الحمدُ لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله العظيم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا أنه من يهده الله فلا مضلَ له ومَن يضلل فلن تجدَ له وليًا مرشدًا.. إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وإنَّ شرور الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قلَّ وكفى خيرًا مما كثر وألهى، وإنَّ ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.
وأشهد أنَّ لا إله إلا الله لا شريكَ له أولٌ بلا بداية، وآخرٌ بلا نهاية، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
وأشهد أنَّ سيدنا وحبيبنا وقدوتنا وأسوتنا محمد عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلَّغ الأمانةَ وأدَّى الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين.
اللهم أجزه خير ما جزيت نبيًّا عن أمته ورسولاً عن قومه.. الله آمين أما بعد:
أيها المسلمون- أحباب رسول الله ومصطفاه- تعيش الأمة الإسلامية أيامًا طيبةً مباركةً، نفحات ورحمات ربانية، أخبر عنها المعصوم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في حديثه "ألا إن لله في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها، فإنَّ مَن تعرَّض لنفحة من نفحات الله لم يعذبه الله أبدًا".
أيها المسلمون.. نعيش مع رحمات ونفحات شهر شعبان، وكان رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يهتم بهذا الشهر اهتمامًا بالغًا، فعن أسامة بن زيد قال سألني رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عن كثرةِ صيامه في شعبان فقال: "ذلك شهر يغفل فيه الناس بين رجب ورمضان، وفيه تُرفع الأعمال إلى الله عز وجل فأحب أن يُرفع لي عملي وأنا صائم".
وعن السيدة عائشة أم المؤمنين تقول: ما أكمل رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- صيام شهر إلا رمضان/ وكان أكثر ما يصوم في شعبان، فلما سُئل عن ذلك قال: "ذاك شهر ترفع فيه أعمال العباد إلى الله فأحب أن يُرفع لي عملي وأنا صائم".
من هنا أيها الأحبة لا بد لنا ونحن أتباع محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- النبي القدوة الذي قال فيه الحق تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب)، لا بد لنا أن تقتدي برسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فنكثر من الصيام في هذا الشهر الذي يرفع فيه التقرير السنوي للعباد للعرض على الله عز وجل، وأن نكثر من تلاوةِ القرآن استعدادًا لشهرِ القرآن شهر رمضان، وأن نكثر من القيام حتى نستغل شهر القيام من أول ليلة فيه تلك الليلة التي يُنظر فيها الله- عز وجل- إلى عباده الصائمين كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال: "إذا كانت أول ليلة من رمضان نظر الله إلى عباده الصائمين ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا".
أيها المسلمون: كما أنَّ لكل عبادة إحرامًا، فإحرام الصلاة الطهور والوضوء لها، وإحرام الحج الغسل وارتداء ملابس الإحرام من الميقات، كذلك اعتبر العلماء شهر شعبان إحرامًا لشهر رمضان نتزود فيه من الصيام والقيام وتلاوة القرآن والصلح والقرب من الله عز وجل حتى إذا جاء رمضان كنا أهلاً لهذا الشهر، وأن ينظر الله إلينا فيرحمنا الله في ثلثه الأول ويغفر لنا الذنوب في الثلثِ الثاني ثم يعتق رقابنا من النار في الثلث الأخير، فهذا هو الفوز كل الفوز أن يُزحزح العبد عن النار ودخل الجنة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: من الآية 185).
أيها المسلمون: كان من الأحداث العظيمة في هذا الشهر الكريم من السنة الثانية للهجرة كان تحويل القبلة وفيها قول الحق جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ﴾ عن سبب نزول هذه الآية أنَّ رسولَ الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا ويهود المدينة قالوا محمد ومن معه اليوم يتبعون قبلتنا وغدًا يتبعون ملتنا فحزن أصحاب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وبلغ الخبر رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، ولكنه لا ينطق عن الهوى ظل في صلاته تجاه بيت المقدس، وكان يعجبه أن تكون قبلة الخليل إبراهيم، فكان ينظر ويقلب نظره في السماء، وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: من الآية 144)، ولقد جاء الأمر بتحويل القبلة نحو المسجد الحرام والرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قد صلى ركعتين من فريضةِ الظهر في مسجد بني سلمة، ولذا سُمي مسجد القبلتين، ووصلت الأخبار بعد ذلك إلى مسجد قباء في صلاة الفجر من اليوم لثاني فاستداروا وهم في صلاتهم.. إنه السمع والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: ومن هنا ثارت ثائرة اليهود وحقدهم الدفين على رسول الله وأصحابه، وما زال على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتساءلوا ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (البقرة: من الآية 142)، هنا يقول الحق سبحانه وتعالى الدفاع والرد عن المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية 142)، بل زاد القرآن وضوحًا في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (البقرة: من الآية 177).
