الحمد لله حمدًا يُوافي نعمه ويدفع نقمه ويكافئ مزيده... نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك ونُثني عليك الخير كله، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد.. جل ثناؤك وعظم جاهك ولا إله غيرك.

 

ونشهد أن لا إله إلا الله.. قاهر المتجبرين ومذل المتغطرسين وناصر المجاهدين.. لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعزَّ جنده وهزم الأحزاب وحده.

 

ونشهد أنَّ سيدنا وحبيبنا وعظيمنا محمدًا عبدُ الله ورسوله خير عابد وخير مجاهد ربَّى أصحابه على العزةِ والإباء والصمود.. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)﴾ (التوبة)، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معك أولئك هم المفلحون.. ثم أما بعد،

 

أيها المسلمون:

إنَّ الصراعَ بين الحقِّ والباطلِ سنةٌ كونيةٌ من سننِ الله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ (الفرقان: من الآية 20)، ثم إنَّ للحق أهلَه وجنده وللباطل أهله وجنده والحرب سجالٌ ما بين المعسكرين، فتارةً ينتفش الباطلُ ويتبجح أمام الحقِّ ولكنه انتفاشٌ زائفٌ كالزبد فوق الماء ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْض﴾ (الرعد: من الآية 17)، وأحيانًا يتراجع الحق قليلاً ليرتب الصفوف ثم يتقدم.. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: من الآية 81)، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)﴾ (الفتح).

 

وإننا على ثقةٍ كاملةٍ ويقينٍ لا شكَّ فيه بأنَّ الحقَّ منتصرٌ لا محالةَ في النهايةِ كان ذلك عند ربك حتمًا مقضيًا وكتابًا مسطورًا.. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105)﴾ (الأنبياء)، ومهما طال الليل فلا بد من بزوغِ الفجر.

 

أيها المسلمون: طالما أنَّ الصراعَ قائمٌ فليوطن كل منا نفسه لأي فئةٍ سينتمي، ولأي حزبٍ سينحاز.. لحزبِ الله وجنده أم لحزبِ الشيطان؟.. هل سينحاز لأهل الحق أم لأهل الباطل؟ أم سيكون مع السلبيين والهمل والغثاء والدهماء، وهذا السواد السلبي من هذه الأمة مصيره مشئوم.

 

ولكن وطنوا أنفسكم: إذا أحسن الناس أن تُحسنوا وإن أساءوا أن تجنبوا إساءتهم.
والحق منتصرٌ إن شاء الله بنا أو بغيرنا إن ناصرناه وأيدناه فلنا الشرف، وإن تولينا وتخاذلنا فلنا الخزي والعار والحق منصورٌ ولكن على أيدي غيرنا.. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ (محمد).

 

وهذه هي الآية التي ختم الله بها سورة القتال سورة محمد وكأنه سبحانه يضع القاعدة الأساسية للنصر في المعركة ما بين الحق والباطل فإذا تحققت هذه القاعدة كان النصرُ حتمًا لأهل الحق.

 

إن ما يحدث على أرض الشام في فلسطين ولبنان حلقةٌ من حلقاتِ هذا الصراع الأبدي بين الحق الباطل.. فها هو العدوانُ الصهيوني الهمجي يتواصل على لبنان وفلسطين ويدك العدو بقنابل حقده الدفين على العرب والمسلمين والمنازل والمساجد والكنائس والجسور ومحطات الكهرباء والماء يدمرون الأخضر واليابس.

 

ويسقط من اللبنانيين حتى الآن والحرب تدخل أسبوعها الثالث أكثر من خمسمائة شهيد وآلاف الجرحى، فضلاً عن البنية الأساسية والمرافق التي دمرت والقرى والمدن التي نسفت وسويت بالأرض فماذا فعل العالم المتحضر؟ وماذا فعلت الأمم المتحدة راعية السلام؟!! وماذا فعلت أمريكا التي تدعي أنها حامية الديمقراطية في العالم؟!!

 

لقد سقط الإزار وهتك الستر وانكشفت الحقائق وسقطت الدعاوى الباطلة وانحسر القناع الأمريكي عن وحشيةٍ ليس لها مثيلٌ، وثبت للجميع أن مَن يدَّعي أنه المجتمعُ المتحضرُ لا يُمثِّل أدنى قيمةٍ من قيمِ العدل والحرية والمساواة ونصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم.

 

فبينما تتناثر أشلاء الضحايا وتتعالى أنَّاتُ الجرحى وصرخاتُ الأطفال تأتي شمطاءُ البيت الأبيض وتتحدث عن فرصةٍ لخلق شرق أوسط جديد، ثم إنَّ الوقاحةَ والصلفَ بلغ بها إلى أن تطالب "إسرائيل" بعدم تضييع الفرصة ومواصلة العدوان والقصف حتى يتم القضاء على حزب الله نهائيًّا.. لقد تخلَّتْ في حديثها عن أبسطِ قواعد الدبلوماسية عمدًا، وما الذي يمنعها؟!!.

 

إني لأعجبُ أشدَّ العجبِ لأنها لا تقول هذه التصريحات من بلادها كلا بل تتفوه بهذا الكلام وهي في عُقر دارنا وتُستقبَل بكلِّ حفاوةٍ وترحيبٍ في مصرَ ولبنان وفلسطين.

ألا تغضبْ.. ألا تغضبْ

إذا نُهبت مواردُنا... ولم تغضبْ..!

فأخبرني متى تغضبْ؟!

إذا ضربت مآذننا.. ولم تغضبْ..!

فأخبرني متى تغضبْ؟!

إذا ديست كرامتنا.. ولم تغضبْ..!

فأخبرني بلا خجلٍ.. لأية أمةٍ تُنْسبْ؟!!

أيها المسلمون يا عباد الله البرُّ لا يُبلى والذنبُ لا يُنسى والديان لا يموت، أفعل ما شئت كما تدين تُدان.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله رب العالمين ولا عدوانَ إلا على الظالمين معاشر المسلمين:

إنَّ كُره الغرب للإسلام واضح وعداء الصهاينة والأمريكان غير مستغرب.. ولكن الذي لا يُبرر ولا يُفهم هو موقف الأنظمة العربية، فالتصريحات التي أطلقها الحكام العرب هي من الأسباب التي أعطت الضوء الأخضر "لإسرائيل" وأمريكا والغرب ليفعلوا ما فعلوه.

 

إنَّ ضعفَ الحكام العرب هو الذي وفَّر الغطاء "لإسرائيل" لتقوم بتلك المجازر التي تقوم بها ولا حول ولا قوةَ إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: من الآية 139)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين﴾ (النساء: من الآية 144).

 

كلمة أخيرة:

نوجهها إلى رجال المقاومة الأعزاء نقول لهم: إن تخلت عنكم الحكومات والأنظمة وأعلنت استسلامها فإنَّ الشعوبَ لن تتخلى عنكم فأنتم أملنا بعد الله ورمز صمودنا وكرامتنا من بعد هوان..

 

نناديكم نناديكم.. نشد على أياديكم

ونقبل الأرض تحت نعالكم.. ونقول نفديكم

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).