- مصر تحتاج إلى  إصلاح شامل.. وحكومة نظيف فاشلة

- السلطة التنفيذية تغولت وتسعى إلى  الهيمنة على كل شيء

- نواب الإخوان قدموا إنجازات كبرى لكن التعتيم الإعلامي يحاصرهم

 

حوار: عصام فؤاد

بعد أشهر قليلة من الاعتداء عليه أثناء مشاركته فى مظاهرة ضد الطغيان، كانت جموع مؤيديه تحتفل في نفس المكان بانتصاره على منافسيه ودخوله البرلمان، نائبًا عنها وفي بداية أول دورة من برلمان 2005م، كان يصحح لقبه لدى حاجب الجلسة؛ عندما ناداه بلقب الأستاذ، ليوضح أن لقب الشيخ الذي يحمله هو لقب علمي يشرُف به، فيستجيب له أمين السر ويناديه بالشيخ، قبل أن يتلو القسم بعد حمدِ الله والثناء عليه.

 

هو الشيخ السَّيِّد عبد المَقْصُود مُحَمَّد عَسْكَر، عضو كتلة الإخوان المسلمين فى  البرلمان عن مدينة طنطا وعضو مجلس شورى الجماعة، والمولود في أول شهر فبراير سنة 1934م، بقرية (مِيت الرَّخَا) من أتباع مركز (زِفْتَى) محافظة الغربية، وهو أوسط ثلاثة أبناء لأحد تجار المركز الحافظين للقرآن الكريم.

 

وتزوج الشيخ عسكر عام 1963م، ورزق  بثمانية من الأولاد وهم: خالد (مهندس معماريّ)، وفاء (طبيبة)، ياسر (محاسب)، أسامة (ليسانس دار العلوم)، سُمَيَّة (طبيبة أسنان)، محمد (محاسب)، حَسْنَاء (مُدرِّسة فلسفة وعلم نفس)، عبد الرَّحمَن (طالب بكلية التجارة)، قبل أن تتوفى زوجته في مارس الماضي، أما الأحفاد فله منهم ستة عشر حفيدًا.

 

وقد أكرمه الله بحفظ القرآن الكريم وتجويده في نحو سِنِّ التاسعة والنصف تقريبًا، التحق بالأزهر الشريف وتخرَّج في كلية أصول الدين سنة 1959م، ثم حصلُ على الشهادة العَالِمية مع إجازة التدريس سنة 1960م، وتدرج في المناصب حتى صار وكيلاً للوزارة في وظيفة الأمين العام المساعد للثقافة الإسلامية بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قبل أن يحال إلى  التقاعد في آخر يناير عام 1999م.

 

أما المؤلفات؛ فله عدد منها يصل إلى  ما يقرب من خمسة عشر كتابًا، من أهمها (بُستان الدُّعاة) و(النساء شقائق الرجال)، و(آثار المعاصي والذنوب في هلاك الأفراد والشعوب)، و(نحو بيتٍ سعيد)، و(طريق النجاة) وغيرها من الكتب.

 

سبق للشيخ أن تقدم للترشيح للبرلمان، عام 1987م، على قائمة التحالف الإسلامي آنذاك بين جماعة الإخوان المسلمين وحزبيّ العمل والأحرار، وأعلن نجاحه على قائمة حزب العمل من بين ثلاثة أفراد أعلن نجاحهم على هذه القائمة، ولو تم الفرز بصورة صحيحة لنجح من هذه القائمة خمسة من أصل سبعة، ولكن في اليوم التالي؛ يبدو أنهم غيروا رأيهم وتفاهموا مع الحاسب الآلي الذي استجاب لرغبتهم وغيَّر النتيجة ليفوز من القائمة اثنان فقط لم يكن أحدهما بعد استبعاده واستلاب المقعد منه، وذلك قبل أن يطعن دستوريًّا على نظام القائمة النسبية التي حرمت المستقلين من دخول الانتخابات رغم أغلبيتهم، ولم يحاول بعدها الترشح إلا في الانتخابات السابقة لعام 2005م الماضي.

