قضت مشيئة الله تعالى أن ينتصر الحق بجهاد بشَر لا بكلمته الكونية النافذة (كن فيكون)؛ حيث قال تعالى ﴿ولَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ ولَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ (محمد: 4).

ثم إن الله- عز وجل- قد ادخر ميقات النصر في خزائن الغيب عنده، فإن تهيأت أسبابه المقدَّرة نزل على من ظلوا في الساحة رافعين الراية؛ ليكونوا حينئذ ستارًا للقدرة، ويرجعوا بجزيل الأجرة ﴿ومَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126).

وحين تثور قوى الباطل لزحزحة أهل الحق عن طريقهم يصبح الثبات من أُولى الصفات اللازمة لنصر المرحلة وأَوْلاها كذلك؛ حتى تتواصل مسيرة الحق متخطيةً العوائق الصادة والفتن الصارفة عن الجادة؛ حتى يجيء الحين المقرر للنصر والتمكين ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ، بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 4-5).

صور الثبات

لا شكَّ أن الثبات المطلوب تتنوع صوره، فمنها: الثبات في وجه الشبهات المشككة، والثبات أمام المغريات الفاتنة، والثبات في مواجهة بطش الظالمين، والثبات في الميدان عند الزحف، والثبات مع كرِّ الأيام والليالي بفتنها وتقلباتها، بل والثبات- أيضًا- عند توافر أسباب النصر أو تحققه.

ورغم حاجة أجناد الحق إلى هذه الأنواع جميعًا إلا أننا نتواصى بما تستلزمه الظروف الحالية التي تمر بها الدعوة ورجالها، ومنها:

* الثبات أمام بطش الظالمين

يعتبر البطش والتنكيل من أساليب المبطلين الشائعة والمتكررة عبر التاريخ، حين يغيظهم استمساك أهل الحق وصلابتهم، فيثورون عليهم محاولين القضاء عليهم- إن استطاعوا- أو إزاحتهم عن طريقهم على الأقل بكل الوسائل الدنيئة، وقد ذاق الصحابة الكرام العذابَ ألوانًا من أعدائهم، فما وهَنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعُفوا وما استكانوا:

- فهذا بلال (رضي الله عنه) يجرَّد من ثيابه، ويُلقى على نار البطحاء، وتوضَع الصخرة العظيمة الملتهبة على صدره، فلا يزال يعلن عقيدته (أحد.. أحد)، مستخفًّا بهؤلاء الظالمين، متحديًا لهم مصرًّا على مبدئه معتزًّا به، مهما لاقى في سبيله.

- وهذا خباب بن الأرتّ (رضي الله عنه) يلقونه على فحم ملتهب، ويضعون الصخرة فوقه؛ حتى لا يستطيع فكاكًا من حريقه.

- وهذا أفلح (رضي الله عنه)- مولى بني عبدالدار- يربطونه من رجليه ويجرُّونه بخيولهم ليسحلوه.

- وهذا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) يلفُّه عمه بحصير ثم يدخن عليه ليخنقه فيه.

ولما طال أمد العذاب والبلاء ذهبوا يلتمسون الخلاص عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قائلين: يا رسول الله، أهكذا الدهر؟ ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فلم يجبْهم إلى ما أرادوا لأنه- صلى الله عليه وسلم- يعلم سنة الله في الدعوات سابقًا ولاحقًا، وما كان لمثله- صلى الله عليه وسلم- أن يصادمها أو يعترض طريقها، وإنما هو أولى من يسايرها ويوافقها، فما زاد- صلى الله عليه وسلم- على أن ذكَّرهم بمَن سبقوهم على درب الإيمان؛ حيث كان يُؤتَى بالرجل منهم فيُحفر له حفرة فيوضع فيها، ثم يُؤتى بالمنشار فيشقُّ نصفين ويمشَّط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، فلا يرده ذلك عن دينه، ثم لم يفُته- صلى الله عليه وسلم- في هذا المقام أن يبشِّرَهم ويبعثَ فيهم الأمل بقوله: "والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون".

* الثبات في الميدان عند الزحف

فحين تتقابل الصفوف والرايات في ساحة من الساحات يكون الثبات هو واجب الساعة؛ امتثالاً لأمر الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45).

والثبات هنا مطلوب لغايتين:

الأولى: أن يبقى أُسْد الحق يصولون في الميدان ويجولون، ورايات الحق تخفق في أيديهم، يعلنون الانتصار ويضطرون أتباع الباطل إلى الانهزام والفرار.

والثانية: أن يمنعوا ما وراءهم من قيم ومبادئ ومناهج وحرمات من أن يعتديَ عليها معتدٍ أو يرومَها بسوء.

راية الحق دائمًا عالية

ومن ثم نعرف سرَّ الحرص العجيب على بقاء الراية مرفوعةً مرفرفةً، كما رأينا من موقف جعفر (رضي الله عنه)؛ حيث لم تسمح نفسُه الأبيَّة بتنكيس الراية حتى بعد قطع كلتا يديه، فاحتضنها بعضديه، فكان جزاؤه من مثل عمله حين أبدله الكريم- عز وجل- عوضًا عنهما جناحين يطير بهما في أرجاء الجنة؛ حيث يشاء، ومن ثم- أيضًا- نعرف سرَّ العقوبة الهائلة الزاجرة للفرار عند الزحف، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ومَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ (الأنفال: 16).