ولقد بيَّن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما في نفوس اليهود من حسدٍ وحقدٍ على هذا الدين فقال في أهل الكتاب "إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين".
أيها المسلمون: إنَّ سر قوة هذه الأمة كامن في قوة التوحيد، أنها أمة الله ربها، ومحمد نبيها والمصحف كتابها والكعبة قبلتها.. فكيف لا تكون قويةً وهذه أسسها وأركانها.
ولذلك على الأمة أن تحذر ما يُحاك لها من مؤامرات في الظلام وما يُدبَّر لها من أعدائها الذين يدبرون ليلاً ونهارًا لاستئصال شأفةِ الإسلام والمسلمين، وينجح هؤلاء عندما تبعد الأمة عن مصدرِ قوتها وعزتها.
ولله در القائل:
إذا زرت (يا مولاي) قبر محمد وأبصرت مثوى الأعظم العطرات
وفاضت من الدمع العيون مهابةً لأحمد بين الستر والحجرات
وأشرق نور تحت كل ثنية وفاح أريج تحت كل حصاة
فقل لرسول الله يا خير مرسل أبثك ما تدري من الحسرات
شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق ثبات
بأيمانهم نوران: ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات
يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ولا عدوانَ إلا على الظالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، ونشهد أنَّ سيدنا محمد رسول الله، جاء من قبل ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
أيها المسلمون: اعلموا حق العلم واعرفوا حق المعرفة، أننا لا نخشى على الإسلام من أعدائه فقد شهد التاريخ وأثبتت الحقائق أنه انتصر على جميع أعدائه في كل المعارك والمواطن والمواقع، وأنه منتصر بإذن الله إلى أن يرث الله الأرض، ومَن عليها انتصر على المشركين في كل الغزوات، وانتصر على الصليبيين في مواقع مع الروم وعلى رأسها موقعة اليرموك، وانتصر على الفرس في كل المواقع وعلى رأسها القادسية ونهاوند، وإنما نخشى على الإسلام من ادعيائه الذين قال فيهم رب العزة: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)﴾ (التوبة).
أيها المسلمون: بعدما أفحم هؤلاء الأعداء وألقموا الحجارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: من الآية 142) يكون الخطاب لخير أمة أخرجت للناس ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).
وكان تحويل القبلة اختيار وابتلاء الله عز وجل تنقيةً للصفِ المسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (من الآية 143).
أي لقد كان تحويل القبلة أمرًا عظيمًا على النفوسِ المؤمن الواثقة التي امتلأت يقينًا ونورًا فإنها تقف من أوامر الله موقف التسليم والإذعان والرضا.
ثم يتحرك الحقد الدفين مرةُ أخرى لليهود إخوان القردة والخنازير وهنا أيضًا يتولى الدفاع عن العصبة المؤمنة الله تبارك وتعالى لأنه هو القائل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: من الآية 38).. فيقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 143).
والمراد بالإيمان هنا الصلاة؛ لأنها أعظم الأركان وهي الفريضة التي فُرضت على الرسول صلى الله عليه وسلم في السماوات العلى.
والمقصود ما كان ليضيع صلاتكم التي صليتموها إلى بيتِ المقدس قبل تحويل القبلة؛ لأن الله بالناسِ رؤوف رحيم؛ أي عظيم الرأفة كثير الرحمة بكم.. فأنت يا الله الذي تهب الكثير وتجبر القلب الكسير وتغفر الذلات وتقول هل من تائبٍ مستغفر أو سائل أقضي له الحاجات.
اللهم عافنا واعفوا عنا وعلى طاعتك أعنا، ومن شرور خلقك سلمنا، وإلى غيرك لا تكلنا، وارفع اللهم مقتك وغضبك عنَّا، اللهم انصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وارفع بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل المسلمين، اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين، اللهم عليك باليهود والأمريكان المعتدين وكل مَن سار في دربهم، اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تُغادر منهم أحدًا، واجعلهم لكل مسلمٍ حبيب فدى، اللهم اكتب لنا صلاةً في المسجد الأقصى أو شهادةً في سبيلك، اللهم اكتب لنا صلاةً في رحابه أو شهادة على أعتابه، اللهم آمين.
عباد الله.. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل).