1- آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز:
كانت آخر خطبة خطبها بخناصرة، فقال فيها: أيها الناس، إنكم لم تُخلَقوا عبثًا ولن تُتركوا سدى وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحُرم الجنةَ التي عرضها السماوات والأرض، ألا وأعلموا أنما الأمان غدًا لمَن حذر الله وخافه، وباع نافدًا بباقٍ، وقليلاً بكثير وخوفًا بأمان ألا ترون أنكم في أسلابِ الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين؟ وفي كل يومٍ تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله، فتعيبونه في صدعٍ من الأرض، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحبة، وخلع الأسباب فسكن التراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، فقير إلى ما قدَّم غني عما ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه، وأيم الله إني لأقولكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه، وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسد من حاجته ما قدرتُ عليه، وما منكم أحدٌ يسعه ما عندنا إلا وودت أنه سداي ولحمتي، حتى يكون عيشنا وعيشه سواء، وأيم الله أن لو أردت غير هذا من الغضارة والعيش، لكان اللسان مني به ذلولاً عالمًا بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، يدل فيها على طاعته، وينهى عن معصيته، ثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى الناس حوله، ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله.
2- سقيه السم:
اختلفت الروايات عن سببِ مرض وموت عمر بن عبد العزيز فعلى حين تذكر الروايات أن سبب مرضه وموته هو الخوف من الله تعالى والاهتمام بأمرِ الناس كما رُوي عن زوجته فاطمة بنت عبد الملك وكما ذكر ابن سعد في الطبقاتِ عن ابن لهيعة، إلا أنه قد ذكر سبب آخر لموته وهو أنه سُقي السم وذلك أن بني أمية قد تبرموا وضاقوا ذرعًا من سياسةِ عمر بن عبد العزيز التي قامت على العدلِ وحرمتهم من ملذاتهم وتمتعهم بميزاتٍ لا ينالها غيرهم، بل جعل بني أمية مثل أقصى الناس في أطرافِ دولة الإسلام ورد المظالم التي كانت في أيديهم وحال بينهم وبين ما يشتهون، فكاد له بعض بني أمية بوضعِ السم في شرابه. وهذا ليس من المستبعد أو المستغرب أن يعمد أحد هؤلاء إلى سقيه السم ليتخلص منه وليكن ذلك عن طريق خادمه الذي يُقدم له الطعام والشراب، فقد رُوي أنهم وعدوا غلامه بألف دينار وأن يُعتق إن هو نفَّذ الخطةَ فكان الغلام يضطرب كلما همَّ بذلك، ثم إنهم هددوا الغلام بالقتل إن هو لم يفعل، فلما كان مدفوعًا بين الترغيب والترهيب حمل السم فوق ظفره، ثم لما أراد تقديم الشراب لعمر قذف السم فيه ثم قدَّمه إلى عمر فشربه ثم حس به منذ أن وقع في بطنه.
وعن مجاهد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون إنك مسحور. قال: ما أنا بمسحور ثم دعا غلامًا له فقال له: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أُعطيتها وعلى أن أعتق، قال: هاتِ الألف فجاء بها فألقاها عمر في بيت المال. وقال: اذهب حيث لا يراك أحد، فالسبب المباشر لمرضه وموته فهو كما ذكرت الروايات كان بسبب سقيه السم، ففي عفوه عن غلامه الذي وضع له السم وتسبب في قتله وهو قادر على أن يقتله شر قتلة وفي عدم استفهامه من الغلام عن مَن أمره بوضع السم وقد كان يستطيع إرغام الغلام والاعتراف بذلك ثم يأمر بالقصاص منهم جميعًا، مثلٌ عجيبٌ في العفو وسبب ذلك لأنه كان يُوقن أنَّ ما عند الله خيرٌ وأنه إن عفا عنه حصل له الثواب من الله تعالى على عفوه، وإن انتصر منه فأقام عليه الحد لم يأثم ولكنه لا يحصل على أجرِ العفو؛ ونظرًا إلى أن أغلى شيء عنده في هذه الحياة أن يرتفع رصيده من الحسنات فإنه قد فضَّل العفو على انتصاره للنفس.