 

* سألناه: كثير من علماء الأزهر وأصحاب الرأي يمتنعون عن دخول الانتخابات في مصر لما تشهده من وسائل غير نزيهة أو شريفة؛ فما الذي جعلك تقرر خوض غمار الانتخابات البرلمانية؟

** كلامك صحيح، فكثير من الفضلاء وأصحاب الرأي والخبرة يحجمون عن الترشيح للانتخابات لمعرفتهم بما يدور في ثناياها وما يحدث فيها، والانتخابات البرلمانية السابقة ليست ببعيد، فقد رأى المتابعون لها بجميع أنحاء العالم ما شهدته من انتهاكات وتزوير، وخصوصًا في المرحلة الثالثة التي كانت أشبه بمذبحة وحرب ضروس استخدمت فيها السلطة كل الأساليب والأسلحة بما فيها المدرعات والدبابات.

 

ولكن بالنسبة لي فأنا كما أدين بالولاء للأزهر الشريف؛ فإني كذلك أنتمي وأدين بالولاء لجماعة الإخوان المسلمين التي لولا معرفتي بفكرها لكان فهمي للإسلام منقوصًا، وبرغم دراستي للعلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وغيرها بالأزهر الشريف، إلا أنني أؤكد أن الإدراك الواعي لحقيقة الإسلام بمفهومه الشامل- الذي يقيم الدولة ويحيي الأمة ويواجه الظلم- لم أتعرف عليه بصورة دقيقة سوى من خلال جماعة الإخوان المسلمين.

 

* من كان صاحب قرار ترشيحك لمجلس الشعب؛ فضيلتكم أم الجماعة؟

** الجماعة بالطبع هي من اتخذت القرار بعد دراسته وبحثه، قبل أن تعلنني بقرار ترشيحي للانتخابات البرلمانية، وذلك هو ما تم مع جميع مرشحي الإخوان بكافة الدوائر الأخرى.

 

* ما حقيقة ادعاء أحد مواقع الإنترنت أن فضيلتكم أفتيتم بجواز شراء مرشحي الإخوان المسلمين أصوات الناخبين، بحجة الضرورة التي تجيز ذلك؟

** هذا كلام لا يقوله إلا أفاك، فالإخوان المسلمون بشكل عام وعلماء الإخوان بشكل خاص يتحرون الدقة تمامًاً في فتاواهم الشرعية؛ وشراء الأصوات تلفيق وتزوير، ونحن لا ندخل الانتخابات لكي نفوز أو نحصل على كراسي؛ بل ندخلها لكي نخدم أمتنا ونعلم أهلنا كيف تكون الانتخابات في ضوء الإسلام، ولن نرضى أبدًا بأية وسيلة غير شرعية ولو ملكتنا كل مقاعد البرلمان الذي لم يكن يومًا غايتنا ولكن الله والدعوة إليه هي الغاية التي تسمو عن الوسائل الميكافيلية الرخيصة، وأنا شخصيًّا كنت قد وضعت رسالة تم توزيعها على الناخبين أيام المنافسة الانتخابية تحثهم على اختيار الصادق الأمين الذي يرضي الله ولا يبحث عن الزعامة والمال بغض النظر عن قرابته أو ما سيقدمه للناخب من خدمات شخصية.

 

* هل قابلت دعايات مضادة خلال الانتخابات؟

** طبعًا واجهت الكثير منها؛ فقد روجوا ضدي بأني عالم أزهري لا شأن له بالسياسة، وأني شيخ كبير وعمري أكثر من 85 عامًا ولا استطيع الحركة أو المشي، ولما وصلتني هذه الدعايات المضللة كان ردي عليها بسيطًا؛ فقلت على سبيل الدعابة المفيدة في مثل هذه الحالات أن عمري 35 عامًا وليس 85 كما يدعون، وقلت إذا كان الدستور يقول إن المجلس لا بد أن يشغله 50% على الأقل من العمال والفلاحين، فهل العامل والفلاح أقدر على فهم العمل السياسي من علماء الإسلام، ومن قال إن الإسلام يفرق بين الدين والسياسة؟!

 

الإسلام دين ودولة، والسياسة جزء من هذا الدين الشامل، لذا فنصوص القرآن والسنة حافلة بالأوامر والنواهي التي تنظم حياة الناس وتبين أنه ليس في الإسلام ما هو للدنيا وما هو للآخرة، لأن كل الأعمال لا بد أن يبتغى بها وجه الله الذي يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).

