إسلام المسلم- المنصورة- مصر

أنا شابٌّ في الخامسة والعشرين من عمري، وقد ابتلاني الله- عز وجل- بالحِرمان من إحدى متع الدنيا، وهي عدم القدرة على الإنجاب، وهذا ما اكتشفته بعد التحاليل والفحوصات واحتمال الشفاء ضعيف ولكنه ليس مستحيلاً، فلا شيء يستحيلُ على الله عز وجل، ولكني لم أتزوج أو أرتبط بواحدة وهذا ما يقلقني، فإني أتمنى أن أرتبط وأن يكون لي أسرة آنَسُ بها في الحياة، فهل واجب علي أن أصارح من أنوي خطبتَها بهذا الموضوع، ومن الطبيعي أن الكل سوف يعزف عني؛ لأن أي فتاة تريد أن يكون لها أبناء، وهذا حقها، فأنا لا أعرف ماذا أفعل ولكن كلي أمل في أن يتم رفع البلاء عني في المستقبل وكله بإرادة الله.. فأفتوني أعزكم الله، مع الأخذ في الحسبان أني مثل أي شاب يريد فتاةً لم يسبق لها الزواج!!

 

المفتي: لجنة الفتوى في (إخوان أون لاين):

يجب عليك أن تصارحَ مَن تتقدم لخطبتها بكل ظروفك، فهذا أزكى لك وأتقَى ألا تظلم ولا تُظلم، فأنت تريد الزواج، ولكن مشكلتك أنك لا تُنجب، وهذه مشكلةٌ يجب أن تبينَها لمن تريد أن ترتبطَ بها؛ لأن الواجب أن تقوم العلاقة الزوجية على المصارحة والمكاشفة، كما يجب أن ينتفي فيها أي نوع من الغرر أو الغش أو الخداع من كلا الطرفين، فأنت حينما لم تصارح مَن تتقدم لخطبتها هنا تقع في مخالفات شرعية، أولها:

 

المخالفة الأولى الغش: فأنت عندما لا تذكر لها ما لديك من مشكلة فهذا يتنافَى مع خلُق المسلم ويحرمه حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من طرق الْحَسَنِ، قَالَ عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّة".

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي"، فأنت راعٍ لزوجتك ومسئولٌ عنها أمام الله، كما يجب أن تعلم أن أي حياة تقوم على الغش والخداع إنما هي حياةٌ نهايتها الفشل وعدم الاستقرار.

 

المخالفة الثانية الظلم: فأنت عندما تُخفي عنها هنا أنت تمنعها من حقِّها في الإنجاب، وأنت تعلم أن الأولاد زينة الحياة الدنيا لكلا الطرفَين الزوج والزوجة، وأن غرض الزواج يتحقق في تحقيق الإنجاب والعفاف، وهنا أنت تفرض عليها حياةً قد لا ترضاها لنفسها أو تمنعها من حياةٍ قد تتمناها.. يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" وقوله أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" فنذكرك بتقوى الله.

 

ثم تقول إنك لا تعرف ماذا تفعل، وأقول لك إذا كانت نتائج الفحوصات الطبية فيها أملٌ ولو قليلاً جدًّا أو تحتاج إلى عملية جراحية أو علاج.. فعليك أن تُواصل العلاج لعل الله أن يعجِّل شفاءَك بإذن الله تعالى، وعلى كلٍّ فمن الواجب أن تصارح مَن تتقدم إليها بكل أحوالك تلك؛ حتى تبدأ حياةً أساسها التفاهم والتواد والتراحم ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَّرَحْمَةً﴾ (الروم: من الآية 21) فعماد الحياة الزوجية التفاهم والتواد والتراحم.

 

إني أنصحك إذا كنت متيقنًا من أنه لا أملَ من حلِّ مشكلتك طبيًّا فعليك أن تبحث عن فتاةٍ لها نفس ظروفك وتكوِّنان أسرةً يسودها التفاهم والانسجام، ثم تبحثان عن طفل من أطفال المسلمين تضمُّونه إليكما ليؤنس وحدتَكما، وأذكِّرك بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عَنْ سَهْلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا"، وما رواه الترمذي في سننه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَنْ قَبَضَ يَتِيمًا مِنْ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ إِلاَّ أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لا يُغْفَرُ لَهُ".

 

وما رواه ابن ماجة في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ".

 

ثم أنت تتمنى الارتباط بفتاة عذراء وليست سيدةً، وهذا ليس بعيدًا على الله جل في علاه، ولقد عاصرت مشكلةً مثل مشكلتك وكانت لفتاة لم يأتها الحيض، وبعد الفحوصات الطبية ثبت أنها ليس لها رحم، فرضيت بقضاء الله تعالى، ثم أراد الله تعالى أن يجمعها بشاب له مثل ظروفك وقد سبق له أن تزوَّج، وعلم بعد الزواج أنه لن ينجب فتم الانفصال بينه وبين زوجته لهذا السبب، ثم ارتبط هذا الشاب بالفتاة التي لها نفس الظروف ورضِيا بقضاء الله، فعسى الله أن يعوضك خيرًا في دنياك وآخرتك.