3- شراء عمر موضع قبره:
بلغ من تواضع عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه عندما ذكروا له ذلك الموضع الرابع في حجرة عائشة والتي فيها قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وعمر، فقالوا: لو دنوت من المدينة حتى تُدفن معهم قال: والله ليعذبني الله عذابًا- إلا النار فإني لا صبرَ بي عليها- أحب إليَّ من أن يعلم الله من قلبي أني أراني لذلك أهلاً. ويأبى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- إلا أن يشتري موضع قبره من ماله الخاص، وذلك بسبب ورعه ومحاسبته الشديدة لنفسه، فقد جاءت الروايات أنه قال لمَن حوله- وهو في مرض موته- اشتروا من الراهب موضع قبري فقال له النصراني: والله يا أمير المؤمنين إني لأتبرك بقربك وجوارك وإنها لخيرة أن يكون قبرك في أرضي، قد أحللتك ويأبى عمر قائلاً: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم ثم دعا بالثمن الذي اختلفت الروايات في مقداره فقيل: دينارين، وقيل ستة، وقيل: ثلاثين، دعا بالثمن فوضعه في يد النصراني فقال أصحاب الأرض: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلنا الثمن.
4- وصيته لولي عهده يزيد بن عبد الملك:
كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك- وهو في مرض الموت- قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر- أمير المؤمنين- إلى يزيد بن عبد الملك، السلام عليك:
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإني كتبتُ إليك وأنا دنف من وجعي وقد علمتُ إني مسئول عمَّا وليتُ يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة ولست أستطيع أن أُخفي عليه من عملي شيئًا يقول تعالى فيما يقول: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: (الأعراف، الآية : 7) فإن يرضى عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت من الهول الطويل، وإن سخط علي فيا ويح نفسي إلى ما أصير أسأل الله الذي لا إله إلا هو، أن يُجيرني من النار برحمته، وأن يمنَّ عليَّ برضوانه والجنة. وعليك بتقوى الله والرعية الرعية، فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلاً حتى تلحق باللطيف الخبير. وجاء في رواية: ... فإن سليمان بن عبد الملك، كان عبدًا من عبادِ الله، قبضه الله واستخلفني وبايع لي من قبله، وليزيد بن عبد الملك إن كان من بعدي، ولو كان الذي أنا فيه لاتخاذ أزواج، أو اعتقاد أموال كان الله قد بلغ بي أحسن ما بلغ بأحدٍ من خلقه ولكني أخاف حسابًا شديدًا ومسألة لطيفة، إلا ما أعان الله عليه والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
لقد نصح عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- لولي عهده يزيد بن عبد الملك ما وسعه النصح وبذل ما يقدر عليه من التخويفِ والتهديدِ من عاقبةِ الأمر مع ضربِ الأمثلة والاعتبار بالسابقين فقد نصح وبلَغ أتم البلاغ.
5- وصيته لأولاده عند الموت:
لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاةُ دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد أفغرت أفواه ولدك من هذا المال، فلو أوصيت بهم إليَّ وإلى نظرائي من قومك فكفوك مؤونتهم، فلما سمع مقالته: قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: قد سمعت مقالتك يا مسلمة، أما قولك: إني قد أفغرت أفواه ولدي من هذا المال فوالله ما ظلمتهم حقًّا هو لهم ولم أكن لأعطيهم شيئًا لغيرهم، وأما ما قلت في الوصية فإن وصيتي فيهم: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف، الآية: 196). وإنما ولد عمر بين أحد رجلين: إما صالح فسيغنيه الله، وإما غير ذلك فلن أكون أول مَن أعانه بالمال على معصية الله ادع لي بني، فأتوه فلما رآهم ترقرقت عيناه، وقال: بنفسي فتية تركتهم عالة لا شيء لهم - وبكى -: يا بني إني قد تركت لكم خيرًا كثيراً، لا تمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا رأوا لكم حقًا يا بني إني قد مثلت بين الأمرين: إما أن تستغنوا وأدخل النار، أو تفتقروا إلى آخر يوم الأبد وأدخل الجنة، فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إلي، قوموا عصمكم الله، قوموا رزقكم الله . وجاء في رواية: أن عمر وصى مسلمة أن يحضر موته وأن يلي غسله وتكفينه، وأن يمشي معه إلى قبره، وأن يكون مما يلي إدخاله في لحده، ثم نظر إليه وقال: انظر يا مسلمة بأي منزلٍ تركتني، وعلى أي حالٍ أسلمتني إليه الدنيا. فقال له مسلمة: هذه مائة ألف دينار، فأوصي فيها بما أحببت، قال: أو خير من ذلك يا مسلمة أن تردها من حيث أخذتها، قال مسلمة: جزاك الله عنا خيرًا يا أمير والله لقد ألنت قلوبًا قاسية، وجعلت لنا ذكرًا في الصالحين.
