تحقيق- أمل محمد
العنوسة آفة خطيرة أصابت كل المجتمعات، وإن اختلفت درجة ظهورها من مجتمعٍ لآخر، ففي مصر أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع نسبة العنوسة حيث وصلت إلى 9 ملايين شاب وفتاة تجاوزوا سنَّ الخامسة والعشرين حتى الخامسة والثلاثين، وتسعة ملايين أخرى تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين دون زواج، في حين بلغت هذه النسبة في الكويت 18% وارتفعت إلى 20% في البحرين والإمارات.
وقد توصلت دراسة أجرتها الباحثة نوال أبو الفضل الخبيرة الاجتماعية إلى أن سن الخامسة والعشرين بالنسبة للرجل، وسن الثانية والعشرين بالنسبة للفتاة هي بداية مرحلة الشعور بالخوف من الحرمان من الزواج، وهي بداية همّ العنوسة عند الفتاة المتعلمة، وأن هذه السن تقل بنسبة سبع سنوات عند غير المتعلمات والمتعلمين، كما أن تفاعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية مع معيار تأخر سن الزواج يؤدي بالضرورة إلى القلقِ النفسي وعدم النضج الاجتماعي وأحيانًا الاكتئاب.
إلا أنَّ هناك بعضَ الفتيات نجحن في اجتيازِ هذه الأزمة عن طريقِ الانغماس في العملِ الخدمي والسعي لتحقيق رسالة في الحياة.
عزوبية مثمرة

تقول مها (37 عامًا): كنت أعمل محفظةً للقرآن بأحدِ المعاهد الأزهرية صباحًا وباقي اليوم أقضيه في مللٍ وبلا هدف حتى جاءتني دعوة للمشاركة في جمعية لرعاية الأيتامِ، وفي البداية عارضت أسرتي ولكن بعد تجربة حوالي شهر شعروا جميعًا بمدى التغييرِ في حياتي ومدى تفاؤلي فتركوني أكمل رسالتي.
وتؤيدها رشا (35 عامًا) فتقول: بعد تخرجي من الجامعةِ وجدتُ زميلاتي يتزوجن واحدةً تلو الأخرى بينما لم يُقدَّر لي الزواج فتناسيتُ الأمرَ وقررتُ استثمارَ وقتي حتى يأتيني رزقي فحفظتُ القرآنَ وتطوعتُ كأمٍ بديلةٍ في إحدى دور رعاية الأيتام وقد شغلوني بفضلِ الله عن التفكيرِ في أمرِ الزواج وأشعر الآن أنني صاحبة رسالة.
(ن- ف) أيضًا منذ تخرجها شغلت نفسها برعايةِ الأيتام في أحد فروع الجمعية الشرعية؛ حيث كانت تواظب على حضورِ يوم الجمعة المخصص للأيتام وظلت تُشرف على هذا اليومِ لسنواتٍ طويلة وبعد بلوغها الأربعين قدَّر الله لها الزواج دون أن تسعى إليه.
رعاية الوالدين
بينما نجد (عفاف) نموذجًا للمرأةِ التي رفضت الزواج لرعايةِ والدتها المريضة، وفي هذه الأثناء واظبت على حفظِ القرآن في دارِ الأرقم حتى ختمته وبعد أن تعدَّت الخامسة والأربعين تُوفيت والدتها فانتسبت إلى إحدى دور الأيتام كأمٍ بديلةٍ وبعد أقل من عامٍ تقدَّم لها أرملٌ لديه ثلاثة أطفال فوافقت عليه لكي ترعى هؤلاء الأيتام وتستكمل رسالتها.
وعندما لم تجد الحاجة زينب (52 عامًا) في خُطَّابها الشخصَ الملتزم انطلقت في مجالاتِ العمل الخيري من رعايةٍ لأسرٍ فقدت عائلها إلى مساعدةِ الفقراء في المناطقِ العشوائية، والآن تقوم على رعايةِ والديها المسنين ولم ينقطع عطاؤها الخيري.
الداعية منى دهب أيضًا لها تجربة مشابهة؛ حيث رفض أهلها تزويجها ممَن تقدموا إليها في بدايةِ حياتها؛ لأنهم من النوبةِ ولديهم عادات ثابتة وهي تزويج الفتاة من نفس القبيلة، وبالتالي ضاع عليها كثيرٌ من الفرص؛ لأنه لم يتقدم إليها أحدٌ من نفسِ القبيلة ولكنها أتمَّت حفظ القرآن بل وختمته وتقوم الآن بالتحفيظِ في إحدى دور التحفيظ وأيضًا هي واعظة من واعظاتِ الجمعية الشرعية ونموذج للجدِّ والعطاء وبذل المال واستثماره في خدمةِ الإسلام.
وتقول منى: لقد علمتُ من قراءتي للسيرةِ النبوية أنَّ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود لم يتزوج، فأنا دائمًا أدعو الله بقولي: "اللهم إن لم تقدر لي الزواج في الدنيا فاجعل لي عبد الله بن مسعود زوجًا في الجنة".