السؤال: يقول الحق سبحانه في سورة النور: ﴿الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين﴾ (النور: 3)، أرجو أن توضحوا لنا المقصود من هذه الآية، وهل تتساوى التي أخطأت مرةً أو الرجل الذي أخطأ مرةً ثم تابا إلى الله وحسن إسلامهما مع البغيِّ المحترفة للزنا؟!

 

المفتى: فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب

الجواب: اختلف علماء السلف في هذه المسألة على قولين:

الأول: حرمة الزواج بالزانية وهو منقول عن علي والبراء وعائشة وابن مسعود.

 

الثاني: جواز الزواج بالزانية، وهو منقول عن أبي بكر وعمر وابن عباس، وهو مذهب الجمهور، وبه قال الفقهاء الأربعة من الأئمة المجتهدين مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.

 

واستدل القائلون بالتحريم بظاهر الآية الواردة في السؤال، أما جمهور الفقهاء فاستدلوا على جواز النكاح بغير العفيفة من النساء فيما ورد في الحديث أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- سُئل عن رجلٍ زنا بامرأة أراد أن يتزوجها، فقال: "أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يُحرِّم الحلال" (أخرجه الطبراني والدار قطني)، وهذا الحكم في حقِّ من أخطأت ثم تابت وحسُن حالها واستقام أمرها، أما البغايا والساقطات فلا.

 

وكان الشيخان أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- إذا أتاهما رجلٌ وامرأةٌ زنَيا وهما بِكْران يقيمان عليهما الحدَّ ثم يعقدان بينهما النكاح، فقد ثبت عن ابن عمر- رضي الله عنهما- بينما أبو بكر الصديق في المسجد إذ جاءَه رجل فلاث عليه لوثًا من كلام (أي كان كلامه غير واضح لما كان عليه من الفزع والقلق)، وهو دهش، فقال أبو بكر لعمر: قُم فانظر في شأنه، فقام إليه عمر فقال الرجل: إن ضيفًا ضافَه فزنا بابنته، فضرب عمر في صدره وقال: قبَّحك الله، ألا سترت على ابنتك، فأمر بهما أبو بكر فضُربا الحدَّ، ثم زوَّج أحدَهما الآخر، ثم أمر بهما أن يُغرَّبا حولاً (أبو الأعلى المودودي- تفسير سورة النور)، وعلى هذا الرأي الأئمة الأربعة مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد.

 

وهذا الأثر الصحيح الذي ذكره أبو بكر بن العربي في كتابه (أحكام القرآن) يدل على أن المراد من الآية البغايا، واللاتي اشتغلن بالزنا ولم يتوبوا، أما من أخطأت مرةً ثم تابت ولم تقع في الفاحشة ولم تمضِ في هذا الطريق، بل تابت وحسُن حالها، فلا تنطبق عليها هذه الآية، وهذا يدل على أن الإسلام حريصٌ على حفظ المسلمين والمسلمات حتى مَن يقع منهم في الخطأ، فقد بيَّن- صلى الله عليه وسلم- قاعدةً كليةً في هذا الشأن بقوله: "الحرام لا يُحرم حلالاً" (أخرجه الطبراني والدار قطني) ومعناه أن أيَّ فعل غير مشروع لا يجعل فعلاً مشروعًا غير مشروع، وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يكون ارتكاب أحدٌ فعلة الزنا سبيلاً لجعل نكاحه إذا نكح بعدها زنا.

 

أما عن تفسير سبب نزول هذه الآية الذي يوضح القضية بأكملها ويكشف طبيعة الإسلام في الفصل الكامل بين البغيِّ التي احترفت الزنا مع التي أصابت خطأً أو وقعت في إثم ثم تابت وأنابت ما جاء في مسند الإمام أحمد والنسائي وأبو داود والطيالسي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان رجلاً شديدًا، وكان يحمل الأسارى من مكة إلى المدينة قال: فدعوت رجلاً لأحمله، وكان بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقته، خرجت فرأت سوادي في ظل الحائط، فقالت: "من هذا؟ مرثد؟ مرحبًا وأهلاً يا مرثد، انطلق الليلة فبِت عندنا في الرحل"، قلت: "يا عناق، إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حرَّم الزنا"، قالت: "يا أهل الخيام، هذا الدلدل، هذا الذي يحمل أسراءكم من مكة إلى المدينة"، فسلكت الخندمة فطلبني ثمانية فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا فطار بولهم عليَّ وأعماهم الله عني، فجئت إلى صاحبي فحملته، فلما انتهيت به إلى الأراك فككت عنه كبله، فجئت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلت: "يا رسول الله، أنكح عناق؟"، فسكت عني، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني فقرأها علي وقال: "لا تنكحها" (رواه النسائي).