وفي الأثرين الماضيين دروس وعبر؛ ففي الخبر الأول مثل من ورع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى حتى في وصيته لأولاده بعد موته، حيث لم يرض لنفسه أن يُفارق الدنيا وقد حمل ذمته شيئًا لا يدري على أي وضعٍ يكون تنفيذه، فربما تصوَّر أنه لو أوصى بهم أحد أقاربه لأعطاهم من مصدر لا يحل، فيلحقه بذلك شيء من الإثم، فلجأ إلى الله تعالى وفوَّض أمرهم إليه، لقد تصوَّر في معاملة أولاده وقوعه بين أمرين: أن يغنيهم في الحياة الدنيا، وذلك يمنحهم شيئًا من المال العام للمسلمين، فيتعرض بذلك للفحات النار، أو أن يكتفي بالإنفاق عليهم من المورد القليل الحلال الخالي من الشبهات فيتعرض بذلك لنفحات الجنة، فاختار الطريق الأخير مع ثقته أنه لن يضيعهم، وقد أشار إلى أنه ترك لهم السمعة العالية، حيث سيكونون موضع احترام وعطف جميع المسلمين وأهل الذمة، وأكرم بذلك من تركة إنها تركة عظيمة لا تقدر بها أموال الدنيا عند أصحاب الأفكار النيرة والعقول المبصرة، وفي قوله: "إنما ولد عمر بين رجلين: إما رجل صالح فسيغنيه الله وإما غير ذلك فلن أكون أول مَن أعانه بالمال على معصية الله" لفتة جليلة إلى معيةِ الله تعالى لأوليائه بالحفظ أخذًا من قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، وإشارة إلى أن الأمرَ المهم أن يبذل الوالد أقصى جهده في تربيةِ أولاده على الصلاحِ ليحفظهم الله تعالى، وليس المهم أن يسعى في جمع المال لهم حتى يغتنوا من بعده، لأنهم إن لم يكونوا صالحين فسيكون ذلك المال عونًا لهم على معصية الله تعالى.
وأما في الأثر الثاني يوجه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ابن عمه مسلمة بن عبد الملك إلى التحري في اكتسابِ المال، ويُبين له أن إنفاق المال بالصدقة أو الهدية لا يجعله حلالاً، بل لا بد من التحري في كسبه، فإذا لم يكن للإنسان حق فيه وجب عليه أن يرده إلى مستحقيه، ولا يبرئ ساحته أن يتصدق به أو يهديه.
6- وصيته إلى مَن يغسله ويكفنه:
عن رافع بن حفص المدني أن عمر قال لرجاء: إذا أنا مت وغسلتموني وكفنتموني وصليتم عليَّ وأدخلتموني لحدي، فاجذب اللبنة من عند رأسي، فإن رأيت وجهي إلى القبلة فاحمدوا الله وأثنوا عليه، وإن رأيت قد زويت عنها، فاخرج إلى المسلمين ما داموا عند لحدي حتى يستوهبوني من ربي، قال: فلمَّا وضع في لحده وقبل باللبن على وجهه جذبت اللبنة من عند رأسه فإذا وجهه إلى القبلة فحمدنا الله وأثنينا عليه.
7- كراهته تهوين الموت عليه:
قال عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن يخفف عني سكرات الموت لأنه آخر ما يرفع للمؤمن من الأجر، وفي رواية: ما أحب أن يخفف عني سكرات الموت لأنه آخر ما يُكفر به عن المرءِ المؤمن.
8- حاله لما احتضر:
لما احتضر عمر بن عبد العزيز، قال: أخرجوا عني فلا يبقين عندي أحد. وكان عنده مسلمة بن عبد الملك، فخرجوا وقعد مسلمة وفاطمة زوجه أخت مسلمة على الباب فسمعوه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه ليست وجوه إنس ولا بوجوه جان، وجاء في رواية: ... قالت فاطمة بنت عبد الملك: كنت أسمع عمر يقول في أيام مرضه: اللهم أخف عنهم موتي ولو ساعة من نهار، فلما كان اليوم الذي قُبض فيه خرجت من عنده، وجلست في بيت بيني وبينه باب، فسمعته يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص، الآية: 83). ثم هدأ فجعلت لا أسمع له صوتًا ولا حسًا ولا كلامًا.. فقلت لوصيف كان يخدمه: لو دخلت على أمير المؤمنين فدخل وصاح، فقمت ودخلت عليه وقد أقبل بوجهه إلى القبلة وأغمض عينيه بإحدى يديه وأغمض فمه بالأخرى، ومات رحمه الله.
