تحقيق- تسنيم محمد

دفعت التغيراتُ الاجتماعيةُ التي تمر بها مجتمعاتُنا العربية والإسلامية إلى ظهور تداعيات أسفرت عن وجهها القبيح والقاسي على جميع فئات المجتمع، ومن هذه التداعيات ارتفاع نسبة العنوسة وتأخُّر سن الزواج، الأمر الذي دفع العديدَ من الشباب والفتيات للجوء لوسائل مختلفة تساعدهم على التخلص من هذا الشبح المخيف ومن نظرات المجتمع التي لا ترحم، وهو ما استغله البعض في الترويج لحل هذه المشكلة بوسائل مختلفة، كان منها ظهور ما يسمى بـ"مكاتب الزواج"، والتساؤل الذي يفرض نفسه: ما مدى جدية ومصداقية هذه المكاتب؟! وكيف يثق الشباب والفتيات بصفة خاصة بها؟! وما الفرق بين المكاتب التي تقوم على الكسب المادي وبين المكاتب التي تقدم هذه الخدمة تطوعًا؟ وما مدى قبول المجتمع لهذه الفكرة أصلاً؟

 

هذا ما تجيب عليه السطور التالية في هذا التحقيق:

تقول بسمة عوض (42 سنة، مدرسة لم تتزوج بعد): إن الكثير من مكاتب الزواج تخضع للنظرة المادية وربط أكبر عدد، ولا يهمها الرسالة التي تقوم بها وغالبًا ما تنتهي الزيجة بالطلاق؛ لأنها لم تقُم على هدفٍ سامٍ بل نظرة مادية فحسب، وبقاء البنت بلا زواج أفضل من زواج يعقبه طلاق.

 

 

وسيم عبد الهادي (29 سنة، مهندس) يرى أن الزواج ليس سلعة عرض وطلب؛ لأن العلاقة بين طرفيه إنسانية بالدرجة الأولى.

 

ويحكي محمد رؤوف (32 سنة، رجل أعمال) تجربتَه مع أحد هذه المكاتب، فيقول: وجدت نفسي أمام مكتب الوصف الدقيق له أنه مكتبٌ لتسهيل الدعارة والفجور، حيث ذهبت لمكتب يقع بأرقى الأحياء، عبارة عن فيلا لا يوجد بها رجل واحد، بل نساء، وتؤدي المقابلة في النهاية إلى عروض غاية في الانحطاط!!

 

مشيرة عبد الهادي (40 سنة، أم لثلاث بنات) تقول إن العصر اختلف من حولنا وتغيَّر حال الأشياء، وتبدلت الظروف، ولا أمانع أن تتزوج إحدى بناتي بهذه الطريقة أو أي طريقة أخرى، شريطة أن تكون هذه الأماكن موضع ثقة من الجميع.

 

سماسرة الزواج

ليس من السهل اختراق مثل هذه المكاتب- غير الجادة طبعًا- فلها شروط، منها حضور الراغب في الزواج شخصيًّا إلى المكتب، وإحضار البطاقة الشخصية الأصلية وصور منها، ودفع مبلغ يتراوح ما بين 50 إلى 100 جنيه، ثم تقدم استمارة تعارف فيها بيانات شخصية بكل دقة، واسم وعنوان وسن المتقدم للزواج، والمؤهل والوظيفة، ثم خانة المواصفات التي يرغب في توافرها في شريكة حياته، وعند القبول أو الموافقة على الزواج يتم دفع 400 إلى 500 جنيه من كل طرف على سبيل السمسرة، وكأن المكتب توسط في بيع سيارة أو شقة، وترفض هذه المكاتب فئتين من الناس، وهما الصحفي وضابط الشرطة، وطبعًا الأسباب معروفة.

