تحقيق- وفاء سعداوي
نظرة واحدة إلى كمِّ قضايا الطلاق التي تئنُّ منها المحاكم وما يُصاحبها من مهازل أخلاقية واجتماعية بين المطلقين يؤكد شيئًا واحدًا هو غياب الفهم والوعي لتوجيهات ديننا الحنيف حيث يقول تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: من الآية 229)، وإذا كان الطلاق لا بديلَ عنه فإنه يجب أن نطرق هذا الباب بالمعروف والإحسان، وخاصةً إذا كان هناك أطفال يتابعون ما يحدث بين الوالدين اللذين يحاول كل منهما الانتقام من الآخر دون تقديرٍ لما يجره ذلك على مشاعر ونفسية الأبناء.
تروي زهراء عمر- موظفة- قصتها مع الفشلِ الزوجي قائلةً: لم أكن أعلم أنَّ حياتي مع هذا الشخص الذي اخترته على أساسِ الالتزامِ والدين ستتحول في يومٍ ما إلى جحيمٍ ينتهي إلى الطلاق، وليته طلاقٌ في جوٍّ ديني وأخلاقي، بل للأسفِ كان من خلالِ محكمةٍ وفضائح وآلامٍ لا تُحصى، والغريبُ أنه كان طوال فترة العقد والخطبة لا يبدو من عيوبه شيء بل رأيته يحافظُ على الصلواتِ ويرتادُ المساجد، ويحضر دروس العلم، وكنت أتفاءلُ بمستقبلٍ سعيدٍ لزواجي وخاصةً أنَّ زواجنا كان متكافئًا في كل شيء، حتى أظهرت العشرةُ والرابطةُ الزوجيةُ ما لم أتوقع، فزوجي بخيلٌ يُحاسبني بالمليمِ على مصروفِ البيت، ويرفض الإنفاقَ على علاجي أو علاج الأولاد، وما أصعب أن ترى الأم طفلها مريضًا وهي لا تملك أن تذهب به للطبيب، والأب بسببِ بخله يُهمل طفله، وفي الوقتِ نفسه كان زوجي رافضًا لفكرةِ عمل المرأةِ وخروجها الدائم من البيتِ، وطلب مني بعد عقدِ الزواج أن أترك عملي بشكلٍ كُلي ولكني رفضتُ وحصلتُ على إجازةٍ فقط.
ورغم محاولاتي ومحاولاتِ أهلي في تغيير هذا الطبع (البخل) في زوجي إلا أنَّ هذه المحاولات كلها فشلت، ففي كل مرةٍ أترك البيتَ وأذهب لأهلي كان يتعهَّدُ أنه سينفق على البيتِ ولن يجعلني أحتاجُ شيئًا، وعلى هذا الأساس أعود ولكن صدق المثل القائل "الطبع يغلب التطبع" وأمام الظروف الاقتصادية القاسية وفي ظل بخلِ زوجي قررتُ بلا تراجعٍ العودة إلى عملي فرفضَ زوجي وهددني بالطلاقِ وطلقني بالفعل، ولم أكن راغبةً في ذلك رغم قسوةِ حياتي معه حتى لا أحمل لقب مطلقة، وبعد الطلاق رفض زوجي الإنفاق على أولاده الثلاثة؛ مما اضطر أهلي لرفع قضية نفقة أمام المحكمة وعشتُ أيامًا سوداءَ بين آلام التجربةِ القاسيةِ وبين رحلةِ العذابِ والإهانةِ بين المحامين والمحاكم لا لشيء إلا أنني أطلب حقًّا شرعيًا لأولادي من أبيهم؛ وهو الإنفاق، بل وحاول زوجي طردنا من الشقة رغم حقي القانوني فيها بصفتي حاضنة للأولاد؛ وذلك لأنه لا يملك مكانًا آخر ليعيش فيه مما اضطرنا إلى فصلِ الشقة بحائطٍ وتقسيمها إلى شقتين واحدة لي وأولادي والأخرى له، والسؤال الذي ظل يحيرني: أين ضمير زوجي؟! أين خوفه من الله؟! أين التزامه الذي اخترته من أجله رغم علمه بأحكامِ الدين في الزواج والطلاق؟ لماذا لا يعمل بها؟! لماذا يُعذبني هذا العذاب ويعذب أولاده الذين تدهور مستواهم الدراسي بسببِ كثرة النزاعاتِ والمشكلات؟!
