بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين القويِّ القاهر، والصلاةُ والسلامُ على خاتمِ النبيين النبيِّ الصابر، وعلى آله وصحبِهِ أجمعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وبعد..
فيسعدُنا أنْ نُرحِّبَ بِكُم رجالَ الإعلامِ في مؤتمرِنا الصحفيِّ هذا حتى نتواصلَ ونعرضَ عليكم آراءَنا وموقِفَنا وعلى الناسِ من خلالِكُم.
إن دعوةَ الإخوانِ المسلمينَ دعوةٌ إصلاحيةٌ سلميةٌ شاملةٌ متدرجةٌ منذ نشأتِها قبْلَ حوالى ثمانينَ عامًا، تستمدُّ فكْرَها ومنهجَها وحركتَها من الإسلامِ، وتقتدي في ذلك كلِّهِ بالنبيِّ- صلى الله عليه وسلم- الذي اعتنَى بإصلاحِ النفسِ الإنسانيةِ عنايتَه بالشريعة وإصلاح البيئة والمناخ العام، ولسانُ حالِهِ يقولُ: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: من الآية 88).
لذلكَ فقدْ بادرْنَا بطرحِ رؤيتِنَا للإصلاحِ في مبادرةٍ أعلنَّاها من نقابةِ الصحفيين في مارس 2004م، وقفَّينا على آثارِها بعرضِ برنامجِنَا الانتخابيِّ إبَّان الانتخاباتِ البرلمانيةِ في نوفمبر 2005م.
وفي كليهما قرَّرنا في المجالِ التربويِّ المعنويِّ وجوبَ إعادةِ بناءِ الإنسانِ على أساسِ الإيمانِ والقيمِ والأخلاق، وقرَّرنا فى مجال الإصلاحِ السياسي أن الأمةَ هي مصدرُ السلطاتِ، وأننا مع حريةَ تشكيلِ الأحزابِ السياسية، ومبدأَ التداولِ السلميِّ للسلطةِ، وحريةَ الرأيِّ والتعبيرِ والاجتماعاتِ الجماهيريةِ العامةِ والتظاهرِ السلميِّ، وحقَّ الترشيحِ والانتخاب للمجالس النيابية والمحلية، وتمثيلَ الشعبِ في مجلسٍ نيابيٍّ منتخبٍ انتخابًا حرًّا نزيهًا، ووجوبَ الفصلِ بينَ السلطاتِ، وانتخابَ رئيسِ الجمهوريةِ من بين عددٍ من المرشحين، وتحديدَ سلطاتِهِ ومدةَ رئاستِهِ بما لا يجاوز فترتين متتاليتين وكفالةَ استقلال القضاءِ وضمانَ إشرافِهِ الكاملِ على الانتخاباتِ والاستفتاءاتِ من بدايتِها لنهايتِهَا.. إلى آخرِ ما جاءَ في هاتيْنِ الوثيقتيْن.
ولم نكتفِ بطرحِ مبادرةٍ نظريةٍ للإصلاحِ، وإنما نزلَ رجالُنا إلى الشارعِ لإحداثِ حراكٍ سياسيٍّ لكسرِ الطوقِ الذي يحول بين الشعبِ وممارسةِ حقوقِهِ باعتبارِهِ مصدرَ السلطاتِ، وباعتباره السيدَ الذي يجبُ أن يَحترِمَ الحاكمُ إرادَتَهُ ويقومَ على تنفيذِها، وواجهَتْ الحكومةُ هذه الحركةَ باعتقالِ ثلاثةِ آلافِ ناشطٍ من الإخوان، واستُشهد أَخُونا طارق الغنام- رحمه الله- إلا أنَّ هذا الحِرَاكَ الذي مارسناه مع بعضِ الأحزابِ والحركات، أثمرَ تعديلَ المادةِ 76 من الدستورِ، ذلك التعديلُ المظهريُّ الخادعُ، والخطيئةُ الدستوريةُ كما سمَّاهُ أحدُ أساتذةِ القانونِ الدستوريِّ، وعندما شَرَعَ النظامُ في إجراءِ استفتاءٍ على هذا التعديلِ، قرَّرتْ الجمعيةُ العموميةُ لنادي القضاةِ إحياءَ مُطالبتِها بإصدارِ قانونِ السلطةِ القضائيةِ الذي اقترحُوه سنةَ 1991م وقدَّمُوه إلى المسئولين لإقراره من مجلسِ الشعب والذي يضمنُ استقلالَهم الماديَّ والإداريَّ وحيادَهُم، ويرفعُ هيمنةَ السلطةِ التنفيذيةِ عن كواهلِهِم، ويُتيحُ لهُم الإشرافَ الكاملَ على الاستفتاءِ وعلى الانتخاباتِ الرئاسيةِ والبرلمانيةِ من بعدِه، إلا أنَّ الحكومةَ سوَّفتْ ولا تزالُ تُماطِلُ في إقرارِ قانونِ استقلالِهم، ورغمَ إشرافِهم على الاستفتاءِ، إلا أنَّ الحكومةَ زوَّرت نتائجَه فأصدروا تقريرًا يفضحُ هذا التزويرَ.
