أولاً: أشهر ولاة عمر بن عبد العزيز:

اختار عمر لسياسة الرعية وإعمال الحق بين الناس الولاة الثقات الخيرين الأبرار ممن اشتهروا بالأمانة والعلم والقوة والتواضع وعفة النفس، والعدالة، وحسن الخلق والرحمة والقدوة الحسنة ومشاورة الآخرين والنصح وعدم الأنانية والكفاءة والذكاء والحكمة، وقد قال ابن كثير في ولاةِ عمر بن عبد العزيز: وقد صرَّح كثيرٌ من الأئمةِ بأنَّ كلَّ مَن استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة، ومن هؤلاء:

 

1- الحجاج بن عبد الله الحكمي (ولي خراسان وسجستان):

قال عنه الذهبي: مقدم الجيوش، فارس الكتائب، أبو عقبة الجراح بن عبد الله الحكمي ولي البصرة من جهة الحجاج، ثم ولي خراسان وسجستان لعمر بن عبد العزيز وكان بطلاً شجاعًا مهيبًا، عابدًا، قارئًا، كبير القدر. قال الجراح الحكمي: تركت الذنوب حياءً أربعين سنة، ثم أدركني الورع. كان على خراسان كلها حربها وصلاتها ومالها. قُتل عام 112هـ في خلافةِ هشام، فعن سليم بن عامر: دخلت على الجراح فرفع يديه، فرفع الأمراء أيديهم، فمكث طويلاً، ثم قال لي: يا أبا يحيى، هل تدري ما كنا فيه؟ قلت: لا، وجدتكم في رغبة فرفعت يدي معكم، قال: سألنا الله الشهادة، فوالله ما بقي منهم أحد في تلك الغزاة حتى استشهد. قال خليفة: زحف الجراح من برذعة سنة اثنتي عشر إلى ابن خاقا، فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل الجراح في رمضان وغلبت الخرز على أذربيجان وبلغوا إلى قريب الموصل، وكان البلاء بمقتل الجراح على المسلمين عظيمًا، بكوا عليه في كل جند.

 

2- عدي بن أرطاة الفزاري (والي البصرة):

كان أمير البصرة لعمر بن عبد العزيز، حدث عن عمرو بن عبسة وأبي أمامة، قال عباد بن منصور: خطبنا عدي على منبر المدائن حتى بكى وأبكانا، وكان عمر بن عبد العزيز يتفقده بالنصائح والمواعظ، قال معمر: كتب عمر إلى عدي بن أرطاة: إنك غررتني بعمامتك السوداء، ومجالستك القرَّاء، وقد أظهرنا الله على كثيرٍ مما تكتمون أما تمشون بين القبور؟ قدم عدي على البصرة، فقيد يزيد بن المهلب، ونفذه إلى عمر بن عبد العزيز فلما مات عمر، انفلت، ودعا إلى نفسه وتسمَّى بالقحطاني، ونصب رايات سودًا، وقال: أدعو إلى سيرةِ عمر بن الخطاب، فحاربه مسلمة بن عبد الملك، وقتله، ثم وثب ولده معاوية فقتل عديًّا، سنة اثنتين ومائة. قال الدار قطني: يحتج بحديثه.

 

3- عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (والي الكوفة):

الإمام الثقة الأمير العادل أبو عمر العدوي الخطابي المدني ولي امرة الكوفة لعمر بن عبد العزيز، كان قليل الرواية، كبير القدر تُوفي سنة 115هـ.

 

4- عمر بن هبيرة (والي الجزيرة):

كان من الدهاة الشجعان، وكان رجل أهل الشام ولاه عمر الجزيرة (100هـ) فتوجه إليها وغزا الروم من ناحية أرمينية، فهزمهم وأسر منهم خلقًا كثيرًا، واستمرَّ على الجزيرة إلى خلافة يزيد بن عبد الملك فولاه إمارة العراق وخراسان، ثم عزله هشام بخالد القسري فقيده وألبسه عباءة وسجنه، فتحيل غلمانه ونقبوا سربًا وأخرجوه منه فهرب واستجار بالأمير مسلمة بن عبد الملك، فأجاره ثم لم يلبث أن مات سنة سبع ومائة تقريبًا.

 

5- أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم (والي المدينة):

 وهو أحد الأئمة الإثبات الثقات أمير المدينة ثم قاضي المدينة، قيل كان أعلم أهل زمانه بالقضاء، روي عن أبيه وعباد بن تميم وعن سلمان الأغر وخالته عمرة بنت عبد الرحمن وطائفة وعداده في صغار التابعين، روى عطاف بن خالد عن أمه عن زوجة ابن حزم: أنه ما اضطجع على فراشه منذ أربعين سنة ، وقيل كان رزقه في الشهر ثلاثة مائة دينار.

 

6- عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد الأموي (والي مكة):

أقر عمر على مكة عبد العزيز بن عبد الله الأموي والي سليمان بن عبد الملك، وثقة النسائي وابن حبان توفي في خلافة هشام بن عبد الملك.

 

7- رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي (والي مصر):

ذكر ابن تغري بردى خبراً انفرد به وهو: أن عمر بن عبد العزيز أقر على مصر عبد الملك  بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي المصري الذي كان حسن السيرة عفيفاً عن الأموال ثقة فاضلاً عادلاً بين الرعية روى عنه الليث بن سعد وغيره، ثم عزله في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين دون أن يذكر سبب عزله  وولي مكانه أيوب بن شرحبيل بن أكسوم بن أبرهة بن الصباح.

 

8- إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي (والي المغرب):

كان صالحاً فاضلاً زاهداً قدم أفريقية سنة (99هـ) ويقال سنة (100هـ) كان حسن السيرة، سار فيهم بالحق فأسلم على يديه عامة البربر وكان حريصاً على إسلامهم وكان عمر يرسل إليه بالرسائل لدعوة أهل الذمة للدخول في الإسلام، فيقرأها عليهم توفى إسماعيل بن عبيد الله سنة (132هـ).

 

9- السمح بن مالك (بالأندلس):

 الأمير الشهير، استعمله عمر على الأندلس وأمره أن يميز أرضها و يخرج منها ما كان فتحه عنوة فيا خذ منه الخمس وأن يكتب إليه بصفة الأندلس، فقدمها سنة (100هـ) وفعل ما أمره به عمر، واستشهد غازيا  بأرض الفرنجة.

 

هؤلاء من أشهر ولاة عمر بن عبد العزيز الذين عينهم على الأقاليم والولايا ت والذين كانوا عند حسن الظن.

 

ثانيًا: حرص عمر بن عبد العزيز على انتقاء عماله من أهل الخير والصلاح:

إن عمال الخليفة وأمراء البلدان بخاصة هم نواب الخليفة في أقاليمهم، والواسطة بينه ورعيته ومهما كان الخليفة على درجة من الدراية في تصريف أمور السياسة إلا أنه لا يستطيع تحقيق النجاح إلا إذا أختار عماله بعناية تامة، لذا عني عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- عناية فائقة باختياره عماله وولاته، وحين نتبع أخباره في هذا الصدد نجد أن له شروطًا لا بد من تحققها فيمن يختار العمل عنده، ومن أهم هذه الشروط: التقوى، الأمانة، وحسن التدين، فلما عزل خالد بن الريان الذي كان رئيسًا للحرس في عهد الوليد بن سليمان- نظر عمر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن المهاجر الأنصاري فقال: والله إنك لتعلم يا عمرو أنه ما بيني وبينك قرابة إلا الإسلام، ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تُصلي في موضعٍ تظن أنه لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة، خذ هذا السيف قد وليتك حرسي، وكان يكتب إلى عماله: إياكم أن تستعملوا على شيء من أعمالنا إلا أهل القرآن، فإنه لم يكن عند أهل القرآن خير فغيرهم أحرى بأن لا يكون عندهم خير، وإذا شكَّ في أمر من ينوي توليته لم يقدم على توليته حتى يتبيَّن له حاله، فحين ولي الخلافة وفد عليه بلال بن أبي بردة فهنأه وقال: من كانت الخلافة- يا أمير المؤمنين- شرفته فقد شرفتها، ومن كانت زانته فقد زنتها، واستشهد بأبياتٍ من الشعر في مدح عمر فجزاه عمر خيرًا، ولزم بلال المسجد يصلي، ويقرأ ليله ونهاره، فهمَّ عمر أن يُوليه العراق، ثم قال: هذا رجل له فضل، فدس إليه ثقة له فقال له: إن عملت لك في ولاية العراق ما تُعطيني؟ فضمن له مالاً جليلاً، فأخبر بذلك عمر، فنفاه وأخرجه، وكان يكره أن يُولي أحدًا ممن غمس نفسه في الظلم أو عمل مع الظلمةِ لا سيما الحجاج، وإذا كان من قبل عمر يجعل للعصبية والقرابة من البيت الأموي وزنًا في توليةِ العمل، فإنه لم يكن شيء من ذلك في ميزان عمر؛ فحدث الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز جلس في بيته وعنده أشراف بني أمية، فقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندًا من هذه الأجناد؟ فقال رجل منهم: تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى، وإني أكره أن تدنسوا عليَّ بأرجلكم، فكيف أوليكم ديني؟ وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم؟هيهات هيهات.. وقد كان لهذا النهج الذي تميَّزت به سياسة عمر بن عبد العزيز في اختيارِ الولاة والعمال أثر في الاستقرار السياسي في الأقاليم، حيث رضي الناس سير عماله وحمدوا فعالهم، إذ لم يكن في عماله مَن هو على شاكلةِ الحجاج يتعامل مع الناس بالشدةِ ويأخذهم بالتهمة، كما لم يكن منهم صاحب عصبية يرفع أناسًا ويضع آخرين فيجدوا عليه في أنفسهم.

 

ثالثًا: الإشراف المباشر على إدارة شئون الدولة

أشرف عمر بن عبد العزيز بنفسه على ما يتم في دولته من أعمال صغرت أو كبرت، وكان يتابع عماله في أقاليمهم وساعده على ذلك أجهزت الدولة التي طورها عبد الملك بن مروان، كالبريد، وجهاز الاستخبارات الكبير الممتد في أطراف الدولة والذي كان الخلفاء يستخدمونه في جمع المعلومات، وعلى الرغم من عناية عمر بن عبد العزيز في اختيار الولاة، إلا أنَّ هذا لم يمنعه من العمل على متابعة أمر الرعية وتصريف شئون الدولة، وقد اشتهر عنه الدأب والجد في العمل حتى أصبح شعاره لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، فقد قيل له: يا أمير المؤمنين لو ركبت فتروحت، قال: فمن يجزي عني عمل ذلك اليوم؟ قيل: تجزيه من الغد قال: فدحني عمل يوم واحد، فكيف إذ اجتمع عليَّ عمل يومين. وقال ميمون بن مهران: كنت ليلة في سمر عمر بن عبد العزيز فقلت: يا أمير المؤمنين ما بقاؤك على ما أرى؟ أنت بالنهار في حوائج الناس وأمورهم وأنت معنا الآن ثم الله أعلم ما تخلو عليه، فقد كان- رحمه الله- يمضي الكثير من وقته لرسم سياسته الإصلاحية التي شملت مختلف الحياة، السياسية والاقتصادية والإدارية، وغيرها.. حتى خلف رحمه الله كمًّا هائلاً من تلك السياسات التي تُمثل مواد نظام حكمه الإصلاحي الشامل، وقد بعث لهذه السياسات إلى عماله لتنفيذها في مختلف الأقاليم وكثيرًا ما يردفها بتوجيهات تربوية يذكر فيها عماله بعظم الأمانة الملقاة على عواتقهم، ويخوفهم بالله ويأمرهم بمراقبته وتقواه فيما يعملون ويذرون ، وقد كان لمواعظ عمر وتوجيهاته أثر في نفوس عماله أشد من وقع السياط، وأبلغ من أوامر العزل والإعفاء، فكتب مرة إلى أحدهم: يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء.. فلما قرأ عامله الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية أبدًا حتى ألقى الله تعالى، ولم يكتفِ عمر ببعث تلك السياسات والتوجيهات إلى عماله، بل كان يحرص على متابعة تنفيذها، وتحقق آثارها على رعيته. فلا يفتأ يسأل القادمين عن ذلك، فقال زياد بن أبي زياد المدني حين قدم على عمر من المدينة: فسألني عن صلحاء أهل المدينة ورجالهم ونسائهم.. وسألني عن أمورٍ كان أمر بها بالمدينة فأخبرته.