حطام إنسانة
أما هذه الشابة التي لم تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها فقد حوَّلها الطلاقُ وما قاسته قبله من آلامٍ وصدماتٍ وإهانة تفوق التصور إلى شبحٍ أو حطام إنسانة لم يبقَ فيها إلا عينان زائغتان ووجه شاحب كساه الحزن ونفس ممزقة.. إنها حنان أحمد- ليسانس حقوق- تقول: رغم أنَّ زواجي لم يستمر إلا عامين إلا أنني بعد هذه الفترةِ القصيرة أشعر أنني عجوزٌ في السبعين، كرهتُ الحياةَ وكرهتُ جميعَ الرجال، ولم أعد أعتقدُ أنَّ هناك رجلاً ذا قلبٍ أو خلقٍ أو دين بعدما رأيته من زوجي، رغم أن زواجنا قد تمَّ بعد قصةِ حبٍّ تحدَّث عنها الجيران كنتُ أتوقع أنَّ حياتي ستتحول إلى جنةٍ، إلى أن اكتشفتُ بعد الزواجِ أنَّ زوجي له علاقاتٌ نسائيةٌ غير شرعيةٍ ولم يمضَ على زواجنا عام واحد، رغم أنني لا أعاني من عيبٍ أو نقصٍ أو تقصير يدفعه لذلك وعاهدني ألا يعود لهذه العلاقاتِ مرةً أخرى، وبالفعل صدقته، ولكنه سرعان ما عادَ للاختفاءِ بالأسبوعِ عن البيتِ دون علمي بل ويتركني في الشقةِ وحدي بالأيام دون مالٍ أو طعامٍ، والحمد لله أنني لم أُنجب منه، وكلما طلبتُ منه قطع هذه العلاقاتِ ضربني وشتمني وقال لي: "هذه حياتي ولا أستطيعُ تغييرها"، فطلبتُ منه أن يُطلقني فقال لي: "أنتِ أيضًا ملكي ولا أحبُّ أن أتركَ شيئًا أملكه"، وذهبتُ لبيتِ أهلي وصارحتهم بالحقيقةِ التي أخفيتها عنهم وفشلتْ كل الوسائل والوساطات في إقناعه بالطلاقِ دون مشكلاتٍ أو محاكمٍ فما كان منه إلا أن طلبني في الطاعة، ورفع ضدي دعوى تبديدٍ للأثاثِ وقام بتحرير محضرٍ ضد أخي- طالب في الجامعة- اتهمه فيه ظلمًا بالاعتداءِ عليه بالضربِ والشتم، ودخلت أسرتي كلها دوامةً من الجحيمِ بسبب هذا الرجلِ الفاسقِ الذي لا يعرف الله ولا يحترم حدودَه، وقامت أُسرتي برفع قضيةِ طلاقٍ وشهد الجيران بما كانوا يسمعونه من أصواتِ صراخي وتعذيبي على يديه والتي تركتْ علاماتٍ في جسدي وحكمت المحكمة بعد عامين ونصف بالطلاقِ، ولكن بعد أن تحولتُ إلى حُطام إنسانة وخيَّم الحزنُ على بيتي ولا أقول إلا: "حسبي الله ونعم الوكيل".
أبواب المحاكم
وعلى أبوابِ المحاكم وقفتْ هذه الزوجة الشابة روحية حسن- ربة منزل- ومعها طفلها وقد سالت دموعها من كثرةِ أحكامِ التأجيل رغم إنشاء محكمة الأسرة، وتقول لمدةِ عامين وأنا أتنقل بين المحاكمِ على أمل أن يُخلصني القاضي من هذا العذابِ ويحكم لأولادي بالنفقةِ بعد أن حَكَمَ لي بالطلاقِ؛ لأنَّ زوجي تزوَّج بأخرى وجاء بها في بيتي وعلى أثاثي، ولم يمر على زواجنا سنة ونصف، بل وسرق شبكتي وأهداها إلى عروسته الجديدة، وأرجو أن يكون إنشاء محكمة الأسرة نهايةً لمعاناتي وخاصةً أن أهلي فقراء لا يستطيعون الإنفاقَ عليَّ وعلى أولادي.