 

يقدر عدد المكاتب حاليًا بأكثر من 125 مكتبًا، يسدد كل راغب في تسجيل اسمه بها رسومًا قيمتها 500 جنيه مصري بعد الحصول على موافقة من وزارتي الداخلية والتضامن الاجتماعي قبل مزاولة النشاط، وتعتمد كثير من هذه المكاتب على ما يُطلق عليه الزواج الإلكتروني، ولكن من الملاحظ بل والمؤكد أنه لا يوجد رقابةٌ أو متابعةٌ من قِبَل هذه الجهات لهذه المكاتب؛ حيث تنتهي المهمة بانتهاء التصريح لها بمزاولة نشاطها.

 

انحسار العلاقات

 الصورة غير متاحة

الدكتور حمدي حافظ- الخبير الاجتماعي ورئيس جمعية أحباب العمل التطوعي، والتي من بين أهدافها التوفيق بين الشباب والفتيات- يؤيد فكرة مكاتب الزواج؛ حيث يوضح أن فكرة إنشاء هذه المكاتب جاءت كنتيجة طبيعية لانحسار العلاقات الاجتماعية بين الجيران والأهل والأقارب كذلك في مجال العمل نجد الفتاة التي لم تتزوج يصل عمرها إلى 35 عامًا وأكثر، ومن ثم فإن الجهات المنوط بها أن تكون فرصةً مناسبةً أو مناخًا ملائمًا لاختيار الفتاة كزوجة غير موجود.

 

ويرفض د. حمدي حافظ مكاتب الزواج التي تقوم على الربح المادي، وينصح الشباب بعدم الإقدام عليها، مؤكدًا أن جمعيته تقدم هذا العمل للشباب والفتيات بشكل تطوعي؛ حيث يملأ الشاب أو الفتاة الاستمارة دون مقابل، وعند موافقة الطرفين يترك الأمر لتدخل الأهل حيث ينتهي دوره.

 

ومن بين المفارقات التي تعرض لها يحكي الدكتور حمدي حافظ أن شابًّا كتب في استمارته أن المواصفات التي يطلب توافرها في الفتاة مواصفاتٌ أوروبية ويكون طولها 168 سم، وعندما أقنعه الدكتور حمدي بأن الشكل ليس كل شيء فجاء مرةً أخرى للدكتور حمدي يعترف أنه اقتنع بكلامه وأنه يريد فتاةً طولها 165 سم.

 

أيضًا من المفارقات أن سيدةً ذهبت للجمعية تطلب لابنها فتاةً تعمل طبيبةً، وعندما سألها الدكتور حمدي عن سبب الاختيار قالت إن ابنها تقدم لابنة خالته التي تعمل طبيبة فرفضته؛ ولذلك فهي تريد أن تغيظها وتزوِّجَه طبيبةً مثلها.

 

رأسان في الحلال

وتنتشر هذه المكاتب أيضًا في أرجاء الوطن العربي والإسلامي، فعلى سبيل المثال لا الحصر كشفت المؤسسة العامة لصندوق الزواج في الإمارات عن ضبط عدد من مكاتب الزواج الخاصة، والتي يطلق عليها "التوفيق بين رأسين في الحلال" وهي تمارس أعمالاً غير قانونية وغير أخلاقية، بعدما تأكد لها أنه يَجري عرض الفتيات والنساء والراغبات في الزواج في فترينات المقاهي والكافتريات على أن يُستدعى الرجال الذين تقدموا إليهن بطلبات للزواج لمشاهدتهن عن قرب وكأنهن سلع معروضة للبيع؛ حيث قامت مجموعةٌ من الفتيات والنساء برفع قضايا لدى المحاكم على هذه المكاتب بعدما اكتشفن أن هذه المكاتب تعاملت معهن بصورة غير أخلاقية مما أصابهن بضرر كبير.

