تكشف لنا قصة " قنديل أم هاشم " للراحل يحيى حقي ، حالة الصراع التي عاشها المثقف في رحلته من حالة الاغتراب التي عاشها بعد عودته من الغرب إلى الوصول للتكيف مع مجتمعه.
فشخصية " إسماعيل " الطبيب العائد من الغرب ، تبدأ بشعور الغربة بمجرد وصوله إلى وطنه بعد الغيبة ، غربة تصل إلى حد الازدراء لقومه ، ثم الصدام مع حالة الجهل والخرافة التي تريد معالجة " عمش " خطيبته بزيت قنديل أم هاشم ، فيحاول هو معالجتها بالعلم الذي تعلمه في أوربا ، فيفشل ويتسبب في عماها ، فتزداد ثورته ويذهب إلى المسجد ويكسر القنديل ويسكب الزيت ، فيضربه الناس ، ويهرب ويعيش حالة تيه ، يعود بعدها إلى رشده ، ويقرر العودة لعلاج خطيبته مستخدماً علم أوربا وزيت قنديل أم هاشم ( علم أوربا وروحانية الشرق ) فينجح في علاجه ويشفي المريض .
قصة حقيقية ( كما يقول يحيى حقي ) تحمل رمزية حالة الاغتراب التي عاشها المثقف العائد من الغرب ، منهم من استمر في غربته ، بل وتحول من الاغتراب إلى الكراهية والازدراء .
كما عبر عنها "سلامة موسى" في كتابه "اليوم والغد" :"كلما زادت معرفتي بالشر ق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني ، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها ، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها ، هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سراً وجهرة ، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب ."
ومنهم من عاش الغربة وأفاق منها سريعاً . كنموذج " توفيق الحكيم " بعد عودته من فرنسا كما ذكر لصديقه " أندريه " في رسالة من رسائله له ، المجموعة في كتاب " زهرة العمر " : " .... أعيش في جو فكري لا يستطيع أن يعيش فيه مثلي ، أصدقاء الماضي أصبحوا لا يصلحون اليوم لي ، فحديثهم ونكاتهم وطريق قتلهم للوقت مما يزهد في الجلوس إليهم ، وإن شئت وصفاً دقيقاً لحالي فهو يتلخص في كلمة واحدة : الوحدة ، الوحدة في أكمل وأقسى معانيها . "
ومنهم من طالت غربته ثم عاد لجذور ثقافته كنموذج الدكتور " زكي نجيب محمود "
حيث ذكر في مقال له بعنوان " قلم يتوب " أنه قلب في أوراقه القديمة فوجد فقرة يقول فيها :" إنني في ساعات حلمي ، أحلم لبلادي باليوم الذي أتمناه لها ، فإنما أصورها لنفسي وقد كتبنا من اليسار إلى اليمين كما يكتبون ( في الغرب) ، وارتدينا من الثياب كما يرتدون ، وأكلنا كما يأكلون ، لنفكر كما يفكرون ، وننظر إلى الدنيا بمثل ما ينظرون ."
ثم ختم مقاله بقوله :" رأيت القلم الذي شطح ذات يوم في تطرفه نحو الغرب ، قد عاد آخر الأمر إلى توبة يعتدل بها ، فيكتب عن عروبة جديدة تكون هي الثقافة التي تصب جديداً في وعاء قديم ، أو تصب قديماً في وعاء جديد ."
و أود أن ألفت الانتباه إلى أن من عجيب أمر الثقافة ان لها روحاً تنبت من المكان والزمان والنشأة والتاريخ .
وهذه الروح لا تُنتزع بسهولة ممن فيه بقية خير وإخلاص .أما من خرج ولم يعد فهو كالابن العاق ليس فيه خير لأهله مهما بلغ من العلم والجاه .
ولأن مساحة المقال لا تتسع لنماذج أكثر ، أُحيل القارئ الكريم لكتابات الدكتور محمد عمارة عن نفس رحلة الانتقال التي مر بها الدكتور طه حسين .
والخلاصة أن جيل المقلدين الذي تبع جيل الرواد ، لم يتعبوا أنفسهم في البحث عن تحولات الرواد الفكرية ، ووقفوا عند مراحلهم الأولى جهلاً أو عمداً ، بل أخفوا تلك التحولات عن قرائهم تماماً كما أخفوا الجانب النضالي الذي خاضه مثقف الغرب في جانب الحريات مقابل إبراز دورهم في إقصاء الدين .عظم جيل الرواد حاول العودة من التيه ، وكان نجاحهم بدرجات متفاوتة .
فهل الأتباع والمقلدون عندهم نفس المؤهلات العلمية والشجاعة للبحث عن الخروج من التيه ؟!!