 

* كيف ترى إذن دور عالم الأزهر في البرلمان؟

** دور العالم الأزهري في البرلمان مهم جدًا، لأن مهمة النائب تتلخص في أمرين؛ الأول في الرقابة على الحكومة وأفعالها وتصرفاتها، ليقال لها عند الإحسان أحسنت وعند الإساءة أسأت وليصحح النائب مسارها عند الإعوجاج ويردها إذا انحرفت، والثاني هو التشريع الذي ينظم شئون الحياة بين الناس والذي لا بد ألا يخالف الشريعة الإسلامية التي هي المصدر الرئيسي للتشريع كما ينص الدستور، وهنا تبرز أهمية وجود العالم الذي يميز الحلال من الحرام ويرفض أي تشريع يخالف تعاليم الإسلام ويعارض الدستور.

 

* وهل تحاول الدولة بمؤسساتها تعطيل هذا الدور؟

** الحكومة موقفها معروف؛ فهي تريد احتكار كل شيء، الفتوى والسياسة والاقتصاد وحتى القول في الدين، وكل شيء في البلد تريد أن تخضعه لسلطتها التنفيذية المتغولة على جميع السلطات والمؤسسات بما فيها الأزهر والأوقاف وحتى مجلس الشعب.

 

 الصورة غير متاحة

 الجامع الأزهر

والمؤامرة التي حيكت ضد الأزهر متطاولة في التاريخ منذ عهد الاستعمار الذي وضع العديد من المخططات لتحجيم دور الأزهر، ولست اكشف سرًا إذا قلت إن الجامعة الأمريكية أنشأت في القاهرة لتكون عقبةً في سبيل رسالة الأزهر، وبالمثل جاءت جامعة القاهرة ومن بعدها الجامعات الأخرى لتؤدي نظامًا تعليميًّا "مدنيًّا" يعارض نظام الأزهر، ولكن الله شاء بفضله أن تصبح تلك الجامعات هي حصن الإسلام الحصين بطلابها وأساتذتها، وانتشر العمل الإسلامي بهذه الجامعات بما فيها الجامعة الأمريكية.

 

وبعد خروج الاستعمار نجح تلامذته وصنائعه فيما فشل فيه وذلك بتحييد الأزهر وتحجيم دوره عن طريق عدة وسائل منها إلغاء الأوقاف ومن ثم استقلاله المادي ليصير تحت رحمة الحكومة، وبإصدار ما عرف بقانون تطوير الأزهر عام 1961م، بواسطة المجالس المشكلة على هوى النظام، لذا فقد قلت معرفة خريج الأزهر بالعلوم الشرعية الرئيسية، وأصبحنا نرى إمام المسجد لا يكاد يحسن تلاوة القرآن الكريم.

 

هذا؛ إلى  جانب أمور أخرى كثير منها وضع الإمام والداعية تحت المراقبة الدائمة حتى إذا ما نشط وعلَّم الناس كما يجب وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر تعقبته الأجهزة الأمنية وكانت مترصدة له بأي تهمة لاعتقاله.

 

* طالبتم بمنح الدعاة حصانة تماثل حصانة النواب للقيام بعملهم الدعوي بعيدًا عن القيود الأمنية؛ فما مصير هذا الطلب؟

** لقد تقدمت مع إخواني في البرلمان بطلب لمنح الدعاة والأئمة حصانة، وقلنا كيف يكون للنائب حصانة ويحرم منها الإمام؟ فهل قبة البرلمان أكثر قدسية من قبة المسجد؟ ووضحنا أن الأئمة والدعاة يحتاجون إلى  حصانة تمكنهم من قول كلمة الحق بدون خوف أو مساءلة، وإذا ما أخطأ أحدهم فإن شيوخه وأساتذته سيقومون بتوجيهه ويعلمونه بعيدًا عن تدخلات جهاز أمن الدولة الذي يراقب ويحاسب العلماء.

