رغم أنه نجا من محاولة سابقة لنزع الثقة عنه وعزله من جانب الكونجرس بسبب التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016، بسبب عدم كفاية الأدلة، يواجه الرئيس الأمريكي ترامب هذه المرة تصميمًا جديًّا من قبل نواب الكونجرس الديمقراطيين لعزله؛ بسبب فضيحة اتصاله برئيس أوكرانيا للتدخل في الانتخابات الأمريكية المقبلة.

حيث أعلنت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي أن مجلس النواب سيبدأ بالنظر في مسألة عزل الرئيس دونالد ترامب على خلفية المعلومات حول ضغطه على أوكرانيا لمصلحته السياسية، وأكدت أنه "يجب محاسبة الرئيس، ولا يوجد أحد فوق القانون".

فقد اتصل ترامب برئيس أوكرانيا وهدده بوقف المعونة العسكرية الأمريكية لأوكرانيا إذا لم يبدأ إجراءات قانونية ضد ابن جو بايدن المرشح الديمقراطي الأوفر حظًّا حتى الآن لمنافسة ترامب العام القادم، وطلب الكونجرس من البيت الأبيض تفريغ المكالمة، وتهرّب ترامب المتهم باستغلال صلاحياته لمنفعة انتخابية وطلب مساعدة انتخابية من دولة أجنبية وبتهديد الأمن القومي الأمريكي.

إذ إن طلب ترامب مساعدة أوكرانيا هدفه تشويه سمعة المرشح الديمقراطي المحتمل للانتخابات الرئاسية عام 2020، جو بايدن، لذلك قال رئيس لجنة مجلس النواب للطرق والوسائل الخاصة بالضرائب، ريتشارد نيل - في أعقاب لقائه رئيسة مجلس النواب - إنه تم اتخاذ القرار بالمضي قدمًا بإجراءات عزل الرئيس، مشيرا إلى أن هذا الموقف حظي بتأييد رؤساء اللجان الأخرى.

ويواجه ترامب اتهامات بتأجيل تقديم حزمة مساعدات لأوكرانيا بحجم نحو 400 مليون دولار للضغط على الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، لتفتح السلطات الأوكرانية تحقيقًا مع نجل جو بايدن، واعترف ترامب بتأجيل المساعدات، لكنه نفى ممارسة أي ضغط على أوكرانيا لمصلحته السياسية.

وقالت بيلوسي - تعليقًا على المعلومات حول ضغط ترامب على أوكرانيا من أجل فتح تحقيق مع نجل المرشح المحتمل للرئاسة عن الحزب الديمقراطي جو بايدن -: إنه لم يحق لترامب أن يطلب من حكومة أجنبية فتح تحقيق يخص منافسه السياسي، حتى إن لم يربط فتح التحقيق مع تقديم المساعدات.

وعلى الرغم من الحديث عن أن مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه حزب ترامب قد يرفض العزل إذا وافق مجلس النواب الذي يسيطر عليه خصوم ترامب، فهذه أول مرة يواجه فيها ترامب تهديدًا جادًّا بالعزل؛ لأنه متوقع أن يصوت جمهوريون على العزل؛ لأن الفضيحة تشبه فضيحة ووترجيت في استعمال النفوذ الرئاسي ضد منافسين سياسيين، وتهديد الأمن القومي الأمريكي، إن لم تفُقها.

ما هي إجراءات عزل ترامب؟

مجلس النواب أشبه بالنيابة يُجري التحقيقات، فإذا تبينت له قوة الأدلة فإنه يوجه الاتهام أو الاتهامات للرئيس ترامب، ثم يذهب المتهم إلى المحكمة، وهي في هذه الحالة مجلس الشيوخ؛ الذي يجري المحاكمة برئاسة رئيس المحكمة العليا.

وتقدم قائمة التهم ويصوّت عليها في مجلس النواب بأغلبية بسيطة 50%+1، وهو أمر مضمون (لدى الديمقراطيين الأغلبية 235 نائبا من 435)، وحين يحاكمه مجلس الشيوخ، سيحتاج إلى 2/3 الأصوات (67 صوتا لإدانته من 100 عضو شيوخ)، ولدى الديمقراطيين 53 سناتورًا في مجلس الشيوخ فقط، وهو عدد غير كاف، لذلك يحتاجون إلى تصويت 14 نائبا جمهوريا من حزب ترامب، وهو أمر صعب ما قد يقلل من فرص عزله.

ولكن المؤكد أن هذه الفصيحة لن تترك ترامب في منصبه، فهي أشبه بفضيحة السيسي مع فارق الجريمة لدى قائد الانقلاب، وبالتالي فهي ستهز ثقة الشعب الأمريكي كله فيه، وحين يبدأ التصويت في انتخابات الرئاسة المقبلة التي تنطلق في نوفمبر سيكون على ترامب أن يواجه الشعب مباشرة لا الكونجرس وحده.

وسبق أن حدثت هذه الإجراءات (عكسيًّا) مع بيل كلينتون في قضية مونيكا لوينسكي الشهيرة عام 1998، فقد وجه له مجلس النواب (النيابة) ذو الأغلبية الجمهورية حينها الاتهامات، لكن المحكمة (مجلس الشيوخ) برأته بأغلبيتها الديمقراطية، وهذا نفسه ما حدث مع أندرو جاكسون عام 1868.

وعلى الرغم من صعوبة عزل ترامب لهذا السبب فالأمر ليس استحالة الإدانة من مجلس الشيوخ، كما يري مراقبون، لماذا؟ لأن هناك الكثير من الاعتبارات التي تحكم قرار كل عضو في المجلس أغلبها انتخابية وقانونية.