 

وخرج عمر بن عبد العزيز يومًا فركب هو ومزاحم، وكان كثيرًا ما يركب فيلقى الركبان ويتحسس الأخبار عن القرى، فلقيهما راكب من أهل المدينة وسألاه عن الناس وما وراءه، فقال لهما: إن شئتما جمعت لكما خبري وإن شئتما بعضته تبعيضًا، فقالا: بل أجمعه، فقال: إني تركتُ المدينةَ والظالم بها مقهور، والمظلوم بها منصور والغني موفور، والعائل مجبور، فسر عمر بذلك وقال: والله لأن تكون البلدان كلها على هذه الصفة أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس. وحين قدم عليه رجل من خراسان وأراد العودة إلى بلاده طلب من عمر أن يحمله على البريد، فقال له عمر وقد اطمأن لسيرته: هل لك أن تعمل لنا عملاً وأحملك؟ فقال الرجل نعم. فقال عمر: لا تأتِ على عاملٍ لنا إلا نظرت في سيرته، فإن كانت حسنة لم تكتب بها, وإن كانت قبيحة كتبت بها. قال مزاحم: فما زال كتاب منه يجيئنا في عاملٍ فنعزله حتى قدم خراسان.

 

ونلاحظ أن عمر بن عبد العزيز كان يهتم بمصادر متنوعة بجمع المعلومات، لعلمه أن المعرفة الدقيقة بأمور الرعية والولاة تحتاج لجمعِ معلوماتٍ صحيحة التي يبني عليها التوجيهات والأوامر والنواهي النافعة للأمة والدولة. لقد آتت هذه المتابعة الدقيقة من عمر لعماله والتوجيهات التفصيلية لهم ثمارها في استقرارِ أحوال الأقاليم، كما أن هذه التوجيهات والمتابعة من عمر جعلت العمال والولاة في حالة تحفز دائمة للعمل حيث كانت تلك التوجيهات تقع في نفوسهم بمكان، فحدث إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: رأيت أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يعمل بالليل كله بالنهار لاستحثاث عمر إياه.

 

وكان رحمه الله يُرسل المفتشين في الأقاليم ليأتوه بالأخبار: فقد بعث على خراسان ثلاثة مفتشين، يبحثون في ظلامات الناس من نظام خراجها، الذي قرره عدي بن أرطاة على الأهالي وأرسل مفتشاً إلى العراق، ليأتيه بأخبارِ الولاة والناس فيها.. ولقد أعلن عمر في إطار متابعته لشئون الدولة ما يُمكن تسميته بالرقابة العامة، إذ كتب لأهل الموسم في يوم الحج الأكبر: إني بريء من ظلم من ظلمكم... ألا وإنه لا إذن على مظلومٍ دوني، وأنا معوِّل كل مظلوم ألا وأي عامل من عمالي رغب عن الحق، ولم يعمل بالكتابِ والسنة فلا طاعةَ له عليكم.. ألا وأيما وارد في أمرٍ يصلح الله به, خاصة أو عامة, فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار، على قدرِ ما نوى من الحسبة. فقد أعلن في أكبرِ تجمعٍ إسلامي، بل شجع ماديًّا ومعنويًّا على مراقبته، ومراقبة عماله، والإفصاح عن كل ما لا يُوافق الكتاب والسنة، وبطبيعة الحال فالأمة الإسلامية لا تحتاج إلى غير تعاليم الكتاب والسنة، إذا كان الالتزام بها هدف منشود.

 

رابعًا: التخطيط في إدارة عمر بن عبد العزيز

يعرف التخطيط في معناه العام بأنه: العملية التي تتخذ لتلبية احتياجات المستقبل، وتحديد وسائل تحقيقها، كما عرف التخطيط بأنه: الجسر بين الحاضر والمستقبل، ومن هذا التعريف العام يمكن أن نقول:إن التخطيط في الإسلام هو الاستعداد في الحاضر لما يواجهه الإنسان في عمله, أو حياته في المستقبل. وعمر بن عبد العزيز لم يكن ليتخذ قرارًا دونما تخطيط، وتوخ لعواقب الأمور، وأخذها بعين الاعتبار، ولعل من أهم المؤشراتِ على إدراك عمر لأهمية التخطيط والتفكير في الأمور قوله لرجاء: يا رجاء: إني لي عقلاً أخاف أن يُعذبني الله عليه، وكان عمر بن عبد العزيز يعتمد على الله ثم جمع المعلومات والقدرة على حسن قراءتها، واستشراف المستقبل وتحقيق الأهداف المطلوبة، ففي ذلك يقول عمر: من عمل على غير علم كان يفسد أكثر مما يصلح، وقد كان عمر بن عبد العزيز في تخطيطه يضع الأهداف ويختار السياسات، ويحدد الإجراءات ويبلور العمل في خططه ففي إطار بلورة الأهداف كان هناك هدف رئيسي يسعى عمر لتحقيقه ألا وهو الإصلاح والتجديد الراشدي على منهاج النبوة والخلافة الراشده، والقيام بكل مقومات هذا المشروع الإصلاحي من إقامة العدل والحق وإزالة الظلم، وإعادة الإنسجام بين الإنسان وبين الكون والحياة وخالقهما في إطار الفهم الشمولي للإسلام وأما اختيار السياسات كأحد مقومات التخطيط، فإنه قد تجلَّى ذلك في تطبيقاتِ عمر للتخطيط الإداري، ولا أدل على ذلك من عزمِ عمر على الاكتفاءِ بالكتاب الكريم والسنة الشريفة، وأنه غير مستعد للاستماع إلى أي جدلٍ في مسائل الشرع، والدين، على أساس أنه حاكم منفذ وأن الشرع من جانبه على نفسه وعلى رعيته، كما ألزم الرعيةَ بالتمسك بذلك الشرع القويم، هذا في إطارِ تحديد واختيار السياسة العامة، أما تحديد الإجراءات كأحد مقومات التخطيط أيضًا، فإنَّ ذلك يتضح من خلال الإجراءات التي حددها لتنفيذ هذه السياسة من اللقاء الأول مع الأمة عند وضع شروطًا لصحبته والتي قد بينتها فيما مضى، وأما بلورة طريقة العمل، فإنه قد وضح بأنه منفذ وليس مبتدعًا- أي منفذًا لتعاليم الدين وأن الطاعة لمن أطاع الله- وأن يكون أساس العمل إقامة العدل والإصلاح والإحسان بدلاً من الظلم والفجور والعدوان، وقد مارس عمر التخطيط من حيث الشمول وشمل تخطيطه كافة المجالات، فلم يترك مجالاً إلا طرق بابه، في أمور السياسة والحكم، والقضاء والاقتصاد والتربية والتعليم والنواحي الاجتماعية، فضلاً عن التخطيطِ للأمور العامة، كما اهتم ببعض الأقاليم بشكل منفصل مثل خراسان والعراق، واهتمَّ بمؤسسات تنظيمية أخرى مثل القضاء، وبيت المال وولاة الخراج وغير ذلك.

