدًا عن طريق الخير.

أخي الحبيب.. لكل قضيه بدء.. فقف مع نفسك، وحدد موقفك مع حزب الله أم مع حزب الشهوات؟! واعلم أنه لا يمكن أن تكون مع الطرفين في وقت واحد!!