تحقيق- فارس دياب
هناك شبه اتفاق على أنَّ الأغنيةَ الوطنيةَ أصبحت طريحة الفراش في وطننا العربي وغابت منذ فترة طويلة عن وسائل إعلامنا ولم يعد لها وجود حقيقي إلا في المناسبات.
ويأتي ذلك بعد رحلة طويلة لها كان من أبرز نجومها سيد درويش وصلاح جاهين وأحمد رامي وعبد الفتاح مصطفى وغيرهم كثير، لكنَّ الوطن العربي دخل في مرحلةٍ جديدةٍ عليه وهي مرحلة الخضوع والاستسلام وتقديم التنازلات تلو التنازلات بعد أن أسرفَ حكامه في الإنفاق على مظاهر الحكم الجوفاء الخالية من أي جوهر حقيقي.
الدليل على ما نقول ما يجري الآن على الساحة اللبنانية والجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني دون أن ينبس جيش عربي ببنت رصاصة، بل إنه في هذا الوقت نفسه تعرض وسائل إعلامنا العربي أغاني الحب واللوع والصبابة رغم الحرائق المشتعلة في فلسطين ولبنان والعراق.. فماذا جرى للفن العربي الذي كان يُعبِّر دومًا عن قضايا الأمة ويدفعها إلى تجاوز التحديات التي تواجهها.
![]() |
|
حلمي بكر |
سألنا الملحن حلمي بكر عن غياب الأغنية الوطنية فقال: إن هذا النوع من الأغاني ارتبط بوجود حدث؛ فلكل فعل رد فعل، وطالما أن الأحداث في العالم العربي كلها مكررة وراكدة فلا بد من وجود حدثٍ يستحق وجود الأغنية الوطنية.
ويشير في هذا الصدد إلى أن أحداث 67 كان الإعلام يحفز الشارع ويرفع معنوياته رغم أكاذيب الإعلام وخداعه للجماهير، ولكن اليوم تحوَّل الإعلام العربي إلى دعم وتكريس نفوذ الحكام.
ويوضح أن هناك فرقًا بين الأغنية الوطنية والقومية وأيضًا السياسية: فالأغنية القومية قائمة على المجتمع وعلى البيان المجتمعي المؤسسي.. وكذلك الأغنية السياسية نابعة من الأغنية القومية وهي أيضًا الأغنية التي تحثُّ على روحِ النضال وتزرع حب الوطن والانتماء.
ويؤكد أن الانهيار الثقافي والسياسي والاجتماعي الظاهر أدى إلى غياب الأغنية الوطنية في المجتمع، والظروف الراهنة أدَّت إلى غياب حبِّ الوطن وعدم الانتماء إليه.
قلنا له: هل ذلك يؤدي إلى ظهور شعبان عبد الرحيم؟ فأجاب: بالنسبة لظاهرة شعبان عبد الرحيم وتقديمه أغاني وطنية فإنها إحدى آفاتِ المجتمع وأغانيه كلها مريضة ولا تنتسب إلى الوطنِ بأي صلة.
وأكد حلمي بكر أننا نعيش الأغنية المسفهة التي تُقدِّم الإغراءَ لتلهي 60% من الشعبِ وأغلبهم من الشباب، فهذا مجتمع متفكك فكيف يوجد فيه أغنية وطنية.
"حالة توهان"
![]() |
|
حسن أبو السعود |
وأكد أبو السعود أنه مستعد أن يتبرع بأجره لعمل أغنية وطنية، ولكن لا بد من وجود موزع جيد وكلمات هادفة.
وقال: الأغنية الوطنية تُعبِّر عن أحداث معينة وأحداث قومية خاصة بإنجازات الأمة، وردًّا على القول باقتصار الأغنية الوطنية على الفنان شعبان عبد الرحيم قال: أنا أحب شعبان، وهو لذيذ فأغنيته بالضبط أقرب من المونولوج، فهي تُسعد الوجدان!!.