 

خامسًا: التنظيم في إدارةِ عمر بن عبد العزيز

إنَّ التنظيمَ يأتي مكملاً للتخطيط لبناء المتطلبات الإجرائية لتنفيذ الخطط، وقد جعل عمر بن عبد العزيز التنظيم أهم أولويات العمل الإداري ورسخ مفهوم التنظيم في سلوكه الإداري.

 

فمن حيث التنظيم الهيكلي للعمل، نجده قد جزَّأ أعمال الدولة إلى أربعة أجزاء رئيسية، تأتي تحت مسئولية أربعة أركان هم: الوالي والقاضي وصاحب بيت المال والخليفة، بالإضافة إلى تنظيمات أخرى مثل: الخراج والجند والكتاب والشرطة والحرس وصاحب الخاتم والحاجب، وغير ذلك، وفيما يلي اللائحة التنظيمية لمسئوليات العمل في عهد عمر بن عبد العزيز:-

 

رئيس الدولة الخليفة عمر بن عبد العزيز

المستشارون والمعاونون، الخاتم الكاتب، الحاجب، الحرس، الشرطة، الخراج والجند، الصائغة، البريد، الولاة، بيت المال المركزي، دار ضرب العملة، الصدقات، القضاة، المفتون والمعلمون، الكاتب، الخراج، الصدقات، البريد، الشرطة، الجواز، أمور الحرب عند الحاجة.

 

وأما فيما يتعلق بالتنظيم من حيث الإجراءات والعلاقات بين الخليفة والولاة والعمال وتحديد أوجه العمل وأساليب التنفيذ فإنه يمكننا القول بأن الكثيرَ من كتب عمر لعماله تسعى لتحقيق هذا الغرض وإيضاح هذا الجانب التنظيمي من العملية الإدارية، فعلى سبيل المثال، أوضح أسلوب التعامل بينه وبين المظلومين وكيفية الاتصال بينه وبينهم، إذ باح دخول المظلومين عليه من غير إذن ومن صور التنظيم إعادة الكثير من الأمورِ والقضايا إلى ما كانت عليه في عهدِ الرسول (عليه الصلاة والسلام) والخلفاء الراشدين، ومثال ذلك أمره بإرجاع مزرعته في خيبر إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وتمَّ الشيء نفسه بشأن (فدك) إذ كتب إلى أبي بكر بن حزم واليه على المدينة يقول: إني نظرتُ في أمر فدك، فإذا هو لا يصلح، فرأيت أن أردها على ما كانت عليه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأبي بكر وعمر وعثمان، فأقبضها وولها رجلاً يقوم فيها بالحق، وسلام عليك.

 

كما كتب إلى عماله بكل ما يتعلق بتنظيم الأمور المالية والصدقات والضرائب والأخماس والزكاة في الأموال والممتلكات وتنظيم العمال التجارية ومن ليس له الحق في ممارسة التجارة وغير ذلك، كما اهتمَّ عمر بتنظيم أمور القضاء باعتباره السبيل الرئيس للفصل بين الناس في منازعتهم وحماية حقوقهم، فكان لكل مصر أو ولاية قاضٍ يقضي بما في الكتابِ والسنة، وكان قضاته في كل مصر أجل وأفقه وأصلح علماء ذلك المصر، كعامر بن شرحبيل الشعبي بالكوفة والحارث بن يمجد الأشعري  بحمص، وعمر بن سليمان بن خبيب المحاربي بدمشق وغيرهم، كما كان عمر يُمارس القضاء بنفسه، وكان الاعتبار الأساسي في التنظيم القضائي في نظر عمر هو مراجعة الحق، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وعندما اشتكى أهل سمرقند من قتيبة بن مسلم، عيَّن لهم قاضيًّا ليحكم في هذه القضية، وقد مرت معنا، وفي هذه الحادثة أدرك عمر بن عبد العزيز مبدأ الفصل بين السلطات على أتم وجه ذلك بأنه حينما عرف مظلمة أهل سمرقند لم يبث هو بها، مع أنه كان يسعه ذلك، وهو خليفة المسلمين ولم يعهد بذلك إلى عامله على سمرقند سليمان بن أبي السرى، مخافة أن يجمع به الهوى، أو أن تأخذه العزة بالإثم، ولأنه عامل باسم الخليفة الذي أبى هو نفسه أن يبث بالخلاف، ولم يفوض ذلك إلى القائد العسكري، بل أمر بأن يجلس لهم القاضي؛ لأن القاضي لا يتأثر بالاعتبارات العكسرية أو السياسية، ولا يأبه إلا لحكمِ الله، يطبق أوامر الشريعة كما وردت، وهكذا تحقق ظن عمر بن عبد العزيز، وحكم القاضي بأن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم، أي أنه أمرهم بالجلاء، لأن الاحتلال وقع بصورةٍ غير مشروعة.. كما شملت تطبيقات عمر للتنظيم بيت الخلافة، فقد أعاد تنظيمه بما يتوافق مع نظرته في أنه واحد من عامة المسلمين وأنه ليس في حاجة إلى أبهة الملك، فانصرف عن كل  مظاهر الخلافة التي سادت قبله، وألغى بعض الوظائف، كصاحب الشرطة الذي يسير بين يدي الخليفة بالحربة، كعادته مع الخلفاء السابقين له، وقال له عمر: تنح عني ما لي ولك؟ إنما أنا رجل من المسلمين ثم سار وسار معه الناس.

