تحقيق: علاء المنشاوي

وسط تزاحم الأحداث وهرولة الأيام إذا بشهر رمضان على الأبواب، لتجد الأسر نفسها أمام مأزق شديد؛ إذ غالبًا ما تعجز ميزانية الأسرة في رمضان عن الوفاء بمتطلبات أفرادها نظرًا لكثرةِ النفقات خلال الشهر الكريم، فبعض الأسر يكون كل همها شراء اللحوم والمكسرات والفواكه المجففة، وكميات مضاعفة من السكر والسمن والدقيق لحلوى رمضان اليومية، بالإضافةِ إلى مبلغٍ إضافي لولائم رمضان، وآخر لملابس العيد ونزهاته إلى غيره من همومِ ميزانية شهر رمضان.

 

أرقام العام الماضي تقول: إنَّ المصريين أكلوا في الأسبوع الأول من رمضان الماضي 2.7 مليار رغيف و10 آلاف طن فول و40 مليون دجاجة! بجانب الازدياد الملحوظ في معدلاتِ الاستهلاك التي ارتفعت 200% للمسلى والزبادي و50% للحوم والسكر.

 

كما أثبتت دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2003م أنَّ المصريين ينفقون أكثر بمعدل 1.5% خلال الشهر الفضيل على المواد الغذائية، وترصد الدراسة عددًا من الموادِ الغذائية التي يزيد استخدامها، في مقدمتها: السكر، واللحوم البيضاء، والأرز، و"المكرونة"، يليها الزيوت ثم الخضراوات والفواكه، فضلاً عن الدقيقِ الذي يتسابق الجميع على شرائه لخبز كعك العيد.

 

وتقول سامية بكري ربة منزل وأم لـ8 أبناء: إنَّ مصاريف رمضان تُثقل كاهل الأسرة بالكثيرِ من الأعباءِ المادية، فارتفاع الأسعار يُمثِّل بالنسبةِ لها تحديًا كبيرًا عليها أن تُواجهه، فالأسعار ارتفعت بأكثرِ من الثلثِ في وقتٍ قليل جدًّا، وهو ما ضاعف من ميزانيةِ الأسرة خاصةً وأن دخلنا لم يزدْ بنفسِ درجةِ الأسعار، ومن المعروف أن نفقات الأسر تزيد في رمضان؛ لأن الصائمَ يحتاج إلى تغذيةٍ جيدةٍ بعد الجوعِ طوال اليوم؛ ولذلك فنحن نكاد نستغنى تقريبًا عن الوجباتِ الشعبية ذات السعر المتوسط في إفطارِ رمضان، وهو ما يزيد من الأعباءِ المادية.

 

وتضيف قائلةً: إن شهرَ رمضان الكريم يتزامن قدومه هذا العام مع فترةِ دخول المدارس والتي تحتاج إلى المزيدِ من الأموال لشراءِ ملابس الأبناء، بالإضافةِ إلى مصروفاتِ الدراسة، وهذا أيضًا عبء جديد على ميزانية أسرتنا في رمضان.

 

وتقول عزه مختار- ربة منزل وأم لـ3 أبناء-: إنَّ نفقات أسرتنا في رمضان لا تقتصر على اللحومِ والخضراواتِ فقط, وهو ما يزيد من الضغوط والأعباء على الأسرة في هذا الشهر الكريم، بالإضافةِ إلى نفقاتِ البسكويتِ وكعك العيد، ونظرًا لارتفاعِ سعر الدقيق والزيت والسكر والسمن فإن هذا يُمثِّل مأزقًا جديدًا يواجه ميزانية الأسرة في رمضان، هذا بالإضافةِ إلى ملابس العيد التي تحتاج إلى الكثير من الأموال، والأبناء لا يعرفون كلمة "معلهش وهو ما يُسبب لنا ضغطًا نفسيًّا نحسب له حسابه منذ بدايةِ شهر رمضان المبارك.

 

وتؤكد مها صابر ربة منزل وأم لـ4 أبناء: إنَّ ميزانيةَ الأسرة سواء في رمضان أو غير رمضان تُعاني، فالأسعار في تزايدٍ مستمرٍ، ونحن لا نُلاحظ أي دورٍ من جانبِ الحكومة لتحجيم هذا التزايد المطرد، وكان على الحكومةِ أن تتدخل لإعادة الأمور إلى نصابها وإحداث هدوءٍ ولو بشكلٍ نسبي، بدلاً من تركِ الناس فريسةً سهلةً للسوقِ السوداء.

 

أما آمنة محمد عبد الحميد- ربة منزل وأم لـ4 أبناء- فتقول: إنَّ الأسرَ في رمضان تتعامل بالمثلِ الذي يقول "أيام رمضان: عشرة مرق، وعشرة حلق، وعشرة خلق"؛ أي أن ميزانيةَ الأسرة في رمضان مقسمة كالتالي- الأشياء الأكثر استهلاكًا- العشرة أيام الأولى من الشهر الكريم يستهلكون في الولائم واللحوم، والعشرة أيام الثانية تستهلك الميزانية في البسكويت وكعك العيد، أما العشرة الأخيرة فإنها من نصيبِ شراء الملابس.

