بقلم: د. مجدي الهلالي

عندما يرى المسلمون ما يحدث لهم ولإخوانهم من ذلٍّ وهَوان فإن السؤال الذي يقفز للأذهان هو: ما السبب الذي أوصلَنا لهذا الوضع المزري؟ وكيف نتجاوزه؟ وكيف نخرج من النفق المظلم الذي نسير فيه؟!

 

هذا السؤال يتردد هنا وهناك، وتنطلق عليه كذلك إجاباتٌ كثيرةٌ..

فمن قائل يقول بأن سببَ هوانِ الأمة وضعفِها هو تخلّفها في المجال العلمي والتكنولوجي.
ومِن قائل يقول بل التخلف الاقتصادي هو السبب، ولا بد أن ننهض نهضةً اقتصاديةً لنشكِّل قوةَ ضغط على الآخرين، تردعهم وتمنعهم من إذلالنا وإهانتنا.

 

ومِن قائل بأنه لا بد من التفوق العسكري، فالقوة العسكرية هي التي يهابها الجميع ويعمل لأصحابها ألف حساب.

 

كلُّ هذه الإجابات- على وجاهتها- منطلقها هو تقييمٌ واضحٌ لأسباب نهضة الأمم الأخرى، بَيْدَ أن أصحاب هذه الإجابات قد غفلوا عن أمرٍ عظيمٍ، ألا وهو أن أمة الإسلام ليست كبقية الأمم في الأسباب التي تنهض وتعلو بها، وأن ما يصلح لغيرنا ليس بالضرورة أن يكون صالحًا لنا كمشروع للنهضة.

 

الوضع الخاص لأمة الإسلام

إن أمة الإسلام لها وضعٌ خاصٌّ عند الله، فقد اختارها سبحانه مِن بين جميع الأمم، وحمَّلها أمانة دينه الحق، وطالبها بأن تتمثل هذا الدينَ الحقَّ فيها أولاً، ثم بأن تقوم بعد ذلك بواجبٍ عظيمٍ، ألا وهو تبليغ وتوصيل هذه الأمانة لسائر الأمم والشعوب، ولقد ربط سبحانه بين رفعة الأمة وبين علاقتها بربها، ومدى تمسك أبنائها بتلك الأمانة ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِيْنَ﴾ (آل عمران: من الآية 139).

 

فمهما أخذت الأمة بأسباب التقدم المادي وأغفلت هذه الحقيقة فإنها ستظل تدور في حلقة مفرغة، ولن تتقدم قيد أنملة، وكيف لا ونحن حين نترك الأمانة التي ائتَمَنَنَا اللهُ عليها نكون قد وضعنا أنفسَنا في دائرة الغضب والسخط الإلهي، فهل نظن أن يسمح لنا الله بالتقدم وقد خُنَّا أمانته، واستدعينا غضبه؟!

 

معاصيهم أكثر من معاصينا

فإن قلت: ولكنَّ غيرَنا من الأمم الأخرى تعصي اللهَ أكثر مما نعصيه، وتفعل من الموبقات ما نفعل وتزيد، ومع ذلك فهي لم تعاقَب بمثل ما نعاقَب به من ذلٍّ وهَوان، بل إنها تعلو وتعلو في الأرض..!!

 

نعم، هي كذلك؛ لأنها لم تكلَّف بمثل ما كُلِّفنا له، وقد كانت أمة اليهود قبلنا مكلَّفةً بحَمل الأمانة، فلما خانتها سلَّطَ اللهُ عليها قومًا جبَّارين أكثر معصيةً منهم ودارَت على اليهود الدوائر، ولم يعتبروا بما يحدث لهم، ولم يسارعوا بالعودة إلى الله، ولم يحملوا الأمانة كما ينبغي، فسلبها الله منهم وكلَّف بها أمةَ الإسلام.

 

معنى ذلك أننا الآن في مظانِّ الغضب الإلهي، ولا أملَ لنا في الخروج من حالة التيه التي تمر بها إلا من خلال العمل على استبدال غضبه سبحانه برضاه، ولن يتم ذلك إلا إذا بحثنا عن الإيمان وقمنا بإحيائه وتقويمه في قلوبنا.

 

وإن لم ننطلق من هذا الأمر فمهما فعلنا ومهما اجتهدنا فستخيب مساعيْنا؛ لأننا سنظل مغضوبًا علينا، ألم يقل- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزروع وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (أخرجه أبو داود).

 

مشكلتنا مشكلة إيمانية

لا يزال البعضُ يظن أن نقطة البداية للخروج من النفق المظلم الذي تسير فيه أمتُنا منذ عدة عقود هو التركيز الشديد على الأخْذ بأسباب التقدم المادي والعلمي وإعطاء هذا الأمر الأولوية المطلقة.