 

سادسًا: الوقاية من الفساد الإداري في عهد عمر بن عبد العزيز:

سعى عمر بن عبد العزيز لتحقيق السلامة من الفساد الإداري، بالحرص على سبل الوقاية منه، وسد المنافذ على السموم الإدارية مثل الخيانة، والكذب والرشوة والهدايا  للمسئولين والأمراء والإسراف وممارسة الولاة والأمراء للتجارة واحتجاب الولاة والأمراء عن الناس ومعرفة أحوالهم، والظلم للناس والجور عليهم وغير ذلك، وإليك شيء من التفصيل:

1- التوسعة على العمال في الأرزاق:

كان أول إجراء إداري رأى فيه عمر الوقاية من الخيانة أن وسَّع على العمال في العطاء، رغم تقتيره على نفسه وأهله وأراد بذلك أن يُغنيهم عن الخيانة، فقد كان يُوسِّع على عماله في النفقة، يعطي الرجل منهم في الشهر مائة دينار، ومائتي دينار، وكان يتأول أنهم إذا كانوا في كفاية تفرَّغوا لأشغال المسلمين فقيل له: لو أنفقت على عيالك، كما تُنفق على عمالك؟ قال لا أمنعهم حقًّا لهم، ولا أُعطيهم حق غيرهم، وكان أهله قد بقوا في جهدٍ عظيم، فاعتذر بأن معهم سلفًا كثيرًا قبل ذلك، وبهذا الإجراء ألا وهو التوسع على عماله يحقق عمر أمرين هامين:

 

أ- سد منفذ الخيانة، وما يدفع العمال من حاجةٍ إلى الخيانة وسرقة أموال المسلمين.

ب- ضمان فراغ الولاة والعمال والأمراء لأشغال المسلمين وحوائجهم.

 

2- حرصه على الوقاية من الكذب:

 قال ميمون بن مهران: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده عامله على الكوفة، فإذا متغيظ عليه، فقلت: ما له يا أمير المؤمنين قال: أبلغني أنه قال: لا أجد شاهد زور إلا قطعت لسانه. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين: إنه لم يكن بفاعل. قال: فقال: انظروا إلى هذا الشيخ- مستنكرًا ما قال ميمون- إن منزلتين أحسنهما الكذب لمنزلتا سوء. والمقصود فإن الكذب أحد منازل السوء، وبذلك يسعى عمر إلى قطع دابر الفساد الإداري بالتحذير من الوقاية عمَّا يجر إليه الكذب والتحايل في اتخاذ القرارات.

 

3- الامتناع عن أخذ الهدايا والهبات:

رد على من قال له: ألم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقبل الهدية؟ قال بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة، كما أبطل عمر أخذ الهدايا التي كان الولاة الأمويون يأخذونها وبخاصة هدايا  النيروز والمهرجان، وهي هدايا تُعطى في مناسبات وأعياد الفرس، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله كتابًا، يقرأ على الناس، يبطل فيه أخذ التوابع والهدايا، التي كانت تؤخذ منهم في النيروز والمهرجان وغيرها من الأثمان والأجور، كما أنذر ولاته وعماله من أن يتخذ أحدًا منهم تلبية طلبات الخليفة أو أحد أهله شيء مسلم به، ومن ذلك ما حدث عندما أرسلت فاطمة بنت عبد الملك إلى ابن معدي كرب، تطلب عسلاً من عسل سينين أو لبنان، فبعث إليها، وأيم الله لئن عدتُ لمثلها، لا تعمل لي عملاً أبداً، ولا أنظر إلى وجهك.

 

4- النهي عن الإسراف والتبذير:

فقد اتخذ قرارات تنم على حرص شديد على أموال المسلمين فكان أول إجراء له بعد توليه الخلافة هو انصرافه عن مظاهر الخلافة، إذ قربت إليه المراكب، فقال ما هذه؟ فقالوا: مراكب لم تركب قط، يركبها الخليفة أول ما يلي فتركها وخرج يلتمس بغلته، وقال: يا مزاحم- يعني مولاه- ضم هذه إلى بيت مال المسلمين، ونصبت له سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط، يجلس فيها الخليفة أول ما يلي، قال يا مزاحم ضم هذه إلى أموال المسلمين، ثم ركب بغلته، وأنصرف إلى الفرش والوطاء الذي لم يجلس عليه أحد قط، يفرش للخلفاء أول مايلون، فجعل يدفع ذلك برجله، حتى يفضي إلى الحصير، ثم قال: يا مزاحم ضم هذه لأموال المسلمين.

 

أخذ إجراء آخر لمحاربة الإسراف في الدولة، فحين قال له- ميمون بن مهران- وهما ينظران في أمور الناس: ما بال هذه الطوامير التي تكتب فيها بالقلم الجليل، وتمد فيها وهي من بيت مال المسلمين؟ فكتب إلى العمال أن لا يكتبوا في طومار ولا يمد فيه، قال: فكانت كتبه شبرًا أو نحو ذلك. وقد مرَّ معنا كتابه لأبي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري والي المدينة في قصة الشموع، وتوجيه عمر له في ذلك، وكيف يكتب له عندما قال: إذا جاءك كتابي هذا فأرق القلم، وأجمع الخط واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجةَ للمسلمين في فضلٍ قولٍ أضر ببيت مالهم والسلام عليك.

 

ذلك هو شأن عمر في كل أمر يخص مال المسلمين، صغر أو كبر ومع كافة الولاة، فإنه من المسلم به أن عمر لن يكون كذلك مع والي المدينة فحسب بل هو كذلك مع غيره من الولاة والعمال فكان يسعى للتوفير والاقتصاد في الإنفاقِ من بيت المال، ليحول بذلك دون الإسراف والبذخ.