رجال معذبون
ليست النساء وحدهن ضحايا غياب التقوى والإحسان في قضيةِ الطلاق؛ بل إنَّ بعضَ الرجال يعانون من ذلك، فهذا الزوج الذي رفض ذكر اسمه تحوَّلت حياته مع زوجته المدللة ابنة العائلة الكبيرة وذات الجمالِ إلى جحيمٍ، يقول: اعتادت زوجتي أن تخرجَ من البيتِ دون إذني وأن ترفعَ صوتها عليَّ ولا مانعَ أن تُوجِّه إليَّ الإهانةَ وتُقارن بين مستوى أسرتها الاقتصادي المرتفع وبين حياتنا المعقولة، وكأنها تُشعرني في كلِّ لحظةٍ أنها تنازلت عندما وافقتْ على الزواجِ مني، وكنتُ أتمنى أن تُغير العشرةُ والأيامُ من طباعها وتحدُّ من غرورها وجبروتها الذي زرعتهما فيها عائلتها، ولكن هذا لم يحدث وبدأت تزيد من مطالبها التي لا أستطيع تلبيتها فهددتني بطلبِ الطلاق وترك البيت وشجَّعها أهلُها على ذلك، وانتهى الأمرُ بالطلاقِ رغم وجود طفلة بيننا، وقدمتُ لها كل حقوقها الشرعية من نفقةٍ ومؤخرٍ رغم أنها الطالبة للطلاق، وللأسف لم يكتفِ أهلها بذلك بل قاموا في غيابي بالاستيلاء على كامل أثاث الشقة بما فيها الأشياء التي اشتريتها والتي لا تحق لزوجتي، وفكرتُ في تحرير محضر تبديد ضدهم، ولكن إشقافي على ابنتي الصغيرة جعلني أتراجعُ وأرفضُ هذه الفكرة.
آلام نفسية
وفي محاولةٍ منا لفهم التأثيراتِ النفسية المتوقعة للطلاقِ على الرجل والمرأة لو تمَّ بدون مشكلات تقول د. إكرام العدوي- دكتوراة الصحة النفسية-: حالة الامتزاج النفسي والجسدي التي تحدثُ من خلالِ عملية الزواج تجعل الرجل جزءًا من المرأةِ وتجعل المرأةُ جزءًا من الرجلِ، وهو امتزاجٌ يشبه امتزاج الملحِ بالماء، فمن الصعب جدًّا الفصل بينهما إلا بطريقةٍ واحدةٍ أن يصل هذا المحلول لدرجةِ الغليانِ ساعتها يتبخر الماء ويترسب الملح، فحالة الإفضاء والتلاحم بين الزوجين تُشبه الذوبان وخاصةً أنه ليس هناك بابٌ للمسلمِ لإشباع حاجاته النفسية والجسدية إلا بالزواجِ، والطلاق هو عملية الغليان التي تفصلُ الملحَ عن الماء، وبالطبع هو حالةٌ من التمزقِ النفسي للزوجين حتى لو تمَّ بدون أي مشكلاتٍ أو نزاعاتٍ أو محاكم، والله سبحانه عندما شرع الطلاق جعله لحالاتٍ تستحيل فيها العشرة وليس لأسبابٍ واهيةٍ تنهدم هذه العلاقة الزوجية دون أن يُفكِّر كلٌّ من الزوجانِ في حالةِ التمزقِ النفسي والتشوش الذي سيُصيبه نتيجة المرور بتجربةٍ فاشلةٍ، فالكثيرُ من المطلقين يُصابون بالاكتئابِ والأمراضِ النفسية والعصبية، وتزداد حجم الخسارة النفسية كلما ازدادت المعاناة في التجربةِ؛ ولذلك ونتيجةً للآثار النفسية والاجتماعية الوخيمة على الزوجِ والزوجة والأولاد اتجهت محكمة الأسرة لإنشاءِ لجانٍ للتفاهم والتوفيق بين الزوجين المتنازعين للمِّ شمل الأسرة.