وجاء في رواية: أن عمر بن عبد العزيز لما كان مرضه الذي هلك فيه قال لهم: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر فقالوا له: إنك لتنظر نظرًا شديدًا، فقال إني لأرى حضرة ليست بإنس ولا جن ثم قُبض. وكان نقش خاتمه: عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله.
9- تاريخ وفاته:
تُوفي الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لعشر ليال بقين من رجب سنة (101هـ) على أصح الروايات واستمرَّ معه المرض عشرين يومًا وتوفي بدير سمعان من أرض المعرة بالشام بعد خلافة استمرت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وتُوفي وهو ابن تسع وثلاثين سنة وخمسة أشهر وعلى أصح الروايات وكان عمره لما تُوفي أربعين سنة.
10- الأموال التي تركها عمر بن عبد العزيز:
اختلفت الروايات على مقدار تركة عمر بن عبد العزيز حين تُوفي، ولكن الروايات متفقة على قلة التركة وانعدامها، ومن هذه الروايات ما رواه عمر بن حفص المعيطي قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- قال: قلت كم ترك لكم من المال؟ فتبسم وقال: حدثني مولى لنا كان يتولى نفقته، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- حين احتضر: كم عندك من المال؟ قلت أربعة عشر دينارًا، قال: فقال تحتملون بها من منزل إلى منزل، فقلت: كم ترك من النحلة؟ قال: ترك لنا نحلة ستمائة دينار ورثناها عنه عن اختيار عبد الملك، وتركنا اثني عشر ذكرًا وست نسوة، فقسمناها على خمس عشرة.
والصحيح أن الذكور الذين ورثوه هم أحد عشر ذكرًا، لوفاة ابنه عبد الملك قبله. وقال ابن الجوزي: أبلغني أن المنصور قال لعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-: عظني. قال: مات عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- وخلف أحد عشر ابنًا، وبلغت تركته سبعة عشر دينارًا كُفن منها بخمسة دنانير، وثمن موضع قبره ديناران وقُسِّم الباقي على بنيه، وأصاب كل واحد من ولده تسعة عشر درهمًا، ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنًا فقسمت تركته وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف، ورأيت رجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يومٍ واحد على مائةِ فرس في سبيل الله عز وجل، ورأيت رجلاً من ولد هشام يُتصدق عليه. وما مضى يظهر لنا جليًا أنَّ المالَ الذي ورثه عمر بن عبد العزيز من أبيه- وهو مال كثير- أخذ في التناقص حتى تُوفي- رحمه الله ورضي الله عنه.
11- ثناء الناس على عمر بن عبد العزيز بعد وفاته:
أ- مسلمة بن عبد الملك: حين تُوفي عمر ورآه مسجى قال: يرحمك الله لقد لينت لنا قلوبًا قاسية وأبقيت لنا في الصالحين ذكرًا.
ب- فاطمة بنت عبد الملك: فعن وهيب بن الورد، قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز لما تُوفي جاء الفقهاء إلى زوجته يعزونها، فقالوا لها: جئناك لنعزيك بعمر، فقد عمَّت مصيبة الأمة، فأخبرينا يرحمك الله عن عمر: كيف كانت حاله في بيته؟ فإن أعلم الناس بالرجل أهله.
قالت: والله ما كان عمر بأكثركم صلاةً ولا صيامًا ولكني والله ما رأيت عبدًا لله قط أشد خوفًا لله من عمر، والله إن كان ليكون من المكانِ الذي ينتهي إليه سرور الرجل بأهله، بيني وبينه لحاف، فيخطر على قلبه الشيء من أمر الله، فينتفض كما ينتفض طائر وقع في الماء، ثم يشجب، ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول: والله لتخرجن نفسه فأطرح اللحاف عني وعنه، رحمة له وأنا أقول: يا ليتنا كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها.
ج- الحسن البصري: لما أتى الحسن موت عمر بن عبد العزيز قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا صاحب كل خير.د- مكحول: ما رأيت أزهد ولا أخوفَ لله من عمر بن عبد العزيز.
هـ- يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، كأنَّ النار لم تُخلق إلا لهما.
و- بكاء الرهبان عليه: عن الأوزاعي قال: شهدت جنازة عمر بن عبد العزيز، ثم خرجت أريد مدينة قنسرين فمررت على راهب فقال: يا هذا أحسبك شهدت وفاة هذا الرجل قال: فقلت له: نعم فأرخى عينيه فبكى سجامًا، فقلت له: ما يبكيك ولست من أهل دينه؟ فقال: إني لستُ أبكي عليه، ولكن أبكي على نور كان في الأرض فطفئ.
ز- ملك الروم وبطارقته: بعث عمر بن عبد العزيز وفدًا إلى ملك الروم في أمرٍ من مصالح المسلمين، وحق يدعوه إليه، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسر عليه وهو جالس على سرير ملكه، والتاج على رأسه والبطارقة على يمينه وشماله والناس على مراتبهم بين يديه، فأدى إليه ما قصدوه له فتلقاهم بجميل وأجابهم بأحسن الجواب، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غد أتاهم رسوله، فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة، فقال: هل تدرون لماذا دعوتكم؟ قالوا: لا قال: إن صاحب مصلحتي التي تلي العرب جاء في كتابه في هذا الوقت: أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا، فقال: ألكم تبكون، أو لدينكم أو له؟ قالوا: نبكي لأنفسنا ولديننا وله قال: لا تبكوا له، وأبكوا لأنفسكم ما بدا لكم، فإنه خرج إلى خير مما خلف، وقد كان يخاف أن يدع طاعةً الله فلم يكن الله ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافته، لقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يُحيي الموتى لظننتُ أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنًا وظاهرًا فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدًا بل باطنه أشد حين خلوته بطاعةِ مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكني عجبتُ من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها، حتى صار مثل الراهب، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلاً.
12- ما نُسب إليه من كراماتٍ عند موته:
يُحكى ويُقال عن حسين القصار قال: كنت أجلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز، فمررت يومًا براعٍ وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبًا حسبتها كلابًا، فقلت له: يا راعي ما ترجوه بهذه الكلاب كلها؟ فقال: يا بني إنها ليست كلابًا إنما هي ذئاب. قلت: يا سبحان الله ذئبٌ في غنم لا يضرها، فقال: يا بني إذا صلح الرأس فليس على الجسدِ من بأس. ويبدو أنَّ مثل هذه القصص من المبالغاتِ وإلا في عهد النبوة وقيام الدولة في المدينة وعهد الخلافة، ولم نسمع بأنَّ الذئاب كانت ترعى مع الغنم. وقد رُئيت له منامات صالحة وتأسف عليه الخاصة والعامة، لا سيما العلماء والزهاد والعباد.
13- ما قيل فيه من رثاء:
أ - كثير عزّة قال فيه:
عمّت صنائعه فعـم هلاكه
فالناس فيه كلهم مأجور
والناس مأتمهم عليه واحـد
فـي كل دار رنَة وزفير
يثني عليك لسانك مَن لم توله
خيرًا لأنك بالثناء جدير
ردَت صنائعه عليـه حيـاته
فكأنه من نشرها منشور
ب- وقال جرير:
ينعى النـعاة أميـر المؤمنين لنـا
يا خير من حج بيت الله واعتمرا
حملت أمرًا عظيمًا فاضطلعت بـه
وقمت فيـه بأمـر الله يا عمرا
الشمس كاسفة ليسـت بطالعة
تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
جـ- وقال محارب بن دثار:
لـو أعظم الموت خلقًا أن يواقعه
لعدله لم يصبك المـوت يا عمر
كم من شريعة عدل قد نعشت لهم
كادت تموت وأخرى منك تنتظر
يا لهف نفسي ولهف الواجدين معي
على العدول التي تغتلها الحفـر
وأنـت تتبعهم لـم تـأل مجتهدًا
سقيا لهـا سنن بالحـق تفتقر
لو كنـت أملك والأقـدار غالبة
تـأتي رواحًا وتبيانًا وتبتـكر
رحم الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وأعلى ذكره في المصلحين فهذه معالم من سيرته الإصلاحية التجديدية الراشدية التي سار بها على منهاج النبوة، وقد حفظ الله لنا هذه السيرة ولم تهملها الليالي، ولم تفصلها عنا حواجز الزمن ولا أسوار القرون فلعلها تجد من يسير على نهجه من حكامنا وزعمائنا وقادتنا وما ذلك على الله بعزيز في جيلنا أو في غيره.