اهتزاز الانتماء
أما الشاعر نعمان لاشين فقد أرجع غياب الأغنية الوطنية إلى اهتزاز الشعور الوطني لدى الأفراد والإحساس بالظلم واليأس، وأضاف أن الأغنية التي نسمعها الآن تكون خاصة وتابعة للسلطة؛ حيث إنَّ كل أغنية تُذاع في التليفزيون قد تكون في الأساس مدحًا في الحاكم فأصبح ظهورها في فترة الانتخابات مثل الانتخابات الرئاسية الأخيرة فشاعت الأغنية الوطنية، وأصبحت تخدم السلطة فلا يوجد مساحة حرية كافية لكي تنطلق فهناك ازدواجية مفروضة على الجميع، وكل هذا من منطق الابتزاز العاطفي للجماهير نحو حب الوطن والاستثمار الزائف للعواطف الشعبية فظهرت الكلمة الضعيفة التي لا تحمل أي معنى بل تمجد الحكومات وتعمل في مدحها بدلاً من القضية الوطنية، وأشار إلى الأغنية الوطنية التي يتكفلها أي اتجاه معارض لا تجد طريقها في الظهور، وفي الضوء فلا تصل إلى أفراد الشارع.
إحباط
وأكد لاشين أن الإعلام المصري يحبط الأغنية الوطنية ويحبط شاعرها وترتقي بالشاعر المقرب من السلطة، ففي السبعينيات كان هناك حراكٌ سياسيٌّ فكانت الأغنية هي محاولة لإيقاظ الجماهير، وكان الحاكم يستغل هذه الأغاني ليصل إلى قلوبِ الجماهير والنظام الحالي لا يهمه الجماهير، فهو يحاول قتل الأغنية الوطنية التي تُطالب بتغير الأوضاع.
فهناك كثيرٌ من المؤلفين والملحنين والمغنين، ولكن لا يوجد وسائل إعلام، وللأسف فالسلطة الحاكمة تسيطر على الوطن ككل وعلى الأغنية الوطنية بنسبة 90%.
ويرى الدكتور محمد النجار صاحب فرقة (بسمة الأندلس) أن هناك سببين وراء تراجع الأغنية الوطنية، الأول هو إبراز الإعلام الأغاني الشبابية وإبراز نجومها وإقامة الحفلات وتوجيه الإعلام إليهم فقط في كل شيء، موضحًا أنَّ الاهتمامَ بهذه الأغاني هو السبب في نسيان الأغنية الوطنية، فكل المنتجين والشعراء توجهوا وراء ما سوف يعلن ويبرز وينشر لدى وسائل الإعلام، أما السبب الثاني فهو غياب الانتماء لدى الجميع، مشيرًا إلى أن التربية الأسرية والجيل الجديد من طلاب المدارس وشباب في الجامعات يكون عندهم مفهوم الانتماء مشوشًا، وأصبح لا يفكر في هموم الوطن ولا يهتم بقضايا أمته فهم زرعوا اللامبالاة واليأس لدى الجميع.
وأكد النجار أن تراجع الناحية السياسية بصفةٍ عامةٍ هي التي أدَّت إلى تراجع الأغنية الوطنية، وبالتالي هي من الأسباب غير مباشرة التي أجبرتنا من خلالها على عدم التفكير في الأغنية الوطنية، وأضاف أنه لو تعرَّض الوطن لأزمةٍ كبيرةٍ فيمكن أن يتجه الشعب ويوجه كل طاقاته لحل هذه المشكلة، ومن هذه الناحية يمكن أن ترجع الأغنية الوطنية من جديد.
وضرب مثالاً بدورةِ الألعاب الأفريقية التي أُقيمت في مصر أكتوبر عام 1991م، وقال: إن الشعب كله اتجه لإنجاح هذه الدورة والاهتمام بها ورفع الأعلام المصرية، وكله شارك في حب مصر لوجود حدث مثل هذا، فلو رأينا في هذا الوقت لوجدنا على كل بيتٍ علم مصر لهذا، فالحدث الكبير ينمي الروحَ عند الشعب وبخاصة الشباب ينمي عندهم روح الحب والانتماء، ومن الواضح أن لدى الشباب استعدادًا، ولكن لا يوجد لديهم قدوة، فتربية الأسرة التي تزرع من الصغر حب الوطن وحب الأغنية الوطنية، فمثلاً قديمًا كان الطلاب في المدارس يرددون الأغاني الوطنية التي تمجد مصر، وكانوا يحفظون تلك الأغاني، ولكن الآن لا تجد هذا.
وقال عن ظاهرة شعبان عبد الرحيم وارتباطه بالأغنية الوطنية: من وجهة نظري ظهورها في ذلك الوقت ارتبط بأحداث (محمد الدرة)، فظاهرة شعبان لا تمثل الحس الوطني وليس هو الذي سيغير شيئًا، ومن الملاحظ أنه لم يؤثر في الأطفال ولا في طلاب الجامعات الذين رددوا أغانيه على أساس أنها وطنية.