وتضيف أن هذا المثل يتبعه الكثير من الأسر المصرية، وهو ما يحول الشهر الكريم عند هذه الأسر إلى مجرد متجرٍ يتسوقون فيه ويحققون فيه رغباتهم المادية، وهذه الأسر يفوتها من الخيرِ الكثير؛ لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه.

 

وعن كيفية تدبير الاحتياجاتِ الإضافية تقول أمينة محمد- ربة بيت وأم لثلاثة أولاد-: إنها غالبًا ما تلجأ لعمل جمعيةٍ لشراءِ احتياجاتِ رمضان والعيد، خاصةً أنَّ المصروفاتِ في هذا الأيام لا تتوقف عند حدٍّ، ولكن هناك أيضًا ملابس العيد ولوازم الكعك من الدقيق والسمن؛ وهو ما يعني احتياجها لميزانيةٍ ضخمةٍ تفوق ميزانية الشهر العادي.

 

لا تسرفوا

وعن الطريقةِ الصحيحةِ لتناول الطعام توضح سلمي عبد الحميد خبيرة التغذية بوزارة الصحة لا يوجد أفضل من المنهج القرآني، فالله عز وجل يأمرنا بألا نسرف في تناول الطعام:﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾ (الأعراف)، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27)﴾ (الإسراء).

 

وتضيف: إنَّ الآيتين الكريمتَين مدلولهما أن الإسراف لا يُحبه الله، ورمضان ليس شهر أكل وشرب ولكنه شهر عبادة وإنابة، كما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه فإن كان لا محالةَ فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"، وينصح المتخصصون باتباع المنهج النبوي في طريقة تناول وهو ما يتبعه علماء التغذية في الغرب الآن؛ فقد ثبت أن كثرةَ الأكل وملء المعدة بالطعام يجعلها تتمدد فتضغط على الحجابِ الحاجز الفاصل بين الجهازين الهضمي والتنفسي فيقل الفراغ المتاح للرئتين فلا تستطيعان التمدد للتنفس كما ينبغي، فيسبب ذلك ضيق النفس.

 

حسب الاحتياج

ويقول الدكتور صلاح الدسوقي- أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر- ونحن على أبواب رمضان أنه من المحتمل أن ترتفع أسعار السلع والخدمات بشكلٍ ملحوظ، وهو ما سيكلف ميزانية الأسرة في رمضان الكثير من المتاعب وستواجه الأسر المزيد من الضغوط.

 

وحمَّل الدسوقي الحكومةَ المسئوليةَ عن أي زيادةٍ في الأسعار وما قد تواجهه الأسر من متاعب خاصةً في شهر رمضان، الذي يزيد فيه الإنفاق عن أي شهرٍ آخر، وهذه ستكون مسئولية ملقاة على عاتق الحكومة الذي من المفترض أنها تسعى إلى أن لا توجَّه لها انتقادات من أحد، خاصةً وأنَّ شهر رمضان لا يتحمل أي أزماتٍ، ومن المتوقَّع أن ترتفع الأسعار ولكن هناك مساحاتٌ قد تحتمل الارتفاع خاصةً مساحة السلع الاستثنائية مثل المكسرات وياميش رمضان، ولكن ما ليس مسموحًا به هو منطقة السلع الأساسية وهي ما نعتبرها منطقةً محرمةً، إذ الزيادة فيها ستكلف ميزانية الأسرة في رمضان الكثير من الأموال.

 

وأضاف د. الدسوقي أنه ليس من المقبول أن تسمح الدولة بارتفاع الأسعار، وهي التي تستطيع أن تسيطر عليها خلال الانتخابات، ونأمل أن تحافظ الحكومة على مستوى أسعار السلع الأساسية لأن أهميتها كبيرة مقارنةً بالسلع الاستثنائية خاصةً وأنَّ الضغطَ على هذه السلع يزداد في شهر رمضان الكريم.

 

وعن كيفية تغلب الأسر على الأزماتِ التي تواجه ميزانيتها في رمضان قال: على الأسر أن تشتري احتياجاتها أولاً بأول؛ لأنَّ الإقبالَ على شراءِ السلع دفعةً واحدةً يساعد على ارتفاعِ أسعار هذه السلع؛ لأن السوقَ لا يخضع إلا للعرضِ والطلب، ومن ثَمَّ يجب عدم الاندفاعِ في شراءِ السلع مرةً واحدةً.

 

وأضاف أنه على جمعياتِ المجتمع المدني الخاصة بحمايةِ المستهلك أن تنشط حتى يتم توعية المواطنين بما لهم وما عليهم أن يفعلونه إذا ما لاحظوا زيادةً في أسعار السلع والخدمات، هذا إلى جانبِ دور منظمات حقوق الإنسانِ في المطالبة بحقوقِ المواطنين، فتوعية المستهلك والدفاع عن حقوقه أشياء أساسية في المجتمعات التي يتم تحديد الأسعار فيها طبقًا للعرض والطلب.