 

5- منع الولاة والعمال من ممارسة التجارة:

قال في كتابٍ له إلى عماله: نرى أن لا يتجر إمام ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أمورًا فيها عنت وإن حرص أن لا يفعل، وذلك إدراك منه أن ممارسة العمال والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم تكن الاثنين معًا: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتهما عن أمورِ واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أمورًا ليست له من الحق في شيء، وبهذا القرار سد عمر منفذًا خطيرًا قد يؤدي إلى فساد إداري قل ما تتوارى عواقبه. وبعد ثمانية قرون جاء ابن خلدون وكتب في مقدمته العظيمة بعد تجارب طويلة ودراسة واسعة، ما يصدق عمر بن عبد العزيز في نظرته الصادقة، وحكمته البالغة قال: إنَّ التجارةَ من السلطان مضرة بالرعايا معسرة للجباية.

 

6- فتح قنوات الاتصال بين الوالي والرعية:

كانت الحاشية حول الخلفاء قبل عمر بن عبد العزيز قد حجبت الناس عن الوصل إلى الخليفة وقد بنى الحاشية سياجًا من حديد لا ينفذ منه إليه إلا ما يشتهون وما تسمح به مصالحهم، أما عمر بن عبد العزيز، فقد أعلن بالجوائز والمكافأة المالية لمَن يخبره بحقيقة الحال، أو يشير عليه بشيء فيه مصلحة المسلمين ومصلحة لدولتهم، وكتب إلى أهل المواسم: أما بعد فأيما رجل قدم إلينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصًا أو عامًا من أمرِ الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة بقدر ما يرى الحسبة وبعد السفر، لعل الله يجيء به حقًّا أو يميت باطلاً، أو يفتح به من ورائه خيرًا.. كما أمر العمال والولاة، بأن يحرصوا على فتح قنوات الاتصال بينهم وبين الرعية ويسمعوا منهم ويتعرفوا على أحوالهم فإن ذلك يمنع ممارسة الظلم والتعدي على حقوق الآخرين ويتيح لكل فرد طلب ما يريد دون اللجوء إلى أساليبِ وطرق لا تمت للإسلام بصلة.

 

7- محاسبته لولاة من قبله عن أموال بيت المال:

لما تولى عمر بن عبد العزيز أمر بالقبضِ على والي خراسان يزيد بن المهلب، ولما مثل بين يديه، سأله عمر عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك. فقال: كنت من سليمان بالمكانِ الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأُسمع الناس به، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذ بشيء سمَّعت، ولا بأمرٍ أكرهه. فقال له: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتقِ الله وأدَ ما قبلك، فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها، فرده إلى محبسه، وبقي فيه حتى بلغه مرض عمر، وقد كان عمر بن عبد العزيز يتحسس أخبار ولاته ويراقبهم ويحاسبهم على تقصيرهم فقد كتب إلى أحدهم يقول: "لقد كثُر شاكوك وقلَّ شاكروك، فإما عدلت، وإما اعتزلت.. والسلام".

 

سابعًا: المركزية واللامركزية في إدارةِ عمر بن عبد العزيز

أخذ عمر بن عبد العزيز بمبدأ الجمع والموازنة بين المركزية واللامركزية خلال إدارته للدولة، بتطبيق أحدهما بحسب الموقف تبعًا لمعايير محددة فإننا نورد بعض المواقف والإجراءات التي تُوضح ذلك، فقد كان من الأوامرِ التي تدل على تطبيقه للمركزية ما ضمنه رسالته إلى عامله على الكوفة، إذ قال: .. فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطعٍ ولا صلبٍ حتى تُراجعني فيه.. وهنا رجَّح عمر أن مصلحةَ الأمة في تطبيقِ المركزية في هذه المسألة البالغة الأهمية، فقد يسبق السيف العزل، فلا مصلحةَ للأمة في التعجيل في أمورِ القتلِ والصلبِ، وكل سيلقي جزاءه طال الوقت أم قصر، فقد كان عمر يرجح التحقيق العادل على التحقيقِ الصارم، فما بالك به في أمرٍ أهم، وهو إزهاق الأرواح، وهناك أمور أخرى أعم وأشمل، أوضح عمر لعماله وولاته وقضاته أنه لا بد من الرجوع إليه فيها متخذًا أسلوب المركزية فيها، وهي كل ما تبتلى به الأمة، وليس لها سابقة في قرآن أو سنة، إذ كتب إلى عماله يبين لهم سياسته، فقال: وأما ما حدث  من الأمور التي تبتلى الأمة بها، مما لم يحكمه القرآن ولا سنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإن والي أمر المسلمين وإمام عامتهم، لا يقدم فيها بين يديه، ولا يقضي فيها دونه وعلى من دونه رفع ذلك إليه، والتسليم لما قضى، وفي مجال آخر رأى ضرورة أسلوب المركزية، حيث جعل للعراق أكثر من وال، وأصبحت خراسان وسجستان وعمان كل منها مرتبطة بالخليفة مباشرة، كما عيَّن واليًا على الأندلس من قبله رغبةً منه في الاعتناء بإقليم الأندلس دون الارتباط بوالي إفريقية. هذا مما يدل على أن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالمركزية وضرورة الرجوع إليه.

 

- وأما ما يدل على ممارسته اللامركزية فنورد المواقف التالية:

روي أن عمر كتب إلى عروة بن محمد عامله على اليمن، يقول: أما بعد: فإني أكتب إليك آمرك أن ترد على المسلمين مظالمهم فتراجعني ولا تعرف بعد مسافة ما بيني وبينك، ولا تعرف أحداث الموت، حتى لو كتبت إليك أن أردد على مسلمٍ مظلمة شاة، لكتبت أرددها عفراء أو سوداء، فانظر أن ترد على المسلمين مظالمهم  ولا تراجعني، ويبدو في هذا القرار دقة متناهية في تحديد الشيء المرغوب فيه من المركزية واللامركزية، وما حداه هنا إلى تبني اللامركزية من مصلحة للأمة.

 

وهذا موقف آخر فيه دلالة على رغبة عمر في اتباع اللامركزية فقد كتب إلى عدي بن أرطاة يقول: أما بعد: فإنك لن تزال تعني إليَّ رجلاً- أي يتعبه بإرساله إليه- من المسلمين في الحر والبرد، تسألني عن السنة، كأنك إنما تعظمني بذلك، وأيم الله لحسبك بالحسن، يعني- الحسن البصري- فإذا أتاك كتابي هذا فسل الحسن لي ولك وللمسلمين. فكان عمر يؤثر اللامركزية وعدم مراجعته في المسائل الروتينية طالما هناك مَن يثق بعلمه، مثل الحسن البصري رحمه الله، فالحسن أهل لأن يُسأل لعمر، ولعدي الوالي وللمسلمين كافة، وفي هذا الموقف لفتة عمرية في تقدير وتبجيل واحترام العلماء الربانيين كالحسن البصري وإنزاله مقامه اللائق به، فالأمم تنهض عندما تحترم علمائها الربانيين وتنزلهم المنازل التي يستحقونها.

 

لقد مارس عمر مبدأ الموازنة بين المركزية واللامركزية، وكانت له معايير وعوامل تدفعه إلى أي شيء منها يمكن تلخيصها فيما يلي:

1- ارتباط الموقف أو الإجراء بمصلحة عامة أو خاصة.

2- أهمية الأمر الذي سيحدد فيه ممارسة المركزية أو اللامركزية فالإجراء الذي يتعلق بالقتل والصلب مثلاً حري أن تكون المركزية فيه أصلح.

3- مستجدات الأمور مما لم يرد في القرآن أو السنة فهي من الأهمية بمكان.

4- مراعاة البعد الجغرافي بين الخليفة والولاة.

5- مراعاة الوقت وما قد ينجم عن ذلك من ضرر قد يصل إلى الموت.

6- وجود من يعتمد عليه ويطمئن له ولعلمه ويثق به.

7- التأثير على سرعة وسلامة الإنجاز في العمل.

8- مراعاة منح الثقة للقضاة والولاة والعمال.

في ظل هذه المعايير جمع عمر بن عبد العزيز في ممارسته الإدارية بين المركزية واللامركزية، بالموازنة بينهما، وتحديد الدرجة الملائمة في ممارسته لكل منهما، وبذلك يتوافق عمر مع منظري وعلماء الإدارة في إدراك أبعاد هذا المبدأ.

 

ثامنًا: مبدأ المرونة في إدارة عمر بن عبد العزيز

مارس عمر بن عبد العزيز المرونة في التفاهم والحوار والفكر وتنفيذ الأوامر والتقيد بها، ومن تلك الشواهد، ما روى ميمون بن مهران: أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قال: يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني إنما أروض الناس رياضة الصعب، وإني لا أريد أن أحيي الأمور من العدل، فأوخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه. وقال عمر: ما طاوعني الناس على ما أردتُ من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئًا، فقد أبدى بهذا الإعلان منذ توليه الخلافة، أن تحقيق الأهداف يتطلب شيئًا من المرونة والتغاضي، فليس الأمر كما يرى ولده بأن لا مانعَ لديه من أن تغلي بهم القدور في سبيلِ تحقيق العدل، بصرف النظر عن أي اعتبارٍ آخر.

 

وهذا موقف آخر مع ابنه عبد الملك وإليك ما دار بينهم من حوار:

الابن: ما يؤمنك أن تُؤتى في منامك، وقد رُفِعت إليك مظالم لم تقضِ حقَّ الله فيها؟

الأب: يا بني إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني، إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يك ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا، وإني لأحتسبُ في نومتي من الأجرِ مثل الذي أحتسب في يقظتي، إن الله جل ثناؤه لو أراد أن ينزل القرآن جملةً لأنزله، ولكنه أنزل الآية والآيتين حتى أسكنَ الإيمانَ في قلوبهم. يا بني.. مما أنا فيه أمر هو أهم إليَّ من أهل بيتك (الأمويين) هم أهل القدرة والعدد وقبلهم ما قبلهم، فلو جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشاره عليَّ ولكني أنصف من الرجل والاثنين، فيبلغ ذلك من وراءه فيكون أنجح له  في الآثارِ السابقة، يقدم لنا عمر فقهه الحاذق في إدارة الحركات الإصلاحية التجديدية وتسيير البرامج التي تستهدف إسقاط الظلم والاستغلال ونشر العدل والمساواة.

 

ففي قوله: إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يكُ ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا. فبيَّن رحمه الله: إن طاقة الإنسان محدودة، وأن القابلية على تحمل الجد الصارم لها حدودها هي الأخرى، والإنسان في تقبله لالتزاماته في حاجة ضرورية إلى وقتٍ كافٍّ لتمثل هذه الالتزاماتِ من الداخل وتحويلها إلى مبادئ وقيم ممزوجة بدمِ الإنسان وأعصابه، ومتشكلة في بنيته وخلاياه، وبدون هذا سوف لن تجتاز هذه الالتزامات حدود الإنسان الباطنبة، وستظل هناك مكدسة على أعتاب الحس الخارجي وطالما ظل هذا التكديس يزداد ثقلاً يومًا بعد يوم، فسوف يأتي يوم لا محالة يسقط فيه الإنسان تحت وطأة هذا الثقل المتزايد غير المتمثل.. ومما يلفت النظر عبارته:.. ولكني أنصف الرجل والاثنين فيبلغ ذلك من وراءه فيكون أنجح له. إن عمر هنا يؤكد على أهمية الإنجاز وعلى دوره في تحقيق- الإصلاح والتجديد- فكثيرون هم أولئك الذين طرحوا أقوالاً أعلنوا فيها عن عزمهم على أحداث ثورة حقيقية إنقلاب يجتث الجذور العفنة ويبدأ الزرع من جديد، ولكن هؤلاء ما لبثوا أن سقطوا وسقطت مبادؤهم لا نهم: طرحوا أقوالاً. ..أما عمر هذا المصلح الكبير والفقيه الحاذق، فإنه يريد أن يطرح أفعالاً، ولا يطرحها بالعنف والإكراه ودونما تخطيط، وإنما لينصف الرجل والإثنين فيبلغ ذلك من وراءهما حتى يسري الإصلاح في نفوس الأمة أنى كانت، سريان الضياء في الظلام. ثم إن عمر هذا الذكي المرن لم يشأ أن يخرج شيئاً إلا ومعه طرف من الدنيا يستلين به القلوب ، ولا يمكن لا حد أن يقول أن هذا يمثل تنازلاً من عمر بن عبد العزيز عن أهداف إصلاحاته الشاملة صوب إصلاح جزئي يقوم على الترقيع. .. لأن ما عرفنا عمر منذ حمل مسئولية أمته، يسعى إلى التنازل، ولو شبراً واحداً، عن الأهداف التي طرحها القرآن الكريم والسنة، ولكنه هنا يقدم فقه الأسلوب الحيوي الذي تتأتى به تلك الأهداف كاملة. .. إن الضغط المستمر يولد الإنفجار، ومهما كان سخف هذا الإنفجار وعبثه فإنه لا بد وأن يحرق ويدمر، وإذا كان بإمكان القادة والمسئولين تجاوز هذا الحريق والدمار عن طريق الإلتزام أسلوب حيوي ينسجم وبنية الإنسان النفسية، فلماذا لا يسلكوه  ؟ فعندما قال له أبنه عبد الملك يا أمير المؤمنين: أنفذ لأمر الله وإني جاشت بي وبك القدور فماذا كان جواب الخليفة المرن: يا بني: إن بادهت الناس بما تقول أحوجوني إلى السيف ولا خير في خير لا يحيا  إلا بالسيف لا خير في خير لا يحيا  إلا بالسيف . إن خليفة بهذا المرونة وبهذا الذكاء لا يمكن أن يجزع عن أهدافه يوماً  ومما مضى يتضح أدلة مرونة عمر في إدارته فيما يتعلق بتنفيذ السياسة العامة، سياسة إقامة العدل ونشر الإسلام، وبناء دولة العقيدة ، وإليك هذه الشواهد في تنفيذ مبدأ المرونة:

 

1- فلا يحملنك استعجالنا إياك أن تؤخر الصلاة في ميقاتها:

خرج عمر على حرسه يومًا، فقال: أيكم يعرف هذا الرجل الذي بعثناه إلى مصر؟ قالوا: كلنا نعرفه- وكان قد كلَّف رجلاً بمهمةٍ إلى مصر قبل وقتٍ ليس ببعيد- قال: فليذهب إليه أحدثكم سنًا فليدعه- قال: وذلك في يوم جمعة، فذهب إليه الرجل فظنَّ الرسولَ أن عمر بن عبد العزيز استبطأه فقال له: لا تعجلني حتى أشد عليَّ ثيابي، فشد عليه ثيابه، فأتى عمر، فقال: لا روع عليك، إن اليوم يوم الجمعة، فلا تبرح حتى تُصلي الجمعة، وقد بعثناك لأمر عجلةٍ من أمر المسلمين فلا يحملنك استعجالنا إياك أن تؤخر الصلاة عن ميقاتها، فأبدى عمر في هذا الموقف مرونة في التنفيذ، رغم أنه رسل مندوبه لأمر يهم المسلمين إنجازه على عجل.

 

2- هلا أقمت حتى تفطر ثم تخرج:

استدعى عمر بن عبد العزيز عامله على خراسان، فما كان من العامل إلا أن أسرع بالمغادرة إلى الخليفة؛ تنفيذًا لأمره وعندما وصل إلى مقرِّ الخلافة في دمشق، ورأى الخليفة ملامح التعب والإجهاد على وجهه، سأله: متى خرجت؟ فقال: في شهر رمضان، فقال له عمر: قد صدق من وصفك بالجفاء!! هلا أقمت حتى تفطر، ثم تخرج.

 

3- لا تعنت الناس ولا تعسرهم ولا تشق عليهم:

ذكر ابن سعد أن- ميمون بن مهران- وكان على ديوان دمشق، قال: ففرضوا لرجل زمِن، فقلت: الزمن ينبغي أن يحسن إليه فأما أن يأخذ فريضة رجل صحيح فلا. فشكوني إلى عمر بن عبد العزيز، فقالوا له: إنه يتعنتنا ويشق علينا، ويعسرنا. قال: فكتب إليَّ: إذا أتاك هذا فلا تعنت الناس ولا تعسرهم، ولا تشق عليهم فإني لا أحب ذلك، فكتب إليه عمر انطلاقًا من مبدأ المرونة وتسهيل الأمور.

 

4- المرونة في الحوار والتفاهم:

فقد كان الحوار الهادي ومقارعة الحجة بالحجة أسلوبه في حواره ومناظراته- كما مرَّ معنا مع الخوارج- فقد حدث أن: دخل على عمر أناس من الحرورية، فذاكروه شيئًا، فأشارَ إليه بعض جلسائه أن يُرعبهم، ويتغير عليهم فلم يزل عمر بن عبد العزيز يرفق بهم حتى أخذ عليهم، ورضوا منه أن يرزقهم ويكسوهم ما بقي فخرجوا على ذلك، فلمَّا خرجوا ضرب عمر ركبة رجل يليه من أصحابه، فقال: يا فلان إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك، دون الكي فلا تكوينه أبدًا، وأبدى مرونة في كافة أساليب التعامل معهم.

 

5- المرونة الفكرية:

كان عمر يتحلى بالمرونة الفكرية، متجنبًا الجمود والتشدد، فقد حدث- كما مرَّ معنا- أن أرسل عمر يزيد بن أبي مالك، والحارث بن محمد، ليعلما الناس السنة وأجرى عليهم الأرزاق، فقبل يزيد ولم يقبل الحارث وقال: ما كنت لآخذ على علمٍ علمنيه الله أجرًا، فذكر ذلك لعمر، فقال: ما نعلم بما صنع يزيد بأسًا، وأكثر الله فينا مثل الحارث. فلم يتخذ موقفًا محددًا تجاه العالمين، رغم اختلاف موقفهما تجاه قبول  الأجر على تعليم الناس، فأيَّد أخذ الأجر على التعليم، وأنه لا بأسَ فيه، ثم دعا الله أن يكثر من أمثال الحارث، فاتضحت مرونته في تأييد الموقفين في آنٍ واحدٍ، رغم اختلافهما، ويأتي ذلك في إطارِ ما عبَّر عنه عن قناعته التامة، أن مبدأ المرونة مطلوب وضروري حتى قال: ما يسرني لو أن أصحاب (محمد صلى الله عليه وسلم) لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا، لم تكن رخصة. وقال: ما يسرني باختلاف أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، حمر النعم  فهذه أدلة على تطبيق عمر لمبدأ المرونة في إدارته ولم تكن المرونة عائقًا لتنفيذ القرارات، وتحقيق الأهداف المرسومة، والوصول إلى المرامي والتطلعات.