 

نعم.. الأخذ بأسباب التقدم العلمي له أهميةٌ كبيرةٌ في مشروع النهضة، ولكنه لا يمكن أن يُعدَّ بمثابة نقطة البداية، فكما أسلفنا بأننا لسنا كبقية الأمم، وأننا الآن مغضوبٌ علينا من الله عز وجل، ويكفي في إثبات ذلك أن الله عز وجل يؤدبنا بأذلِّ أهل الأرض.. فاليهود الذين كُتبت عليهم الذلة والمسكنة أصبحوا بمثابة الأداة والسياط التي تُلهب بها ظهورنا لعلنا نفيق من سباتنا ونعود إلى ديننا.

 

البداية إذن تكون باستبدالِ هذا الغضب الإلهي برضا الله عنَّا، فندخل في منطقة حمايته وكفايته ونصرته ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7).

 

ومما يؤكد على أن نقطة البداية لنهضة الأمة هي نصرة الله على نفوسنا وأهوائنا- أو بعبارةٍ أخرى تقوية الإيمان في قلوبنا- ما حدث مع الجيل الأول، فالصحابة- رضوان الله عليهم- كانوا قبل الإسلام غاية في الغرابة والجاهلية، وكان وضعُهم بين الأمم أسوأ بكثير من وضعنا الآن، وكانوا مضربَ المثل في التخلُّف والجاهلية والتشرذم والهمجية.

 

وعندما انشرحت صدورُهم للإسلام ودخل نورُ الإيمان قلوبَهم وتمكَّن منها أوفَى اللهُ بوعده معهم ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِيْ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ (البقرة: من الآية 40) فلقد وعد سبحانه عبادَه المؤمنين في أي زمان ومكان بأن يمكِّنهم الأرض ويمكِّن لهم فيها ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: من الآية 55).

 

ففي خلال سنواتٍ معدودةٍ استطاع الجيل الأول بعَونٍ وفضلٍ مِن الله أن يجعل أمةَ الإسلام هي القوةَ العظمى في الأرض، وأن يقضيَ على عروش كسرى وقيصر، وعندما ننظر إلى المعارك التي خاضها هؤلاء نجد العجب العجاب، ففي أغلب تلك المعارك- إن لم يكن كلها- كان الجيش المقابل للجيش الإسلامي يتفوَّق عليه في العدد والعدة بشكل مُخيف، فنجد مثلاً أربعين ألفًا يقاتلون مائتي ألف، والأمثلة كثيرة ولتبحث بنفسك- أخي القارئ- عنها في معارك القادسية واليرموك ونهاوند، وفتوحات العراق ومصر وأفريقية؛ لتتأكد من هذه الحقيقة.

 

التفوق المعنوي قبل المادي

إذن فلم ينتصر الأوائل بالتفوق المادي، بل انتصروا بالتفوق المعنوي، انتصروا عندما فعلوا ما يُرضي اللهَ، فتولى سبحانه أمرَهم، ودافع عنهم، وأمدَّهم بجندٍ من عنده ونصَرَهم، وبثَّ الرعبَ في قلوب عدوِّهم ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِيْ فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِيْ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ (آل عمران: 13).

 

فهل بعد ذلك نتجاوز الإيمان ونبحث عن الأسباب المادية فقط؟!

 

درس حنين والعقاب

بل إن المثير للدهشة أنه عندما ازداد العدد والعدة لدَى المسلمين حتى فاقوا أعداءَهم ونَسوا بذلك قيمة الإيمان وأهمية إرضاء الله أولاً، وركنوا إلى قوتهم كانت النهايةُ إما هزيمةً ساحقةً أو درسًا قاسيًا يتعلمونه من خلال الأحداث، كما حدث في معركة (العقاب) التي كانت بين المسلمين في الأندلس في عهد دولة الموحِّدين سنة (609) هـ وبين الفرنجة، وكان عدد جيش المسلمين أكبر بكثير من جيش الفرنجة، وكانت تجهيزاته على أعلى مستوى؛ مما حدا بالكثير من المسلمين إلى الارتكان إلى قوتهم وعدم اللجوء إلى صاحب القوة المطلقة (الله عز وجل)، فتركهم لأنفسهم وخذَلَهم، فكانت الهزيمة المنكرة والعار الشديد الذي لَحِقَ بهم، وكذلك كان الدرس المُوجِع الذي تعلمه المسلمون في حنين شاهدًا على تلك الحقيقة ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (التوبة: من الآية 25).