 

وبالطبع لم يستجب لنا أحد، وطاش كلامنا في الهواء، لأن النظام يعرف أن منح حصانة للداعية سيغير كثيرًا من الأمور مع تمسكه بقول الحق وإنكار الباطل، وبدون حصانة فالكثير من الأئمة يحجمون عن أداء واجبهم الأصلي بعد ما رأوا من مصير أسلافهم الذين اضطهدهم النظام لجهرهم بالحق وقام بتشريدهم وإيذائهم واعتقالهم، وهذا أمر لا يتحمله الجميع.

 

مهمة شاقة

* هل تجد صعوبة في التوفيق بين دورك كداعية إسلامي  وشخصية عامة وبين دورك كنائب في البرلمان؟

** يجب أن نعرف أن الوضع الطبيعي لعالم الأزهر أن يكون منارة يهتدى بها في جميع مجالات الحياة، وأن يكون حاضرًا بين الناس في كل المناسبات من أفراح ومآتم ومصالحات بين الناس وفي التعاون مع الشرطة لتحقيق الأمن والقضاء على الظلم والفساد، وإذا وجد فرصة لدخول البرلمان فعليه أن يغتنمها لكي يؤدي واجبه الدعوي داخل المجلس، ولكن هذه المهمة شاقة بدون شك، ومن أسباب المشقة فيها أن الشعب يكلف النائب فوق طاقته، وكثير منهم لا يدرك الوظيفة الأصلية للنائب في التشريع ومراقبة أداء الحكومة، وهي مهمة تحتاج لجهد جهيد وعمل متواصل، في حين أن الناس تطالبك برصف الطريق وتوصيل الكهرباء والسعي بين أجهزة المحافظة والمجالس الشعبية لتنقية المياة وبناء أكشاك ومحلات للعاطلين، وهذا ليس من اختصاص النائب الذي عليه مراقبة ذلك والمحاسبة عليه عن طريق البرلمان لا السعي لتنفيذه بنفسه، ولكننا مضطرون لفعل ذلك لخدمة الأهالي؛ لأن خدمتهم عمل يتقرب به إلى  الله، وهذا ما يجعل النائب مشدودًا في كل اتجاه مع الناس في الدائرة ولأداء دوره الأصلي تحت قبة البرلمان.

 

* ألا تعيقك مثل هذه الضغوط عن أداء دورك في جماعة الإخوان المسلمين؟

** لا يوجد تعارض إطلاقا بين أن يكون للمرء نشاطه الفردي ومشروعه النهضوي وبين عمله في الجماعة وتعاونه مع إخوانه، وأنا اعتبر نفسي جنديًّا مأمورُا بالسمع والطاعة فيما يسند إليه من أعمال وتكاليف.

 

* ملاحظ عن فضيلتكم اعتزازكم بالجلباب والزي الأزهري ألا يسبب لك ذلك مشاكل ومضايقات أو يعيقكم عن الحركة في أداء مهماتكم؟

** بالعكس تمامًا؛ بل إني لا أفشي سرًا إذا قلت لك إني كنت أحضر المحاضرات أيام كنت طالبًا في جامعة الأزهر بالبدلة ولكني كنت حريصًا في الوقت نفسه على حضور الندوات والمؤتمرات التي كانت تعقد بدار الحكمة أو بجمعية الشبان المسلمين لكبار العلماء مثل الغزالي بالزي الأزهري، لكي أثبت للناس أن الأزهر موجود وحاضر بينهم، وحينما صرت أحد الدعاة التزمت أكثر بهذا الزي الذي يفخر به كل أزهري.

 

أما المضايقات الأمنية فتعرضي لها ليس بسبب الزي الأزهري ولكن بسبب انتمائي لجماعة الإخوان المسلمين، فأنا أعمل بصفوف الإخوان منذ ما يزيد على 30 عامًا، وقد سبق ذلك بأعوام انتمائي فكريًّا لمدرسة ومنهج الإخوان.