 

وفي السعودية تقدمت أكثر من 300 طبيبة ومعلمة وممرضة وسيدة أعمال ومشرفة سعودية لأحد مكاتب الزواج في جدة لطلب الزواج، وأكد الشيخ عبد الكريم الغامدي- إمام أحد المساجد في جدة وصاحب مكتب للزواج- ازدياد الطلب من جانب النساء على الزواج، وأضاف أن لديه 7 آلاف من السعوديات ما بين بكر وثيب للزواج، وأكثر المتقدمات من الموظفات اللاتي أبدَين رغبتَهن في الزواج ولو على ضرَّة؛ بسبب فوات قطار الزواج وخشيةً من استمرار العنوسة.

 

أما في إندونيسيا فتنتشر مكاتب الزواج الشرعي في جاكرتا في الأماكن التي يتردد عليها العرب، مثل المطاعم التي تقدِّم وجباتٍ عربيةً، ويقدمون عروضهم تحت غطاء مكاتب الزواج الشرعي؛ حيث يقدم الراغب في الزواج مهرًا قيمته 4 ملايين روبية أي ما يعادل 1500 ريال، ولكن بعد عقد القران يفاجَأ الشخص بهروبها، وعندما يذهب إلى المكتب يتنصَّل منه صاحب المكتب ويقول لست مسئولاً عن هروبها.

 

الضوابط

وترى سحر طلعت (أخصائية الإرشاد الأسري) أن فكرة مكاتب الزواج فكرة إبداعية، جاءت كتطور عصري لشكل الخاطبة، وهي وسيلة أو شكل من أشكال التعارف، ولكن لا بد أن يتم تحت سمع وبصر الأهل ولا ينبغي أن تتحول إلى عملية تجارية يتم في سبيلها انتهاك الحرمات وخرق العادات والتقاليد الاجتماعية، وهذا يرجع إلى الضوابط التي يضعها القائمون على هذه المكاتب للحفاظ على مصداقيتهم.

 

وتنصح الشباب والفتيات بأهمية البحث عن المكاتب ذات الثقة والمعروفة بسمعتها الطيبة، وعند كتابة البيانات الخاصة بالفتاة تنصح بكتابة تليفون الأب أو الأخ لتعزز البنت من نفسها وعلى الجانب الآخر تنصح الشاب أن يتقي الله ولا يعتبر الفتاة التي لجأت إلى هذه الوسيلة تقلل من قيمتها، بل تريد أن تعيش حياةً طبيعيةً، وإن أم المؤمنين السيدة خديجة- رضي الله عنها- لم تهدر كرامتها حينما طلبت أن يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم.

 

التطوع أفضل

ويوضح الباحث أمير فتوح عبد العليم- مدرس مساعد الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة- أن مسألة عرض الفتاة لنفسها أو قيام وليّها بعرضها للزواج جائز شرعًا، بل هو شيءٌ محمودٌ، وقد عرض سيدنا عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان بن عفان فرفض، ثم على أبي بكر الصديق فسكت، حتى تزوَّجها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الاختلاف الآن أن أخلاق الناس فسدت، والثقة لم يعُد لها وجودٌ في قاموس حياتنا.

 

ويحذر من فكرة الزواج القائمة على الربح المالي، مؤكدًا أنها لا تجوز شرعًا؛ لأن فيه إهدارًا لكرامة الإنسان؛ لأنه يحول النفس إلى أشياء مادية، كما أنه إهدارٌ لقيمة عقد الزواج في الإسلام.

 

وينصح الفتاة التي تأخر سنُّ زواجها وكذلك الشاب- إن خشيا الفتنة- باللجوء إلى مكاتب الزواج أو الجمعيات التي تقدم هذه الخدمة تطوعًا وبلا مقابل، ومن جهة أخرى يرى ضرورة أن تتوافر في القائمين على هذه المكاتب شروط العدالة الشرعية والشرف والنزاهة والكتمان، وأن يكونوا أيضًا معروفين ومن أهل الدين، وذلك من منطلق ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2) وإن لجأت المرأة فيكون ذلك في أضيق الأحوال ومن الأفضل أن يقوم وليُّها بعرضها على أحد الصالحين.