في حين تستبعد د. إجلال إسماعيل- أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس- أن يكون هناك طلاق بلا مشاكلٍ في ظلِّ غيابِ الوازع الديني، والذي يزيد من حجمِ المشكلاتِ ويدفع كل طرفٍ للاستيلاءِ والطغيانِ على حقوقِ الآخر، وفي ظلِّ عدمِ الفهمِ لقدسيةِ وعمق وهدف العلاقة الزوجية من البدايةِ، فالزواج الآن أصبح في نظرِ الكثيرين علاقة منفعة أو زواج مصلحة، وهو ما يتعارض كل المعارضة مع الأهدافِ السامية التي شرع الله الزواج من أجلها؛ وهي السكينة النفسية والعاطفية والاجتماعية، وفي ظل غياب هذه الرؤية الصحيحة للزواج سرعان ما يتهاوى البنيان الأسري وتنهدم الأسرة بالطلاق لأسبابٍ واهيةٍ.
وتضيف: أعرفُ مثالاً لفتاةٍ طُلقت من خطيبها قبل الدخول بها لأنه قام بعمل سيراميك الشقة من نوع كليوباترا وهي تُريد سيراميك الفراعنة، فهل يمكن في ظلِّ هذه العقلياتِ التي لا تُدرك معنى الحياة الزوجية ولا تُفكِّر في الآثارِ المدمرةِ للطلاق أن يتم الطلاق من خلالِ منهج الإسلام وبهدوءٍ وأن يأخذ كل طرف حقوقه ويؤدي واجباته؟! إنَّ ذلك لا يحدث إلا في فئةٍ قليلةٍ من الناس.
تسريح بإحسان
تلفت د. آمنة نصير- الأستاذة بجامعة الأزهر الانتباه إلى رؤيةِ الشرع الحكيم لعمليةِ الطلاق، وكيف كفل فيها كرامة وحقوق كلٍّ من الزوجين، فنجد أنَّ القرآنَ الكريمَ حوى سورةً كاملةً تتحدث عن الطلاقِ وسُميت بهذا الاسم، وكذلك اقترنت معظم الآيات التي تحدد وترسم ضوابط الطلاق وحقوق كُلٍّ من الرجلِ والمرأة اقترنت هذه الآيات بالأمرِ بتقوى الله يقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ (الطلاق: من الآية 1)، ويقول تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ (الطلاق: من الآية 6)، وهكذا نجد آياتٍ عديدةً تتحدث عن الطلاقِ تطلب من الزوجين أن يُطبقا الإحسان في علاقتيهما وما أعظم قوله سبحانه: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: من الآية 229)، فلا يوجد أبلغ ولا أعمق ولا أجمل ولا أكثر تحضرًا من التعاملِ بين المطلقين من هذه الآية عندما تضيق الحياة بين الزوجين، ولقد وضع الإسلامُ أُسسَ وآدابَ هذه المرحلة، وعندما تفشل مرحلة التوفيق فعليهما أن يتفرقا بالمعروفِ، فعلى الرجل ألا يذكر مطلقته بسوءٍ وألا يذكر عنها إلا الأخلاق الحميدة ولا يُفشي سرها، وكذلك على المرأةِ نفس الشيء نحو مطلقها، فاحترام العشرة والفضل والأيام الطيبة التي كانت بينهما واجبٌ وخاصةً إذا كان بينهما أبناء، وكذلك يدخل تحت مظلةِ فتسريحٌ بإحسان أن يُؤدي المطلق حقوق مطلقته المادية وهو حقها في النفقةِ لمدة عام ونفقة المتعة التي يقدرها القاضي عن سنوات العشرة الزوجية يُضاف لذلك نفقة أولاده حتى ينضموا إلى حضانته.
وهذه الحقوق المادية التي قدرها الشرع أحيانًا تكون مكتوبة في وثيقة وأحيانًا يُتفق عليها دون كتابةٍ بالعرفِ السائد في المجتمع وأحيانًا تتنازل المرأة بكاملِ إرادتها إن كانت غنيةً عن هذه الحقوقِ التي أقرها الشرع، ويختلف أسلوب تطبيقها تبعًا للوسطِ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لكل منهما.
وتضيف د. آمنة نصير أنه لو طبَّق الناسُ آياتِ الله وتوصياته في القرآن الكريم في كلِّ حياتهم حتى في عمليةِ الطلاق فلن نرى أو نسمع عن المهازلِ النفسيةِ والأخلاقيةِ والقضائيةِ التي نراها في النزاعاتِ بين المطلقين.