 

حكومة نظيف

 الصورة غير متاحة

د. أحمد نظيف

* من خلال متابعتكم ومراقبكتم للأداء الحكومي؛ ما تقييمك لأداء الحكومة الحالية؟

** سياسة الحكومة الحالية متخبطة، والأولويات لا يلتفت إليها، وفي الوقت الذي تنفق فيه أموال طائلة على أشياء لا قيمة لها ولا طائل من ورائها، تجد الحكومة تبخل على الأمور الضرورية مثل بناء وترميم المدارس التي تهدد حياة أبنائنا، ونجد المدرس لا يجد قوته اليومي لضعف راتبه مما يدفعه إلى الدروس الخصوصية، ونحن حقيقة نحتاج إلى  إصلاح شامل في جميع المجالات والقطاعات لأن الأمور أصبحت متشابكة ومرتبطة ونحن حاليًا نتخبط في جميع المجالات، حتى أننا لا نعرف إلى  أين يسير بنا النظام الذي يصر على مواصلة انحرافه في هذا الاتجاه غير المعلوم رغم التحذيرات الكثيرة من أهل العلم وأصحاب الفكر والرأي، وجل ما نخشاه أن نصل ذات يوم إلى  ما أسمته كوندليزا رايس- وزيرة الخارجية الأمريكية- الفوضى الخلاقة، وهو تعبير غريب غير مقبول لأن الفوضى هدامة وليس أدل على ذلك مما نراه بالعراق وأفغانستان.

 

* لو تولت في مصر حكومة إسلامية وخيرتك في تولي وزارة أي الوزارات تحب أن تترأسها؟

** في الحكومات الإسلامية لا مجال للاختيار لأن ولي الأمر يعلم أنه مسئول أمام الله فيضع الشخص الأنسب في المكان المناسب، ولكني لو خيرت فإني قد أستطيع أداء عمل جيد في العمل الدعوي في مثل وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر وكذلك في مجال التعليم والثقافة والإعلام.

 

وزير الإعلام

* لو تم تكليفك بوزارة الإعلام؛ ماذا تفعل؟

** كما بينت لك فأنا لا أمانع في تولي مسئولية الإعلام لكي آتي بالفضلاء وأصحاب الرؤى السديدة ليقوموا بالعمل الإعلامي في حدود ما شرعه الله بتقديم المواد الشيقة السهلة التي تعلم الناس وتثقفهم وترشدهم لصالحهم وصالح بلادهم ومجتمعاتهم، وبالطبع؛ لن نلغي ماسبيرو أو غيره ولكن ما ستفعله هو ترشيده وتوجيهه الوجهة الصحيحة لأن هذه الأماكن مؤثرة بشكل كبير في حياة الناس ولو تم استغلالها بصورة صحيحة فستعود بالنفع وتغير أشياء كثيرة في المجتمع، وما نراه الآن من فساد إعلامي هو نتيجة سير مؤسساتنا الإعلامية في الاتجاه الخاطئ، أما لو تم ترشيد هذه الوسائل فتستطيع عن طريقها أن ترتقي بأفكار الناس وتعليمهم الجدية والإيجابية والمفاهيم الصحيحة.

 

حرية الإبداع

* ولكن هناك فئة تهاجم الإخوان وتعتبرهم ضد الإبداع؛ وتدلل على ذلك بمعارضتكم لفيلم "شفرة دافنشي" وإصراركم على منع عرضه في مصر؟

** كلمة الإبداع هذه كلمة مطاطة وهي كلمة حق ولكن غالبًا ما يراد بها باطل، والإبداع معناه التجديد وإحداث شيء جميل يرقى بالنفس ولكنه طبعًا لا يعني الإسفاف والهبوط بالمستوى الخلقي ونشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة، وما نعارضه نحن هو الإسفاف والدعوة للتحلل لا التحرر وخلط الأمور على حساب القيم والأخلاق بدعوى أن الإبداع لا حدود له وهذا مبدأ برجماتي غربي يعني نسبية الإخلاق، فما يراه فلانًا حسنًا قد لا يستحسنه غيره، وهذا أمر مرفوض في الإسلام الذي رسخ قواعد الأخلاق وبين ثباتها في كل زمان ومكان فالصدق فضيلة والكذب رذيلة والحشمة فضيلة والتعري رذيلة ونسبية الأخلاق لا يعرفها الإسلام.

 

أما عن فيلم "شفرة دافنشي"؛ فأنا لم أشاهده ولكن مما عرفته عنه أنه يشوه صورة السيد المسيح عليه السلام ويسيء إليه وهذا ما يخالف تعاليم ديننا الذي من أركان عقائده الإيمان بجميع الرسل وتوقيرهم، ومن الفتاوى التي أقرها الأزهر وأنا مؤمن بها أنه لا يجوز أصلاً تمثيل الأنبياء والعشرة المبشرين بالجنة.