وعند فتحِ بابِ الترشيحِ لانتخاباتِ الرئاسةِ اضطرَّ الرئيسُ- لأولِ مرةٍ في حياتِهِ- إلى طرْحِ برنامجٍ انتخابيٍّ يتضمنُ وعودًا بإصلاحاتٍ دستوريةٍ وسياسيةٍ وقانونيةٍ واقتصاديةٍ، لكنَّهَا غيرُ مرتبطةٍ ببرنامجٍ زمنيٍّ.
ومع الترشيحِ لانتخاباتِ مجلسِ الشعبِ قرَّرنا ترشيحَ 160 مرشحًا فقط من الإخوانِ؛ تحاشيًا للدخولِ في صدامٍ مع نظامٍ يفرضُ نفسَهُ بالقوةِ والقمعِ، وسارَتْ الانتخاباتُ في المرحلةِ الأولى والجولةِ الأولى من المرحلةِ الثانيةِ معقولةً، إلا أنَّ النتائجَ كانَتْ على غيرِ هوى الحكومةِ، فبدأَ التدخلُ السافرُ باستخدامِ قواتِ الأمنِ والاعتداءُ على المواطنين وإصابةُ بعضِهم وقَتْلُ عددٍ منْهُم لمنْعِهِم من التصويتِ، وإغلاقُ اللجانِ في وجوهِهِم، والاعتداءُ على بعضِ القضاةِ، وقيامُ بعضِ القضاةِ- للأسفِ الشديدِ- بالتزويرِ وتغييرِ النتائجِ، وتمَّ اعتقالُ ألفين من الإخوان المسلمين، وهنا وقفَ القضاةُ الشرفاءُ وقفتَهم وفضحُوا التزويرَ وطالبُوا بالتحقيقِ في وقائعِ الاتهامِ بالتزويرِ، ولو مع القضاةِ المزوِّرينَ ومحاسبةِ رجالِ الأمنِ المعتدينَ على الأهالي والقضاةِ، ومن هنا حدثَتْ الأزمةُ بينَ الحكومةِ ونادي القضاةِ؛ إذْ لا يُمكنُ للحكومةِ أنْ تتخلَّى عن رجالِها من القضاةِ المزوِّرينَ والمعتدينَ من رجالِ الأمن، والقضاةُ يرفضونَ أنْ يتحمَّلُوا عارَ التزويرِ أمامَ النَّاسِ، وأوزارَهُ أمامَ اللَّهِ، ويُصرُّونَ على استقلالِهِم عن السلطةِ التنفيذيةِ بإصدارِ قانونِهم، وهنا بدأَتْ الحكومةُ في ألاعيبِهَا لصرْفِ القضاةِ عن موضوعِهِم الأصلي، فأحالت المستشارَيْن محمود مكي وهشام البسطاويسي إلى مجلسِ التأديبِ؛ تمهيدًا لفصلِهِمَا وإرهابِ مَن معهُمَا من القضاةِ.