* الثبات مع كر الأيام والليالي

فقد يفرط المرء في مبدئه وتسترخي قبضته عن دور الحق الذي معه لمجرد كرِّ الأيام والليالي، ويُعتبر طولُ الأمد من أخطر الأسباب الصارفة عن الطريق؛ حيث لا يواجه المرء هنا عدوًّا ماثلاً يريد استلاب دينه وعقيدته فيفجِّر فيه طاقة التصدي والتحدي؛ ولذلك اعتبر القرآن أهلَ هذا النوع من الثبات صفوةَ المؤمنين، فقال تعالى ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23)، ومن توفيق الله للأستاذ البنا (رحمه الله) أن اختص ركن الثبات بهذا المعنى، فقال "وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا في سبيل غايته مهما بعُدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام.

معينات على الثبات

إن الثبات لا يرتبط بصحة أو شباب أو علم، وإنما هو منَّةٌ محضةٌ يهبها الله- عز وجل- لمن تهيَّأ لها من عباده بمثل ما يلي:

- قوة الإيمان ولزوم الطاعة

فقد جعل الله تعالى الإيمان شرطًا لمن يستحق أن يكرمَه بالتثبيت، فقال تعالى ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال: 12)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: 38)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "تعرَّفْ إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدة"، وذلك بالتقرب إليه- سبحانه وتعالى- بصور الطاعات "من الصلاة فرضًا ونفلاً وتهجدًا، والصيام في الهواجر والذكر الكثير والتلاوة المتدبرة والدعاء الضارع.." وتلمُّسِ مَواطن رضاه- عز وجل- والمسارعة إليها واتقاء أسباب سخطه والفرار منها.. وهكذا.

الإخلاص واليقين

فمن انشغل بالنظر إلى ربه وصرفَ النظرَ عن خلقه نجَّّاه الله من الفتن والمحن، وقد أشار إلى ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم-: "طوبى للمخلصين.. أولئك مصابيح الهدى.. تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء"، وأشار إليه أيضًا خبر أصحاب الغار الثلاثة، ومَن أيقن بأن الأجل والرزق والأمر كله بيد الله وحده امتلأ قلبُه قوةً وثباتًا، فلا يفرِّط في مبدأ، ولا ينحني لظالم؛ فإنه مهما بلغ عتوُّه وطغيانُه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.. فما بالك بغيره..!

ذل العبودية

فكلما أظهر العبد لربه- عز وجل- الذلة والمسكنة والضعف والعجز والفقر، وتبرَّأ من الحول والقوة والطول كان أقرب تعرضًا لفيوضات المعية والتثبيت، فقد غدر قاطع طريق برجل رباني يعمل حمَّالاً، وذلك في خلاء موحِش، وامتشق سيفَه ليقتلَه، فاستأذنه الحمَّال في ركعتين يصليهما، فأذن له ولكن القرآن ارتجَّ عليه فلم يحضره إلا قوله تعالى ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ﴾ (النمل: 62)، فظل يرددها والآخر يتعجَّله، فإذا بفارس كأنما انشقَّت الأرض عنه يسرع نحو الظالم فيقتله ثم يولي مدبرًا فيلحق به الحمَّال متسائلاً: مَن أنت يرحمك الله!! فيرد: أنا عبدُ مَن يجيب المضطر إذا دعاه.

الاعتزاز بالحق

فرجل المبدأ يعتز بالحق الذي هو عليه؛ لأنه يوقن بقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (يونس: 32)، وهذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تُعرَض عليه إغراءات المُلك والمال فيقول كلمة الاعتزاز الرائعة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

وقد تشرب منه أصحابه (رضوان الله عليهم) هذا الاعتزاز بدينهم، ويكفي أن نشير إلى موقف عبدالله بن حذافة (رضي الله عنه)؛ إذ عرض عليه ملك الروم أن يترك الإسلام ويتبع النصرانية وله نصف ملكه، فإذا به يفاجَأ بقوله: "والله لو كان لي ملكك وسبعةُ أمثاله على أن أترك دين محمد طرفةَ عين ما تركته".. فياله من موقف مدهش ينمُّ عن اعتزاز هائل بالحق حين يرفض هذا العرض المغري أسيرٌ معرَّض لصنوف التعذيب البشع بل للهلاك- أيضًا- في أية لحظة.

الثقة في نصر الله

فمهما طال الليل واشتد الظلام فلا بد أن يبزغ الفجر ويحلَّ النهار ويعمَّ النور، فهذه عقيدة عميقة في قلوب أصحاب الدعوات؛ لأنهم استمعوا بهذه القلوب إلى قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5، 6)، وإلى قوله تعالى- أيضًا- ﴿حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: 110).

وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يخرج مهاجرًا مطاردًا وهو أعزل، فيدركه سراقة بن مالك الذي يطارده وهو مدجَّج بسلاحه، فتكون المفاجأة أن يعدَه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بسواري كسرى، يا ألله..!! أهكذا يكون اليقين في ظهور هذا الدين، وانتشاره في الآفاق، وإخضاعه للممالك الكبرى في أرجاء الأرض؟! نعم نعم.. وأكثر من ذلك ما كان منه- صلى الله عليه وسلم- إبَّان حفر الخندق إذ كانوا يلجأون إليه- صلى الله عليه وسلم- إذا استعصت عليهم صخرةٌ ما فيبشرهم مع ضربات معوله- صلى الله عليه وسلم- بفتح فارس والمدائن واليمن، ويقسم أنه يرى قصورها في تلك اللحظة، فهكذا كان يقينه- صلى الله عليه وسلم- بانتصار الحق والتمكين له .. وهكذا ينبغي أن نكون، ألم نسمع قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:21).

فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك ودعوتك؛ حتى نلقاك مع الصادقين، وأنت عنا راضٍ.. آمين.