 

* دور الانعقاد الأول من هذه الدورة البرلمانية شهدت تمرير عدة قوانين هامة مثل تمديد الطوارئ وتأجيل انتخابات المحليات وقانون السلطة القضائية والحبس الاحتياطي وقانون الصحافة والنشر، ما دلالة ذلك في وجهة نظر فضيلتكم؟

** من الواضح أن ملف التوريث هو الشغل الشاغل للنظام الحالي وهو يفعل ويمرر كل ما يمهد له، فالطوارئ ستمنع الناس عن التعبير عن رأيهم وتتكفل باعتقال كل معارضي النظام بزعم أنه أرهابي، والمحليات تؤجل انتخاباتها لكي تظل مجالسها مشكلة بالصورة الحالية التي تكرس سيطرة الحزب الوطني مما يغلق الباب أمام أي مرشح يريد التقدم للانتخابات الرئاسية ويجعل هذه الانتخابات حكرًا على من يرشحه الحزب الحاكم القادر على تنفيذ الشروط التعجيزية للمادة 76 التي شهدت أسوأ تعديلات قانونية في تاريخ مصر وتجبر من يريد المنافسة على منصب الرئيس على الحصول على تزكية 500 من نواب المجالس التشريعية والمحلية، هذا فضلاً عن إرهاب القضاة والصحفيين وملاحقة واستبعاد أي قوى قادرة على المنافسة في أية انتخابات رئاسية، ونحن نعلم أن كل هذه القوانين تساعد وتمهد لتمرير التوريث ونبذل قصارى جهدنا في معارضتها أو تعديلها ولكن الأغلبية ما زالت للحزب الحاكم، فنلتزم بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)﴾ (الأعراف) فنحن نقدم النصيحة ونعذر أنفسنا أمام الله سبحانه وليس علينا بعد ذلك ألا يستجيبوا لنا.

 

مستحيل

* من بين أعضاء الحزب الوطني من يدعي معارضته لبعض القوانين، ولكنه يبرر موافقته عليها بالتزامه الحزبي مع الوطني، فهل من الممكن أن يوافق الشيخ عسكر وهو عضو في كتلة الإخوان البرلمانية على قانون يعارضه لالتزامه مع كتلة الإخوان؟

** هذا مستحيل تمامًا، ونحن عند عرض كل قانون نجلس لنتشاور في كل صغيرة وكبيرة تخصه حتى نصل لرأي واحد على ضوء هدي الإسلام ومنهج الإخوان في خدمة أهلهم وأوطانهم، وقد نختلف في جزئيات صغيرة فنردها إلى  الكتاب والسنة النبوية المطهرة وأصحاب الفكر والاجتهاد، ولا أنكر أن الشورى في الإسلام ملزمة ولكن في حدود ما شرعه الله وليس لصالح فرد أو لصالح فئة معينة على حساب الناس.

 

* هناك تقارير تشيد بالحيوية التي أضفاها نواب الإخوان على فاعليات المجلس ولكنها تنتقد عدم تفجير النواب لقضايا كبرى، فما رأيكم في ذلك؟

 الصورة غير متاحة

د. أحمد فتحي سرور

** هذا الكلام غير دقيق؛ وكتلة الإخوان البرلمانية تواجه تضييقًا شديدًا وتعتيمًا إعلاميًّا مقصودًا حتى لا يرى الشعب ما تفعله من إنجازات، لأن ما يدور داخل المجلس مشرف بكل المقاييس لنواب الإخوان الذين استحقوا تقدير وإعجاب المتابعين لأدائهم القوي والموضوعي في كل ما أثير من قضايا أو فجره نواب الإخوان بالاستجوابات وطلبات الإحاطة، وكثيرًا ما يحرج التزام الإخوان الحزب الوطني ويجد الدكتور فتحي سرور كتلة الإخوان أغلبية في المجلس أثناء نظر قانون معين، مما يضطره لإعادة المداولة أو تأجيل التصويت حتى يتم استدعاء نواب الوطني، وهذه الفترة السابقة شهدت العديد من فعاليات الإخوان التي يتم التعتيم عليها ولكننا نواجه ذلك عن طريق المؤتمرات الصحفية والنشرات الإخبارية وبواسطة أدواتنا ووسائلنا الإعلامية المختلفة.