ولقد وقفْنَا منذُ بدأَتْ الأزمةُ بين الحكومةِ والقضاةِ في أعقابِ الانتخاباتِ بمنأى عن التدخلِ المباشرِ في القضيةِ؛ تفاديًا لاستغلالِ الحكومةِ لتدخلنا لتبطشَ بهم بدعوى تعاطُفِهِم معنا، لكن بعد أنْ وصلَتْ الأزمةُ إلى ذِروتِهَا، واعتصمَ القضاةُ في نادِيهم وبدا أنهم في محنةٍ، وطلبُوا من الشعبِ مؤازرتهم، وتعاطفَ معهم كلُّ فئاتِ الشعبِ، لم يكن أمامَ الإخوانِ بُدٌّ من أنْ يتخلَّوا عن تحفُّظِهِم- وهم القوةُ الشعبيةُ الأكبرُ في الشارعِ- وهم يرَوْنَ في مطالبِ القضاةِ الشرفاءِ جزءًا من منهجِهِم للإصلاحِ، وهم مكلَّفُون شرعًا بنصرةِ المظلومِ، فنزلُوا إلى الشارعِ؛ تأييدًا للقضاة وتعرَّضُوا لبطشِ جحافلِ الشرطةِ التى استخدمت أقسَى أساليبِ العنفِ إلى حدِّ الركلِ بالأقدامِ والضربِ بالعصيِّ والسحلِ على الأرضِ، رغمَ أن تظاهُرَهُم كان سلميًّا حضاريًّا مهذبًا، وتمَّ القبضُ على أعدادٍ كبيرةٍ منهم وحُبِسَ منهم حوالي سبعمائة فردٍ.
ونحنُ الآنَ أمامَ رِدَّةٍ كاملةٍ عن كلِّ وعودِ الإصلاحِ، بل نقضٍ لكلِّ عهدٍ قَطَعَهُ الرئيسُ في برنامجِهِ الانتخابيِّ، يتأكَّدُ ذلك إذا أضفنا إلى جوانبِ الصورةِ السابقةِ ما يلي:
تأجيلَ انتخاباتِ المحلياتِ، تمديدَ حالةِ الطوارئ، تزويرَ انتخاباتِ اتحاداتِ الطلابِ في الجامعاتِ، الاستمرارَ في فرضِ الحراسةِ على النقاباتِ المهنيةِ ومنْعِ عقدِ الجمعيةِ العموميةِ للمهندسين بواسطةِ قواتِ الأمنِ، منْعَ عقدِ الجمعيةِ العموميةِ لنادِي أعضاءِ هيئةِ التدريسِ بجامعةِ الإسكندريةِ، بطلانَ انتخاباتِ اتحادِ نقاباتِ العمالِ ومنذ سنة 2001م بمقتضى حكمِ المحكمةِ الإداريةِ العليا الصادرِ في 2006م، الفسادَ المستشرِيَ في كلِّ قطاعاتِ الدولةِ، غرقَ العبَّارةِ (السلام 98) وهروبَ مالكِهَا.
إنَّ القسوةَ المفرطةَ والبطشَ الشديدَ والاعتقالَ الواسعَ الذي تتعاملُ بِهِ الحكومةُ- التي تدَّعِي الإصلاحَ- مع دُعاةِ الإصلاحِ إنما يُثبِتُ أنها فقدَتْ مصداقيتَها وشرعيتَها، وأنها مُصِرَّةٌ على مزيدٍ من الديكتاتوريةِ والاستبدادِ؛ حمايةً للفسادِ، وإذا كانَ الإخوانُ المسلمونَ ينالُهُم القسطُ الأكبرُ من هذا الظلمِ والاضطهادِ فهُم يعلمُونَ أنَّ هذا ثمنُ الإصلاحِ، وإننا لنعتقدُ أنَّ لكلِّ معتقلٍ من معتقلينا الستةِ آلافٍ الذين تم اعتقالهم خلالَ العامَيْنِ الأخيرَيْنِ، والسبعمائةِ الذين يرزحُونَ الآنَ في غياهبِ السجونِ ديْنًا في عُنقِ كلِّ مصريٍّ وواجبًا عليه لا سيما الذين يدْعُون إلى الحرياتِ وحقوقِ الإنسانِ، ويحمِلُونَ الهمَّ العامَّ، وسوف نستمرُّ- بعونِ اللَّهِ- على طريقِ الحقِّ ثابتين، وعلى طريقِ الإصلاحِ سائرين حتى تعودَ لشعبنا حريتُهُ وحقوقُهُ.
والله أكبرُ ولله الحمدُ.