فإذا كانت الاتهامات قوية بالفعل للرئيس فإنه قد يجد نفسه مضطرًّا للتصويت ضده حتى لو كان من الحزب نفسه، وهذا أمر يبدو مستبعدًا حتى الآن؛ لأننا لا نعلم مدى تورط ترامب في القضية الأخيرة عندما طلب من الرئيس الأوكراني التحقيق في قضايا فساد تمس ابن منافسه الديمقراطي المحتمل جوزيف بايدن.

والأهم إذا كان استخدم بالفعل المعونات العسكرية المقدمة لأوكرانيا للضغط عليه. ورغم فداحة تلك الاتهامات في حالة ثبوتها فإن الأهم لدى كل عضو في حالة التصويت هو موقف الرأي العام في ولايته في حالة مجلس الشيوخ، أو مقاطعته في حالة مجلس النواب؛ فهو لا يريد أن يدلي بصوته ليتفاجأ بثورة ضده في منطقته أو ولايته.

وفِي كل الأحوال لا يبدو الوصول لتلك المرحلة مرجحًا؛ لأنه في حال قوة الأدلة تزداد الضغوط علي الرئيس من داخل حزبه للتخلي عن منصبه لنائب الرئيس حتى لا يعرض الحزب وأعضاؤه لأضرار كبيرة مع المحاكمات العلنية التي تكشف الكثير من الأسرار، وهذا ما حدث مع ريتشارد نيكسون عندما استقال قبل أن تبدأ إجراءات التصويت في مجلس النواب بعد فضيحة ووترجيت.

الاتهام ثم الإدانة والعزل بالتالي قد يبدو ممكنا نظريا، لكنه عمليا صعب للغاية وتاريخيا غبر مسبوق فيما يتعلق بالعزل النهائي، وهذا يفسر تردد نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب في خوض هذه المعركة حتى ظهرت الاتهامات الأخيرة.

ومع هذا فاللعبة الآن ليست بالضرورة الوصول إلى مرحلة العزل أو البراءة في مجلس الشيوخ، ولكن في طريقة التعامل معها إعلاميًّا للتأثير في الرأي العام، حيث سيحاول الديمقراطيون إضعاف موقف ترامب أو من يليه في الانتخابات القادمة، بينما سيحاول ترامب من جانبه الظهور كضحية بما قد يساعده هو في تلك الانتخابات.

وفي كل الأحوال قد تهتز ثقة الشعب الأمريكي في رئيسهم الذي ظهر ضعيفا في فترته الانتخابية الاولي، ويوافقون هم على عزله في الانتخابات وعدم فوزه بفترة رئاسة ثانية.

تأثير العزل على السيسي؟

لن يكون غياب الرئيس الأمريكي ترامب – سواء بالعزل أو الخسارة في انتخابات 2020 - مؤثرا فقط على أمريكا التي حولها إلى قزم أمام كوريا الشمالية والصين وإيران، حين ظل يهدد ثم يتراجع، ولكنه سيكون أيضا مؤثرا على الحكام الديكتاتوريين الذين دعمهم ترامب، خصوصًا السيسي وبعض حكام الخليج.

ففي كل مرة كان السيسي يذهب للقاء ترامب ويتلقى منه الدعم كان يعود ليبطش بالمزيد من شعبه ويعتقل الجميع ويزيد من وتيره القتل والتعذيب والقمع، ويتعاظم الفساد الذي يتم الكشف عنه بصعوبة، كما فعل المقاول محمد علي مؤخرًا لخلافات بينه وبين من نهبوا أمواله في السلطة.

وقد جمع بين السيسي وترامب ونتنياهو العداء للتوجه الإسلامي أو ما حاول السيسي وصفه بأنه "الإسلام السياسي"؛ ليضمن مزيدًا من دعم ترامب له، لهذا سيكون غياب ترامب عن الساحة - ومعه نتنياهو - ضربة للسيسي الذي يعيش على دعمهما، ما لم يتم الإطاحة به هو أيضًا في الحراك الشعبي الحالي في مصر.

فخطورة ترامب أنه تعامل مع العالم العربي والإسلامي على أنه سلعة وتصرف معهم كرجل أعمال يبتزهم أو يطلب المال أو الأرض أو السيادة لوطنية مقابل حمايته للعروش ولمقاعد هؤلاء الحكام الديكتاتوريين.

ولأنه يربط بين مصالح بلاده ومصالح الدولة الصهيونية سعى ترامب للحصول على تنازلات رهيبة من السيسي لصالح الدولة الصهيونية تكشف عن عمالة السيسي.

بل إن إغداق ترامب المديح على السيسي في عدة لقاءات جرت بينهما، وتحدثه عن "كيمياء" جيدة في تلك العلاقة، لم يمنعه من الوصف الحقيقي للسيسي في تسريبات صدرته منه تشير إلى عدم احترامه له، مثل وصفه بأنه "قاتل لعين" ومجرد دكتاتور وقاتل يؤدي دورا مفيدا للولايات المتحدة.

وآخر تلك التسريبات ما نقلته "وول ستريت جورنال" من قول ترامب "أين دكتاتوري المفضل؟" أثناء انتظاره السيسي للقائه على هامش قمة مجموعة السبع التي عقدت بمدينة بياريتز الفرنسية في أغسطس 2019.

لهذا حتى ولو لم يتم عزل ترامب وبقي السيسي في أجواء مصر المتلاطمة فلن يستمر ترامب في دعمه؛ فهو سيضطر في النهاية للبحث عن مصلحة بلاده، سواء مع ثورة جديدة في مصر أو مع من سيخلف "القاتل اللعين" السيسي كما وصفه ترامب.