 

* وماذا قدمت كتلة الإخوان لخدمة ودعم القضية الفلسطينية، خاصة ونحن نعلم أنها على رأس اهتمامات جماعة الإخوان المسلمين؟

** هذه القضية هي شغلنا الشاغل ولم نغفل عنها لحظة واحدة، خاصة مع ما شهدته الأيام الأخيرة من اعتداءات صهيونية على إخواننا الفلسطينيين في غزة، وقد طالبنا بطرد السفير الصهيوني من مصر واستدعاء السفير المصري من عاصمة الصهاينة، وقلنا إذا كانت بيانات المجلس تصف الاعتداءات الصهيونية بأنها إرهاب دولة فلماذا نؤوي سفراء الإرهابيين ولماذا نرسل سفيرنا إليهم؟، وطالبنا بالمقاطعة الكاملة لدولة الكيان الصهيوني ووقف إمدادها بالبترول والغاز الطبيعي والأسمنت والحديد لأن ذلك حرام وغير جائز شرعًا والاتفاقيات التي تجيز بيع الغاز لأعداء الأمة ليديروا بها مصانعهم وتبيعهم الأسمنت ليبنوا بها الجدار العازل مرفوضة تمامًا ومحرمة قطعًا، ولا مجال هنا للتحجج باتفاقيات السلام التي لا يعترف بها اليهود أنفسهم، فأي سلام ذلك الذي يبيح قتل الجنود المصريين على الحدود ويسمح لعملاء اليهود بالتسلل إلى  سيناء للعبث وتخريب مدن العريش وطابا ودهب وتهديد أمننا القومي.

 

* هل أثّرت مشاركة الإخوان السياسية على نشاطهم الدعوي؟

** نستطيع أن نقول إن العمل السياسي قد برز مؤخرًا لظروف المرحلة، ولكن ذلك لا ينسينا أن جماعة الإخوان قائمة على مبدأ الدعوة إلى الله، وأن جميع كوادر الإخوان مكلفة ببذل قصارى الجهد في مجال الدعوة لأنه هو السبيل الوحيد لنصر الإسلام، ونحن ندخل المجلس بغرض الدعوة إلى الله، ولن نفتر عن بذل كل المحاولات في سبيلها رغم كل ما نواجهه من تضييقات على نشاطنا الدعوي من جانب الأجهزة الأمنية التي تترصد لنا وتضم أي مسجد نقيم فيه نشاطًا إلى الأوقاف، كما تتعقب أنشطتنا في البيوت بغرض منعنا من أداء واجبنا الشرعي تجاه الدعوة الإسلامية.

 

* وكيف ترى حال الصحوة الإسلامية؛ هل هي تتقدم أم تتراجع؟

** المد الإسلامي ينمو ويزداد وسينتصر بإذن الله والإمارات على ذلك كثيرة، ولست أؤيد من يقول إن الإسلام لن ينتصر مرة أخرى مستشهدًا بحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء... " لأني أرى في هذا الحديث دليل حتمية نصر الإسلام، فكما كان غريبًا ومنبوذًا بين المشركين وانتصر الغرباء، فاليوم هو محارب من كل الدنيا ولكن الغرباء والقابضين على دينهم سينتصرون مرة أخرى، والمبشرات على ذلك كثيرة في القرآن والسنة والواقع والتاريخ.

 

* بما تنصح شباب المسلمين عامة لنصر دينهم؟

** أنصح الشباب بتوثيق صلته بالله عز وجل لأن النصر من عند الله وحده وليس بالعدة والعتاد، وقوتنا ليست من ذاتنا ولكنها من فضل الله وكرمه، وأقول لهم: إن النصر مضمون لأن الله وعد به وهو لا يخلف الميعاد ولكن ساعة النصر مرهونة بكم، فكلما توثقت صلتكم بالله اقتربت ساعة النصر، وكلما قصرتم أو أهملتم أو غرتكم كثرتكم تأخرت ساعة النصر حتى تأتي أجيال أخرى تحب الله ويحبها ويحقق الله النصر على يديها